عرض/ إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب أزمة السودان التي تعبر في الواقع عن الصراع الدولي الذي بدأ في أوائل القرن الـ19 عندما حاولت مصر وتركيا التوغل في أفريقيا, وحاولت القوى الأوروبية التصدي للامتداد العربي والإسلامي في القارة الأفريقية, ومنها بالطبع جنوب السودان.

وعندما تشكل السودان الحديث ظل منقسما بين شمال عربي إسلامي وجنوب ينزع بدعم أوروبي وأميركي إلى الاستقلال ورفض الاندماج.

مقاربة السلام والحرب 

-الكتاب: السودان على مفترق الطرق.. بعد الحرب، قبل السلام
-المؤلف: مجموعة من الباحثين
-عدد الصفحات: 287
-الناشر:
مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
-
الطبعة: الأولى/ 2006
جاء في هذا القسم ثلاث دراسات، السلام الصعب في السودان لعبد الوهاب الأفندي، والسودن إلى أين يتجه؟ جدل السلام والوحدة والانفصال لمحمد الأمين عباس النحاس، واتفاقية ماشاكوس: هل يشهد الجنوب السوداني انفراجا لمحمد وهيب السيد.

وتبدو الأزمات السودانية المتشابكة والمعقدة في هذا السياق مثل حلقات تاريخية بدأت في القرن الـ19 ولم تتوقف بعد في تفاعلاتها ومساراتها.

فقد بدأت مشكلة جنوب السودان بالمواجهة الأوروبية للتوسع المصري والتركي في أوائل القرن الـ19، فقد توجت الحملات العسكرية المصرية التركية بضم جنوب السودان إلى مملكة مصر عام 1870.

وبدأت بريطانيا تسعى في إنشاء قوة عسكرية ومجتمعات تواجه المد الإسلامي في أفريقيا، وطبقت قوانين حماية على مناطق عدة في السودان بهدف إبعاد السودانيين العرب والمصريين عن الجنوب والنوبة.

فمنعت تعليم اللغة العربية واللباس العربي، وطاردت التجار العرب والمسلمين، ومنحت الإرساليات التبشيرية حق احتكار التعليم.

وبعد الاستقلال وقيام دولة السودان الحديثة ألقت هذه التركة بظلالها على الدولة ونظامها السياسي، وظلت جرحا نازفا يعوق الإدارة والتنمية والوحدة الوطنية.

ولكن القيادة السياسية السودانية تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن الفشل في تحقيق الاندماج والمشاركة الكافية بين الشماليين والجنوبيين، وتجنب الأزمات والحروب الأهلية والداخلية التي أضرت بالسودان والوطن العربي أيضا.

تمحور اهتمام طلائع الحركة الوطنية الشمالية تجاه الجنوب حول خلق نظام تعليمي موحد من أجل صهر المزيج السكاني في بوتقة القومية السودانية، إلا أن توجه هذه الطلائع كانت تطغى عليه المسحة العروبية ولم يستصحب البعد الأفريقي وهو ما كان يتناقض مع ميول النخب الجنوبية.

فقد أوجد الاحتلال هوة شديدة الاتساع بين شطري البلد الواحد من خلال النهج التقسيمي الذي اتبعه في الجنوب لتعضيد هيمنته.

وهكذا بدأت القيادات الجنوبية تتبنى موقفا ينطوي على فدرلة الجنوب، وأدى موقف وتوجهات طلائع الحركة الوطنية في الشمال إلى تصلب القيادات الجنوبية لدرجة بلوغ حد المساومة على عدم التصويت على مشروع قرار إنهاء الاحتلال لنيل الاستقلال في الجمعية التشريعية عام 1955 ما لم تقبل الأحزاب الشمالية بمنح الجنوب وضعا فدراليا في السودان المستقل.

لقد كان هناك حوار بين نخب الجانبين في وجود الحكومة الديمقراطية الوطنية الأولى، ولكن وقبل أن يكتمل ويبلغ منتهاه انقض الفريق إبراهيم عبود مستوليا على مقاليد السلطة في العام 1958 في أول انقلاب عسكري في تاريخ السودان.

وبعد نحو ستة أعوام نجحت ثورة أكتوبر في إطاحة نظام عبود، وظهرت فرصة لتجديد الحوار الشمالي الجنوبي، ويمكن القول إن الحوار في هذه المرحلة حقق نوعا من التوافق بين الجانبين رغم بقاء بعض القضايا محل اختلاف.

ولكن وللمرة الثانية وقبل أن يكتمل الحوار عادت الانقلابات العسكرية تطل بوجهها من جديد معلنة عن حقبة جعفر نميري الذي استولى على السلطة في مايو/ أيار 1969، وغاية ما نجح فيه النظام الجديد التوقيع على اتفاقية أديس أبابا عام 1972.

مكنت اتفاقية أديس أبابا –رغم النواقص التي اكتنفتها- البلاد من العيش دون حرب لمدة 10 سنوات، ويرجع ذلك بشكل أساسي لقوة قبضة نميري على الشمال وقوة قبضة حليفه في الجنوب جوزيف لاقو، وليس لشمول نصوص الاتفاقية نفسها.

"
الديمقراطيات الثلاث في السودان كانت أهدافا سهلة أمام الانقلابيين الذين وظفوا استمرار الحرب الأهلية في جنوب السودان لإثبات شرعية انقضاضهم على السلطة المركزية عبر تقديم أنفسهم للناس مخلصين للبلاد من أزماتها ومشاكلها
"
فقد انهارت الاتفاقية فور تراخي قبضتي الرجلين، واندلعت الحرب في الجنوب من جديد واستمرت من بعد ذلك دون توقف أكثر من عقدين، وفي العام نفسه برزت الحركة الشعبية بقيادة جون غارنغ كتنظيم جنوبي جديد.

وتوالت الضربات على نظام نميري حتى قضت عليه الانتفاضة الشعبية عام 1985 التي تولى فيها زمام الأمور المجلس الانتقالي بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب.

وقد أوفى الرجل بالعهد الذي قطعه بألا يبقى المجلس الانتقالي أكثر من عام يكون بمثابة إعداد البلاد لانتخابات عامة.

وشهد السودان قيام الديمقراطية الثالثة عام 1986، إلا أنه في ظل هذه الديمقراطية فقدت الاستقرار السياسي، وفي الجانب الآخر كانت الحركة الشعبية يشتد عودها، وبدأت تحقق انتصارات عسكرية على القوات الحكومية في جنوب السودان بفضل الدعم الكبير لها من دول الجوار والقوى الفاعلة الأخرى.

وتحولت الحرب الأهلية في الجنوب إلى ذريعة تستند إليها النخب العسكرية الطامحة للحكم لتبرر بها انقضاضها على السلطة والانقلاب على الديمقراطية.

فقد كانت الديمقراطيات الثلاث في السودان أهدافا سهلة أمام الانقلابيين الذين وظفوا استمرار الحرب الأهلية في جنوب السودان لإثبات شرعية انقضاضهم على السلطة المركزية من خلال تقديم أنفسهم للناس مخلصين للبلاد من أزماتها ومشاكلها.

هل يشهد جنوب السودان انفراجا؟
يعتبر اتفاق إعلان المبادئ الموقع في أبريل/ نيسان 1994 بين الحكومة والحركة الشعبية لجنوب السودان المحطة الأكثر أهمية في تاريخ مشكلة الجنوب.

وأمكن التوصل إلى هذا الاتفاق برعاية الهيئة الحكومية لمكافحة التصحر والتنمية "الإيغاد" وبعد ذلك ظل الحوار الشمالي الجنوبي يراوح مكانه حتى تم التوقيع على بروتوكول ماشاكوس/ كينيا في يوليو/ تموز 2002.

ويرى البعض أن الاتفاق متوازن، من حيث الشكل، وذلك بالنص على تعديل دستور السودان ليكون هناك دستور للشمال يستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية، فاتفاق ماشاكوس يدور حول قضيتين فقط من قضايا الخلاف والصراع في السودان، هما قضية القوانين الخاصة بالشريعة وقضية حق تقرير المصير للجنوب.

ولكن رغم أهمية القضيتين، هناك قضايا أخرى مهمة غائبة عن الاتفاق، بالإضافة إلى غموض في بعض نصوصه قد تفتح الباب لمزيد من الخلاف.

فهناك خلاف حول الحدود الجغرافية للجنوب الذي سيشارك في الاستفتاء حول الوحدة أو الانفصال، ويمتد الخلاف إلى قضية وجود جيشين، جيش الحركة الشعبية في الجنوب والجيش القومي.

وهناك قضايا أخرى أغفلت مثل تقاسم السلطة والثروة خاصة البترولية التي تتعاظم قيمتها في الجنوب السوداني كل يوم، وإنشاء هياكل للحكم والترتيبات الأمنية والعسكرية.

كما تطالب الحركة بالاشتراك في الحكومة القومية في الخرطوم وتولي وزارات رئيسية مثل الدفاع والمال والخارجية، وتخفيض عدد أفراد القوات المسلحة الحكومية الموجودة في الجنوب إلى الوضع الذي كانت عليه قبل عام 1985، وهو ما يعني سحب 70% من الجيش في الجنوب.

أزمة دارفور

"
أزمة دارفور تكمن في محاولات تصوير هذه الأزمة وكأنها حرب إبادة جماعية تقوم بها المليشيات التابعة للقبائل العربية (الجنجويد) ضد القبائل والمجموعات الأفريقية الموجودة في المنطقة
"
نشر في الكتاب تحت عنوان أزمة دارفور: التداعيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ثلاث دراسات، أزمة دارفور: السودنة والعروبة والتدويل والأفرقة لكاظم هاشم نعمة، وأزمة دارفور: بداياتها وتطوراتها لمحمد الأمين عباس النحاس، وأزمة دارفور: أبعادها السياسية والثقافية لإجلال رأفت.

وقد تصاعدت الأحداث فجأة في دارفور، وأضحت الشاغل للمجتمع الدولي والهم الأول الذي يؤرق الضمير العالمي وحظيت بتغطية إعلامية واسعة.

تنقسم دارفور إلى ثلاث ولايات، وتتشارك مع حدود ثلاث دول، هي تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، وتقطنها مجموعة كبيرة من القبائل تزيد على 100 قبيلة، بعضها تنتمي إلى أصول عربية وأخرى ذات أصول أفريقية.

ومن أبرزها: الفور والزغاوة والهلبة والمسيرية والمساليب والمعاليا والرزيقات والتعايشة، ولكنها جميعها العربية والزنجية تدين بالإسلام.

وقد أدت موجات الجفاف والتصحر التي ضربت الإقليم خاصة تلك التي وقعت في أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى إلحاق أضرار واسعة بالمعاش اليومي للسكان المحليين الذي تردت أوضاعهم بصورة ملحوظة.

فالقبائل الرعوية هجرت مناطقها المتعارف عليها إلى مناطق أخرى أفضل من التي اضطرت إلى تركها، وأسهم انتشار السلاح وتنامي الحركات المسلحة الأفريقية والسودانية في حدة أزمة دارفور وتعقيدها.

وبرأي الباحثين تكمن أزمة دارفور الحقيقة في محاولات تصوير هذه الأزمة وكأنها حرب إبادة جماعية تقوم بها الملشيات التابعة للقبائل العربية (الجنجويد) المدعومة من قبل الخرطوم ضد القبائل والمجموعات الأفريقية الموجودة في المنطقة.

فهذا الأمر -حسب الباحث محمد الأمين عباس النحاس- لا يتفق مع معطيات الواقع على الأرض، فمشكلة دارفور في الأساس هي التنمية، وفي حقيقة الأمر تقع مسؤولية ما يجري في إقليم دارفور الآن على عاتق جميع الأنظمة التي تعاقبت على السلطة في السودان، فهي لم تبذل الجهد المطلوب للنهوض بهذا الإقليم وبأهله.

وبقيت الأحداث الدامية في دارفور تتصاعد حتى طاولت طبيعة الأزمة وحجم انتشارها الجغرافي، فقد ولدت في أوائل الستينيات على شكل صحوة سياسية نتيجة لتهميش السلطة المركزية للإقليم.

ثم تطورت إلى احتجاج مسلح سنة 1990 سرعان ما قضي عليه، ثم فاجأت العالم في سنة 2003 بضربات عسكرية عنيفة ومتتالية ضد الجيش النظامي غطت الولايات الثلاث لإقليم دارفور.

لم تنشأ هذه الحركات العسكرية من فراغ، فقد سبقتها إلى الاحتجاج إرهاصات سياسية كان أهمها تجمع سياسي منظم نشأ تحت اسم جبهة نهضة دارفور عام 1964.

وجاءت مطالب هذه الجبهة رد فعل على التخلف الذي يعانيه غرب السودان، وركزت الجبهة على المطالبة بالتنمية السياسية والاقتصادية والمشاركة في السلطة والثروة مع الحكومة المركزية، وكان منهجها في المعارضة سياسيا خالصا، ويلاحظ أن هذه المبادئ والأهداف تكاد تتطابق مع الإيغاد لحل مشكلة الجنوب، ما عدا مبدأ حق تقرير المصير الذي يراه مشجعا على تفتيت السودان.

السياسة الأميركية نحو السودان

"
بعد سلسلة من الضغوط على الحكومة السودانية "الإنقاذية" بدأت السياسة الأميركية تتخذ اتجاها تصالحيا ومعتدلا، وأسهمت بفعالية عام 2002 في وقف إطلاق النار بين الحكومة وقوات الحركة الشعبية الجنوبية بقيادة قرنق
"
يعرض كل من حمدي عبد العزيز في دراسته المعنونة بـ"دوافع السياسة الأميركية نحو السودان ونتائجها"، وعبده مختار موسى في دراسته " مستقبل العلاقات السودانية-الأميركية بعد اتفاقية السلام" التأثير الأميركي على الأزمة السودانية وانعكاس العلاقات الأميركية السودانية على هذه الأزمات.

فقد ورثت الولايات المتحدة الأميركية النفوذ الغربي في أفريقيا، وبدأت منذ منتصف الخمسينيات تقدم المساعدات إلى الدول الأفريقية ومنها السودان.

ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية كانت تقف خلف اتقافية أديس بابا بين الحكومة وحركة التمرد في جنوب السودان عام 1972.

وقد أعقب ذلك وجود شركة شيفرون الأميركية للاستثمارات البترولية في السودان وتدفق المعونات الأميركية وصندوق النقد الدولي على السودان.

وبعد سلسلة من الضغوط على الحكومة السودانية "الإنقاذية" التي تشكلت بعد انقلاب عسكري عام 1989 بدأت السياسة الأميركية تتخذ اتجاها تصالحيا ومعتدلا، وأسهمت بفعالية عام 2002 في وقف إطلاق النار بين الحكومة وقوات الحركة الشعبية الجنوبية بقيادة جون قرنق.

ويرى عبده مختار موسى أن الولايات المتحدة الأميركية معنية بالاستثمارات النفطية في السودان وأفريقيا وبوجود نظام سياسي في السودان يكون صديقا ومواليا لها.

ويعتمد مستقبل العلاقة بينه وبين السودان على هذين العاملين، ولكن يبقى حسب دراسة أميركية أعدها ثمانية مستشارين للأمن القومي ويستعرضها موسى أن فكرة تقسيم السودان إلى ثلاث دول تبقى محتملة.

وتقوم الفكرة على إنشاء دولة جنوبية نفطية غنية تدعمها الولايات المتحدة بالتكنولوجيا والسلاح، ودولة شمالية مرتبطة بمصر، ودولة في غرب السوادن برعاية إسرائيلية.

وسيبقى برأي عبده مختار موسى شبح التقسيم يهدد مستقبل السودان، ويقترح لمواجهة ذلك أن يتبنى السودان توجها سياسيا يوازن بين تحقيق المصالح السودانية وتجنب الاستهداف الأميركي بسد الذرائع والمبررات، وتطوير التماسك الداخلي في السودان.

الثروة والتنمية

"
ما لم يصل المواطنون إلى التفكير والشعور والتصرف بأساليب تتسع بإخلاص لاحتياجات الآخرين وطموحاتهم فإن التغيير الحقيقي لن يحدث
"
يعرض في هذا القسم كل من عوض السيد الكرسني "قسمة عائدات الثروة في النزاع السوداني" وأسماء حسين محمد آدم "أسباب تخلف التنمية البشرية في الدول العربية: السودان كدراسة حالة" العلاقة بين التنمية وتوزيع الثروة وبين الأزمة في السودان.

وتوصي دراسة الكرسني بضرورة وضع خطة قومية للتأهيل والإعمار والتنمية للمدى القصير تحدد فيها الأولويات، ومراجعة وتقليص عدد الولايات السودانية لتسهيل الإدارة والحكم، والتصدي الحازم للتلاعب في المال العام، وإجراء المساءلة والمحاسبة، ذلك أن التقارير تشير إلى ازدياد ظاهرة الفساد المالي والإداري، والاهتمام بالتدريب والتثقيف وإنشاء مراكز أهلية وحكومية.

وأما الباحثة أسماء آدم فترى الحلول التنموية في ملاحظة الاتجاهات الجديدة للتنمية البشرية التي يعبر عنها تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة والقائمة على تفعيل المجتمعات المدنية والاهتمام بالمردود الاجتماعي للاستثمار، ودعم المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والفكرية.

فالنجاح كما يؤكد تقرير التنمية البشرية للعام 2004 ليس مجرد تغييرات تشريعية وسياسية، ولو أنها ضرورية، ولكن ما لم يصل المواطنون إلى التفكير والشعور والتصرف بأساليب تتسع بإخلاص لاحتياجات الآخرين وطموحاتهم فإن التغيير الحقيقي لن يحدث.

المصدر : الجزيرة