عرض/إبراهيم غرايبة

يعرض الكتاب تداعيات الغزو الأميركي للعراق، وبخاصة النزاع الطائفي والمد الشيعي، إذ كان الغزو في حقيقته انتصارا إيرانيا وشيعيا، وتشكلت في أعقابه صحوة شيعية شملت العالم الإسلامي، وأدت بطبيعة الحال إلى نزاعات وأزمات طائفية على امتداد العالم الإسلامي، وأعادت إلى مرحلة البحث في التاريخ الإسلامي وتشكل الفرق والطوائف.

وبالطبع فقد حظي الشيعة بنصيب وافر من الاهتمام في السنوات القليلة الماضية.

- الكتاب: صحوة الشيعة
- المؤلف: ولي نصر
- المترجم: سامي الكعكي
- الصفحات: 286
- الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

 
الإسلام الآخر.. الشيعة من هم؟
هذا العنوان من اختيار المؤلف، وبالطبع ليس هناك إسلام آخر كما أنه ليس هناك إسلام شيعي وإسلام سني، ولكنها مصطلحات شاعت وغلبت في الكتابة.

يقول المؤلف إن الشيعة يظهرون وجها مميزا للإسلام، يقوم على التعلق بالقيم الروحية والانفعالات الوجدانية، تشكل فيه الاحتفالات المهيبة بيوم عاشوراء واحدا من الرموز الخاصة بهم، والتي تظهر رؤيتهم المتفردة القائمة على تبكيت الذات والكفارة الجماعية والندب وجلد الذات.

وكثيرا ما يشتط الشيعة في احتفالاتهم رغم أنها احتفالات لم ترد في القرآن، إلا أنها مع ذلك تمثل أهم وسيلة توحد الشيعة وتربطهم بمذهبهم، فما هو التشيع؟ وما الذي يميز الشيعة عن السنة؟ يتساءل المؤلف.

يعتقد المؤلف أن الصدع القائم بين السنة والشيعة هو الحقيقة الأخطر في تاريخ الإسلام، إذ انفصلت الطائفتان في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي، ويماثل انفصالهما إلى حد ما الانشقاق البروتستانتي الكاثوليكي في المسيحية الغربية.

وكما صنعت الصراعات الدينية السياسة في أوروبا، فإن النزاع الديني بين السنة والشيعة كان برأي المؤلف هو الطابع العام للتاريخ في العالم الإسلامي والشرق الأوسط الكبير.

يؤرخ المؤلف بدء الانقسام بالاختلاف حول من يخلف النبي محمدا صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، ثم الخلاف الكبير بين علي ومعاوية، ويتعدى ذلك إلى الوظيفة التي يجب أن يؤديها الخليفة، فالسنة يؤمنون بأن الخليفة هو زعيم سياسي للمسلمين، وأما التشيع فهو قائم على قدسية الإمام وعصمته.

ولكن مع الزمن والأحداث التاريخية تبلورت لدى الشيعة طقوس ومفاهيم متميزة وخاصة بهم، يشكل استشهاد الحسين بن علي حدثا غير عادي من بينها، وتجليا ميتاتاريخيا (يخرج عن النطاق التاريخي الواقعي والمألوف).

يقول الشيعة بأنه قبل أن يكون هناك إسلام وقبل مولد الحسين وجد الجوهر الروحي لمأثرة الحسين الكبرى كتعبير أزلي سرمدي عن العناية الإلهية، ويزعمون أن كربلاء ودلالاتها كانت معروفة لدى جميع الأنبياء ولدى علي.

"
الصدع القائم بين السنة والشيعة هو الحقيقة الأخطر في تاريخ الإسلام، إذ انفصلت الطائفتان في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي، ويماثل انفصالهما إلى حد ما الانشقاق البروتستانتي الكاثوليكي في المسيحية الغربية
"
كربلاء في الوجدان الشيعي ليست مجرد مذبحة دامية، بل هي تدخل إلهي قصد لمنح المسلمين معلما روحيا حقيقيا، إذ قبل الحسين عن طيب خاطر الاضطهاد، وتقبل الشهادة كمنة ربانية، فحول بذلك آلامه ومعاناته إلى معنى أسمى وهدف أنبل، وفي هذا كما يرى المؤلف تعريف قاطع ومانع للشيعة.

ولذلك فإن الفرق كما يقرر المؤلف بين الشيعة والسنة ليس في العبادة ولكن في الروح التي يؤول بها الإسلام، فالفهم السني يتمحور حول الأخذ بإرادة الأغلبية والقوة الشرعية لإجماع الأمة، ولكن التشيع لا يعير أهمية لرأي الغالبية في المسائل الدينية.

فالحقيقة عند الشيعة غير منوطة بجماعة المؤمنين، وإنما هي حق مكتسب من حقوق القيادة الصالحة للنبي والمتحدرين من صلبه، أو كما يعرف البعض الفرق بين السنة والشيعة أن السنة يعظمون النبي لأنه نقل الرسالة، ولكن الشيعة يعظمون الرسالة لأن النبي هو الذي نقلها.

ولكن التحدي الأكبر للخلافة والقيادة السياسية جعل المسألة الشيعية على الدوام قضية معقدة، فالثورات والخلافات الدائمة بين الأمويين ثم العباسيين وبين قادة الشيعة جعلت السياسة تتفاعل مع الدين على نحو أكثر تعقيدا وخطورة.

فقد أدى اضطهاد الشيعة إلى نشوء جماعات سرية ومبادئ لتنظيم العمل مثل "التقية" ثم العزلة الاجتماعية للشيعة على نحو يشبه ممارسات يهود الدونمة الأتراك الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام ويخفون في الوقت نفسه هويتهم وديانتهم اليهودية.

والواقع أن التشيع لم يسد في إيران إلا في القرن السادس عشر الميلادي، حين خضعت البلاد لحكم الصفويين، وقد أدت المنافسة الشديدة بين الصفويين والعثمانيين إلى تكريس وتقوية المذهب الشيعي في إيران، وازدهرت التعاليم والتعبيرات الشيعية في ظل الحكم الصفوي.

واستقدم الحكام الصفويون علماء دين شيعة من جبل عامل في لبنان ومن القطيف والبحرين لإقامة مراكز جديدة للتعليم الديني الشيعي، ولتعميق جذور التشيع في إيران.

وأنتج هؤلاء العلماء برعاية الصفويين عددا وافرا من الرسائل والكتب، وأرسوا الأساس للحياة العلمية والثقافية الشيعية، ونشأت المدارس والحوزات، وأصبح هؤلاء العلماء بديلا لسلطان الأئمة، فقد نهضوا بمهمة تدبير حاجات الجماعة الروحية ورعاية مصالحها الاجتماعية والسياسية، واعتبروا نوابا للإمام المستور.

فبدخول الإمام الثاني عشر حسب المعتقدات الشيعية في حالة استتار إعجازي يشبه الحالة الخلاصية التي يعتقد بها اليهود والمسيحيون والزرادشتيون قبل أن تكون العودة لإحلال العدل التي يؤمن بها أيضا اليهود والمسيحيون كل على شاكلته.

وقد أتاح هذا الغياب لعلماء الشيعة أن يتمتعوا بمكانة روحية امتيازية لم يعرفها نظراؤهم السنة، لأن علماء الدين السنة لا يختلفون عمن سواهم من المؤمنين سوى أنهم يعلمون بأمور الدين.

وقد عزز من هذه السلطة التي يتمتع بها العلماء الشيعة حالة العزلة التي يعيشونها والملاحقة التي نفذت فيهم من قبل القيادات السياسية والمجتمعية من السنة.

وقد طور الإمام الشيعي السادس جعفر الصادق في القرن الثامن الميلادي فقها شيعيا يعرف بالمذهب الجعفري منفصلا عن العلم الشرعي السني الذي جرى تصنيفه وتقنينه في الزمن نفسه، ويختلف عن المذاهب السنية في مسائل تتصل بالميراث والخمس والتجارة والأحوال الشخصية، وزواج المتعة المؤقت.

"
اضطهاد الشيعة أدى إلى نشوء جماعات سرية ومبادئ لتنظيم العمل مثل "التقية" ثم العزلة الاجتماعية للشيعة على نحو يشبه ممارسات يهود الدونمة الأتراك الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام ويخفون في الوقت نفسه هويتهم وديانتهم
"
إن الرابطة القائمة بين الشيعة ومرجعياتهم الدينية شبيهة بتلك القائمة بين الجاليات اليهودية في أوروبا الشرقية وحاخاماتها، أو بين الجماعات الكاثوليكية التقليدية وقساوستها، وفي واقع الأمر فإن آيات الله أشبه ما يكونون بالكرادلة، وإن كان التشيع ليس له حبر أعظم (بابا).

وليس بالمستغرب أنه عندما سقط صدام حسين برز علماء الدين الشيعة فورا كلاعبين رئيسيين في السلطة داخل العراق الجديد.

وما إن انتهى نظام الحكم السياسي في العراق بقيادة صدام حسين حتى توافد الملايين من الشيعة نحو مقامات الأئمة في جنوب العراق على نحو من التجمع والزيارات لا يفوقه سوى الحج إلى مكة، وتشكلت حول تلك الزيارات شبكة من المؤسسات والأعمال الخيرية والتجارية.

الخميني ومعركة الأصوليات الإسلامية
يتميز الخميني تلميذ الإمام الحائري بأنه يمتلك إضافة إلى المؤهلات العلمية، بأنه دارس وممارس للفلسفة والتصوف، قد تأثر بابن عربي والفلاسفة العرب واليونان، ونظم بنفسه شعرا صوفيا، بل إنه درس إمامه الحائري فلسفة التصوف.

ويقول مهدي الحائري إنه قصد الخميني مرة في بيته خلال أحلك سنوات الحرب العراقية الإيرانية فوجده جالسا على سجادة في حديقة بيته بمفرده، وكانت الصورايخ العراقية بعيدة المدى تدك المدن الإيرانية.

وسأل الحائري الخميني وقلبه مثقل بالكآبة إن كان ثمة مجال لوقف هذه الحرب، وقال له: حرام على المسلمين أن يقتلوا مسلمين، إن مئات الآلاف يموتون في حرب لا نهاية لها ولا تخدم غاية نبيلة، فقال له الخميني دون أن يلتفت إليه بنبرة هادئة ولكن تأنيبية: وهل تلوم الله أيضا إذا أرسل زلزالا.

فصعق الحائري حسب ما يروي المؤلف عنه شخصيا لمقارنة الخميني نفسه ضمنيا بالعلي القدير، فما كان منه إلا أن نهض وغادر المكان دون أن يتفوه بكلمة واحدة، ولم يقابله منذ تلك الحادثة.

وبعد سنوات كان الحائري يستذكر تلك الأمسية، معتقدا أن الخميني انتهى إلى رؤية نفسه امرءا يجتاز المرحلة الأخيرة من سفر الملا صدرا -وهو نص روحاني معقد يرسم طريقا للحقيقة عبر أربع مراحل- فأضحى متماهيا مع الله وصفاته الإلهية حتى إنه يستطيع وهو إنسان أن يتصرف كمشرع سماوي.

ويرى المؤلف أن الخميني كان نمطا جديدا غير تقليدي في القيادة الشيعية، وإن بدا تقليديا بلباسه ومظهره، فهو يمثل حركة تمثل اختراقا كبيرا وخطير الشأن في تاريخ الشيعة.

فقد كان رجلا صلبا وعنيدا ويثق بنفسه ومكانته الروحية ثقة غير محدودة، وكان حاد الذكاء ويحظى باحترام كبير من جانب تلامذته، وأهم من ذلك كله أنه كان يملك شعورا واضحا بالهوية، هويته هو وهوية الشيعة وهوية إيران، فلم تكن آراؤه السياسية والدينية تعكس الشيء الكثير من تاريخ الشيعة، بقدر ما كانت تعكس السلطة التي يدعيها لنفسه بحكم فهمه للعقائد الصوفية.

وكان تشيعه تشيعا من نوع جديد، يترجمه شخص يدعي دراية مباشرة بالحقيقة، وقد وظف الطاقة العاطفية والانفعالية للتراث الشيعي والأساطير الشيعية لا في بسط سيطرته على إيران فقط، بل وفي إسناد دعواه بالقبض على روح التشيع بالذات.

وتسنى له أن يجعل من الأصولية الإسلامية قوة سياسية سوف تغير وجه الحياة السياسية الإسلامية من المغرب إلى ماليزيا.

"
الصحوة الشيعية تشير إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية مؤداه أن المكاسب المحققة في العراق لا بد من صونها وترسيخها
"
وشكل الخميني حافزا وتحديا في الوقت نفسه لصحوة إسلامية سنية، وربما يكون الخميني قد بالغ في تقدير نفسه وفي التقليل من شأن خصومه، فقد استهدف بوضوح العراق ودول الخليج، ونشطت في مقابل وبموازاة الحركة الشيعية الإسلامية حركة إسلامية سنية.

وكان الغزو الأميركي للعراق عام 2003 بداية لمد شيعي جديد رغم أن القيادة الشيعية في هذه المرحلة تولاها السيستاني خليفة وتلميذ الخوئي الذي يختلف مع الخميني اختلافا كبيرا حول الدور السياسي للحوزة الشيعة.

فالخوئي ثم تلميذه السيستاني يعتقد بضرورة الفصل بين السياسة والحوزة، ويسلك سلوكا أقرب إلى الاعتدال بل ويحتقر السلوك الثوري الذي يمثله الخميني.

وبالنسبة للأميركان فقد وجدوا في السيستاني نموذجا من آيات الله مختلفا عن ما عرفوه من تجربة إيران، وربما يعني ذلك برأي المؤلف أنها قيادة ورؤية تمثل تحولا واستعدادا جديدا للشيعة للتعاون مع الولايات المتحدة ووقف العداء الذي أشعله الخميني.

وعلى مستوى التحليل الجوهري يجد المؤلف أن الصحوة الشيعية تشير إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية مؤداه أن المكاسب المحققة في العراق لا بد من صونها وترسيخها.

فالنتيجة الحاصلة من الحرب قد عادت بالنفع على الشيعة في كل المنطقة لا في العراق وحده، غير أن الصحوة الشيعية لا تعني بأي حال قدوم ما يرادف "الجامعة الشيعية"، وإن كان لها مفاعيل واستتباعات ضمنية.

أولها، أن روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكل بين شتى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعا سوف يتعزز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوة الشيعة السياسية.

وثانيها، أن مثال العراق سوف يمارس "تأثيرا بالبيئة" على التجمعات الشيعية خارج العراق لتبدأ بالمطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحكم داخل بلدانها.

وثالثها، أن هذه المكتسبات على صعيد القوة والجزم سوف تعزز بدورها استدامة المكتسبات التي حققوها على صعيد القوة والنفوذ.

لقد أطلق العراق تفاعلا متسلسلا، وهذا التفاعل سيشتغل على نحو مغاير في لبنان والبحرين والسعودية، لكن المحصلة الإجمالية ستكون قوة شيعية أكبر ومزيدا من الصلات الثقافية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال الممتد من لبنان إلى باكستان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك