عرض/ عبد الحافظ الصاوي

إخفاقات النظام الرأسمالي على مدار السنوات الماضية، وبخاصة بعد الأزمة المالية العالمية، أوجدت الكثير من المخاوف حول مستقبل هذا النظام، بل ومستقبل الاقتصاد العالمي في ظل هيمنة النظام الرأسمالي، ومبعث هذه المخاوف ليس فقط البعد الأيديولوجي، ولكن أيضًا ضبابية النتائج المرتبة على دخول الاقتصاد العالمي في أزمة جديدة، بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي لم يتعاف منها الاقتصاد العالمي بعد.
-الكتاب: النظام الرأسمالي ومستقبله
-المؤلف: د. حازم الببلاوي
عدد الصفحات: 123
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
الطبعة: الطبعة الأولي/2011
وهذا الكتاب، الذي يعكس خبرة مؤلفه الاقتصادية، عمليًا وأكاديميًا، يتناول النظام الرأسمالي، من حيث نشأته، وأهم خصائصه، وطبيعة الأزمات التي مر بها، وكيف استطاع النظام الرأسمالي في كل أزمة من أن يعدل من قواعده بما يساعد على استمراره.
 
ولعل قضية دور الدولة تعكس إلى أي مدى استطاع النظام الرأسمالي أن يغير من قواعده تجاهها، ففي الأزمة العالمية في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين، قبل النظام الرأسمالي الطرح الكنزي، من وجود الدولة المتدخلة، ثم عاد مطلع التسعينات ليجرد الدولة من هذا الدور، ثم بعد الأزمة المالية العالمية، يطالب الرأسماليون بنظام السوق الاجتماعي الذي يجمع بين اقتصاد السوق ودور اقتصادي للدولة.
 
تطور الرأسمالية
يشير الكتاب إلى أن الرأسمالية نتاج تطور تاريخي طويل، ولذلك فهي ظاهرة تاريخية، وليست نظرية علمية، حيث إنها "ظاهرة اجتماعية، اقتصادية، تكنولوجية، تجمعت عناصرها في لحظة تاريخية". ولفهم طبيعة الرأسمالية طرح الكتاب المحاور الثلاثة الآتية:

أولا: مفهوم السوق من خلال تطور ظاهرة المبادلة, يشير الكتاب إلى نشأة الأسواق وتطورها بدءًا من الإنتاج الذاتي للعائلة أو القبيلة، ثم التبادل الضيق بين أهل القرى، ثم ظهور التاجر، واتساع دائرة الإنتاج لتخرج عن حدود الإنتاج الذاتي إلى مرحلة الإنتاج للغير، ثم حاجة الناس للنقود، وأهمية وجود القانون لتنظيم المعاملات وضمان الحقوق.
 
ومن هنا بدأت العلاقة بين الدولة والسوق، ولذلك يؤكد الكتاب أن "وجود السوق ملازم لوجود الدولة، ولا قيام للسوق بدون سلطة توفر احترام الحقوق وضمان التعهدات". وفي ظل الرأسمالية يعتبر السوق عصب الاقتصاد، ولكن ذلك مصحوب بالحرية الفردية، وتقويم كل شيء بالنقود، وسيادة مبدأ المساواة بين الأفراد على اعتبار أنها مساواة قانونية وليست اقتصادية.

ثانيًا: التطور التكنولوجي خاصة منذ الثورة الصناعية, يؤكد الكتاب أن البشرية قد شهدت مجموعة من الثورات التي مثلت نقلة كبيرة في كل مرحلة أو عصر عاشته البشرية، بدءًا بالثورة الزراعية، والثورة الصناعية، التي ارتبطت بشكل كبير ببزوغ النظام الرأسمالي، حيث تطور شكله من رأسمالية تجارية إلى صناعية، ثم مالية، ولقد ارتبط بهذا التطور الرأسمالي العديد من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، والمزيد من التطور التكنولوجي.
 
ولم تعد الصناعة تعتمد على جموع العاملين غير المؤهلين، بقدر ما تعتمد على أصحاب الياقات البيضاء الحاصلين على أعلى الدراجات العلمية، ووجود مراكز الأبحاث والتطوير، تتواصل فيما بينها عبر شبكات الاتصال عبر القارات.

"
وجود الدولة يحمي اقتصاد السوق من أخطائه وانحرافاته، ودور الدولة في اقتصاد السوق صمام الأمان الذي يحول دون الحوادث
"
ثالثًا: الدولة ودورها في النشاط الاقتصادي, يؤكد الكتاب أن "وجود الدولة يحمي اقتصاد السوق من أخطائه وانحرافاته، ودور الدولة في اقتصاد السوق هو صمام الأمان الذي يحول دون الحوادث. ويقول المؤلف بهذا الصدد "فاقتصاد السوق دون دولة قوية وقادرة وكفء هو كسيارة بلا كوابح في طريق بلا علامات أو إشارات للمرور".
 
وفي توضيح أكثر لدور الدولة في النظام الرأسمالي يشير الكتاب إلى الوظائف الثلاث التي حددها الاقتصادي الأميركي لدور الدولة، وهي: 

في مجال الإنتاج: توفير السلع والخدمات العامة والاجتماعية والقطاعات الإستراتيجية.
في مجال التوزيع: اتخاذ الإجراءات الضرورية لتحقيق درجات مقبولة من العدالة الاجتماعية.
في مجال سياسات الاستقرار والنمو: اتخاذ السياسات الاقتصادية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحقيق معدلات معقولة من النمو الاقتصادي وضمان استمرار التنمية الاقتصادية.
 
قضايا مهمة
حول السمات المميزة للنظام الرأسمالي من حيث الممارسة والتنظير، يذكر الكتاب أهم تلك السمات فيما يلي:
 
1- اليد الخفية: يصحح المؤلف مسلمة في هذا الشأن –وفق ما يرى أنصار النظام الرأسمالي- وهي أن الهدف من اقتصاد السوق ليس تحقيق الأرباح، ويؤكد أن هدف اقتصاد السوق هو المصلحة العامة، حيث إن الأفراد مدفوعون بما لديهم من أنانية وحب الذات إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، والتي تشكل في مجموعها المصلحة العامة للمجتمع. إلا أن تحقيق المصلحة العامة من خلال سعى الأفراد لتحقيق مصالحهم الخاصة، مشروط بمجموعة من الضوابط منها تحقيق المنافسة، ومنح الاحتكارات، والتعبير النقدي عن أية عناصر خارجية من منافع أو تكاليف اجتماعية، وفي حالة عدم توافر هذه الضوابط يستلزم الأمر تدخل الدولة.

2- عالمية الأسواق ونظام النقد الدولي: يرصد الكتاب تطور حركة التجارة في محيط الدولة الحديثة، ثم الاكتشافات الجغرافية، وازدهار التجارة العالمية في المواد الأولية والعبيد، وهو ما استلزم وجود تطور في النظام النقدي الذي تدار على أساسه المبادلات التجارية بين الدول، حيث تم الاستقرار على قاعدة الذهب من خلال اتفاقيات "بيرتون وودذ" عام 1947، إلا أن عام 1971 شهد سقوط قاعدة الذهب وإحلال الدولار لتسوية المعاملات الدولية بموجب ضمان الخزانة الأميركية.
 
ومع مرور الوقت برز دور الشركات عابرة القومية، وزاد دور التكامل الإنتاجي بين الدول، ولم تعد الصورة الوحيدة هي تصدير سلع تامة الصنع، ولكن أصبحت مكونات الإنتاج حلقة مهمة من حلقات التجارة الدولية، ومن ثم تغير هيكل العلاقات الاقتصادية الدولية ليصبح العالم أكثر اندماجًا من ذي قبل، وبخاصة بعد شيوع صور التدفقات المالية، ووجود دور أكبر للاقتصاد المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي، وهو ما عكسته الأزمة المالية العالمية عام 2008. 

"
تقدم الرأسمالية مرهون بغلبة قيم العمل والمبادرة وتحمل المخاطرة، والصدق، والأمانة، والدقة، واحترام المواعيد والالتزامات، والإعداد للمستقبل
"
3- الرأسمالية بين الاقتصاد والسياسة والأخلاق: يخلص الكتاب إلى أن الرأسمالية يمكن أن تتعايش مع حكومات منتخبة أو حكومات دكتاتورية، بشرط توافر درجة معقولة من دولة القانون واحترام التعهدات وحرية العمل، فالديمقراطية كنظام سياسي ليست شرطًا لقيام اقتصاد السوق واستمراره، وإن كانت أقرب إلى روحه وطبيعته.
 
فالديمقراطية كنظام سياسي يدعم اقتصاد السوق، كما يقويه ويمنع انحرافته بوجود الرقابة الشعبية والمسؤولية السياسية المستمرة. أما عن مسألة علاقة الرأسمالية بالأخلاق فهناك رأيان، الأول أن الرأسمالية قامت على حب النفس والجشع، والثاني أن نجاح الرأسمالية كان مرتبطًا بالمبادئ البروتستانتية، على اعتبار أن النجاح في الدنيا تعبير عن رضا الرب.
 
ويضيف المؤلف أن تقدم الرأسمالية مرهون بغلبة قيم العمل والمبادرة وتحمل المخاطرة، والصدق، والأمانة، والدقة، واحترام المواعيد والالتزامات، والإعداد للمستقبل، وترسيخ عادات الادخار، وعدم الانخراط في حياة البذخ والملاذات.
 
بؤر القلق
بعد تحليل الرأسمالية من حيث سماتها وتطورها، يتعرض الكتاب لمستقبلها، ويذكر أن هناك مجموعة من القضايا أو البؤر التي تثير القلق حول مستقبل الرأسمالية، منها:
التغيرات الديموغرافية، من حيث زيادة الأعمار المتوقعة للأفراد في الدول النامية والمتقدمة على السواء، أو الهجرة من الريف إلى المدن، أو ظهور المدن العملاقة، وكل هذه الظواهر لها تكلفتها الاقتصادية.

القيود البيئية: مع بداية القرن العشرين، بدأت الأوساط العالمية تلتفت إلى قضايا البيئة، وعمليات الجور على الموارد الطبيعية، وكذلك الانبعاثات الكربونية الناتجة عن عمليات الصناعة، وأيضًا ذلك النشاط المحموم للنشاط النووي، وثم محاولات على الصعيد العالمي لتنسيق الجهود للحفاظ على البيئة للكوكب الذي نعيش فيه.

مستقبل التكنولوجيا: عرفت البشرية موجات من التقدم التكنولوجي، وبخاصة منذ الثورة الصناعية التي ترعرع في ظلها النظام الرأسمالي، إلا أن ثورة المعلومات كان لها أثرها الملموس على الجوانب الاقتصادية، وسيطرة النظام الرأسمالي.
 
الاستقرار المالي: أظهرت الأزمة المالية العالمية مدى المخاطر التي جلبها القطاع المالي على الاقتصاد العالمي، لذلك لابد من وجود دور للدولة إزاء هذا القطاع، حتى يتحقق استقرار المؤسسات المالية، مع الأخذ في الاعتبار ألا يكون هذا الاستقرار على حساب دافعي الضرائب، ووجود رقابة على عملها بشكل عام، وعلى مكافآت مديرها بشكل خاص.

تجاوز الدولة الوطنية: ينتظر أن تزيد درجة الاندماج بين دول العالم خلال الفترة المقبلة، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل على صعيد حقوق الإنسان، وقضايا البيئة وغيرها، وعلى الرغم من سلبيات الأزمة المالية العالمية، إلا أن حركة التجارة والاستثمار الدوليين مازالتا تمارسان دورهما بصورة تعكس مدى الاندماج الإنساني والعالمي. 
       
الخلاصة
"
مستقل النظام الرأسمالي، سوف يجمع ما بين اقتصاد السوق والدولة، في حالة من التعايش، وفي ظل وجود قيود من قبل الداخل والخارج على كل منهما
"
في خاتمة الكتاب يرى المؤلف أن مستقل النظام الرأسمالي، سوف يجمع ما بين اقتصاد السوق والدولة، في حالة من التعايش، وفي ظل وجود قيود من قبل الداخل والخارج على كل منهما، وأن ذلك سيكون في إطار أبعاد أخلاقية وسياسية، ولن يتوقف هذا الدور الرقابي على الدولة الوطنية، ولكن سوف يعكس وجود اتجاه عالمي.
 
ويشير المؤلف إلى أن السيناريو السابق حول مستقبل النظام الرأسمالي ليس هو الوحيد، ولكنه يمثل سيناريو التفاؤل، وهناك سيناريوهات أخرى تعكس حالة التشاؤم، وهي تلك التي سيرى فيها العالم احتمالات حدوث كوارث طبيعية، أو نجاح ديكتاتور متعصب في شن حرب نووية على جيرانه، أو الدخول في حرب دينية، أو وجود صورة من صور الصراع الحضاري.   

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك