الجد اللاجئ يلقن حفيده أين هو وطنه  (الفرنسية)


ليلى العريان

في مخيم برج البراجنة في جنوب بيروت، يوجد ملجأ للعجزة يعد واحة لكبار السن تخلصهم من الزحام والحالة المزرية للمنطقة التي يعيشون فيها.

زرنا الملجأ في الصباح فوجدنا مجموعة من النزلاء الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و80 عاما يتحلقون حول طاولة يمارسون الرسم، بينما انغمست مجموعة أخرى في حل الكلمات المتقاطعة. امرأة أخرى اتخذت لنفسها زاوية من زوايا الغرفة وبدت منهمكة في تطريز رداء فلسطيني تقليدي. يعد هذا الملجأ المليء بالحركة مكانا لكبار السن لتمضية الوقت والتواصل فيما بينهم وتناول الطعام بعضهم مع بعض.

يعرف هذا الجيل من الفلسطينيين بـ"أبناء النكبة"، أي أنهم شاهدوا أو عاشوا ظروف التهجير القسري الذي مارسته العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين إبان تكوين الدولة العبرية في أواخر أربعينيات القرن الماضي.

لدى كل واحد منهم قصة حول هروبه أو هروب عائلته من وطنهم الأم قبل ستة عقود ونيف، إلا أن طول الزمن لم يداو جراحهم التي ما زالت مفتوحة إلى اليوم.

كامل شريدة هو أحد أولئك الفلسطينيين المهجرين وعمره اليوم 76 عاما. ولد في قرية صفصاف الفلسطينية التي تبعد كيلومترات قليلة عن مدينة صفد التي أصبحت إسرائيلية اليوم. في أكتوبر/تشرين الأول 1948 ذبح الجنود الإسرائيليون عشرة من أفراد عائلة شريدة.

كان عمره 13 عاما يومها ولكنه كان طويل القامة ويبدو أكبر من سنه الحقيقي. ولأن الإسرائيليين كانوا يعدمون الأطفال الذكور الذين بلغوا الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، خاف والداه عليه فقاموا بشراء ملابس بدت غريبة ولكنها تجعله يبدو أقصر طولا.

وبعد أن هاجم الإسرائيليون قريته وقتلوا الكثير من القرويين تمكن الشريدة من الهرب إلى لبنان ظنا منه أنه سيختبئ لأيام قليلة حتى يهدأ الوضع ويعود إلى صفصاف، لكن زيارته امتدت لتصبح رحلة حياة كاملة قضاها في مخيمات اللاجئين في طرابلس وبيروت.

محنة اللاجئين

هناك ما يزيد على 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، وهم محرومون من أبسط حقوقهم ولا يسمح لهم بالتملك وممنوعين من العمل في أكثر من 70 مهنة

هناك ما يزيد على 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، وهم محرومون من أبسط حقوقهم ولا يسمح لهم بالتملك وممنوعون من العمل في أكثر من 70 مهنة. يعاني هؤلاء اللاجئون من فقر مدقع ولا يوجد لديهم معين غير منظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة التي أثبتت عدم فاعليتها.

الجزيرة تحدثت مع مجموعة من اللاجئين في برج البراجنة تراوحت أعمارهم بين 16 و88، وقد اشتركوا جميعا بنفس المشاعر، جميعهم يريد العودة إلى وطنه الأم ويتمنى أن تكون له كلمة في اتفاق الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لكن سجلات التفاوض تبين أن مفاوضي السلطة الفلسطينية كانوا مهيئين لتقديم تنازلات كبيرة في قضية اللاجئين وحق العودة، مثل تخفيض أعداد اللاجئين الذين يحق لهم العودة إلى أراضي عام 1948، وحق اللاجئين في التصويت على اتفاقية الحل النهائي، وعدد اللاجئين الذين سيعودون إلى دولة فلسطين المستقبلية.

المستشار القانوني لفريق المفاوضين الفلسطينيين في ما يخص قضية اللاجئين زياد كلوت اقترح أن يكون عدد اللاجئين الذين يسمح لهم بالعودة إلى أراضي 1948 ألف لاجئ سنويا على فترة تمتد خمس سنوات. علما بأن عدد اللاجئين الفلسطينيين في العالم ستة ملايين لاجئ.

من يصوت؟
وطبقا لسجلات التفاوض أيضا، فإن مفاوضي السلطة الفلسطينية لم يكتفوا بعرض تخفيض عدد اللاجئين، بل إن كبير المفاوضين صائب عريقات قال إن اللاجئين لن يكون لديهم حق التصويت على اتفاقية السلام مع إسرائيل.

في وثيقة تتعلق باجتماع بتاريخ 23 مارس/آذار 2007 بين عريقات ورئيس الوزراء البلجيكي آنذاك كارل دي غوخت يقول عريقات "أنا لم أقل قط إن فلسطينيي الشتات سيكون لديهم حق التصويت. ذلك لن يحدث. الاستفتاء سيكون لفلسطينيي الضفة الغربية والقطاع والقدس الشرقية. لا يمكننا أن نجريه في الأردن، لا يمكننا أن نجريه في لبنان".

أما الجانب الإسرائيلي فقد أدلى هو الآخر بدلوه في قضية اللاجئين وبشكل فاعل.

ففي جلسة مفاوضات بتاريخ 27 يناير/كانون الثاني قالت تسيبي ليفني (رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة) لنظرائها المفاوضين الفلسطينيين "إن دولتكم ستكون الجواب لجميع اللاجئين الفلسطينيين. وضع حد للمطالبات سيعني تحقيق المصالح الوطنية للجميع".

على الفلسطينيين أن يفهموا أن خمسة ملايين لاجئ لن يعودوا جميعهم. الرقم سوف يتم الاتفاق عليه كأحد الخيارات
صائب عريقات

ويبدو أن الفكرة راقت لعريقات، ففي اجتماع مع الدبلوماسيين الأميركيين ومنهم المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل بتاريخ 21 أكتوبر/تشرين الأول 2009 قال عريقات "على الفلسطينيين أن يفهموا أن خمسة ملايين لاجئ لن يعودوا جميعهم. الرقم سوف يتم الاتفاق عليه كأحد الخيارات. كما أن عدد الذين سيعودون إلى بلدهم سيحدد على أساس قدرة الاستيعاب السنوية".

كما قام عريقات بإخبار الأميركيين أن الفلسطينيين عرضوا على الإسرائيليين عودة "عدد رمزي" من اللاجئين.

لا تفريط بالثوابت
شفيقة شعلان، 60 عاما، ولدت في برج البراجنة رفضت أن يتم نقلها إلى فلسطين قائلة "ما الفرق؟ نحن لاجئون في لبنان وسنكون كذلك في الضفة الغربية، لذلك من الفضل أن أبقى هنا. لن أعتبر الضفة الغربية وطني. وطني هو القرية التي أُخرِجَ منها والداي".

الشعور نفسه أفصح عنه لاجئون أصغر سنا في المخيم. رويدة الظاهر، 47 عاما، ولدت هي الأخرى في برج البراجنة.

قالت "نحن نطالب بحق العودة لأن من لا يملك وطنا لا يكون له كرامة. نعيش كالكلاب هنا. لكن رغم ذلك أنا أرفض العودة إلى الضفة الغربية أو غزة. لماذا أعود إلى أي مكان هو ليس مدينتي الأم؟".

رويدة قالت أيضا إنها لا تود الحصول على الجنسية اللبنانية حتى ولو عرضت عليها بموجب اتفاق سلام معين، كما أكدت أن المفاوضين الفلسطينيين لا يملكون الحق بالتقرير بالنيابة عنها.

قالت الظاهر "حق العودة حق شخصي، إنه مقدس، لا يستطيع أحد أن يلغيه أو يصادره".

حسام الصيري، 22 عاما، ويعمل ميكانيكيا في مخيم برج البراجنة قال إنه سوف يعود إلى وطن جده وجدته في حيفا إذا أعطي الخيار.

أفضل العيش في مخيم، على أن أصبح مواطنا لبنانيا وأتخلى عن هويتي الفلسطينية
لاجئ فلسطيني

قال الصيري "أفضل العيش في مخيم على أن أصبح مواطنا لبنانيا وأتخلى عن هويتي الفلسطينية". وعن حق التصويت على اتفاقية السلام المنتظرة، قال "كل فلسطيني يجب أن يكون له الحق بالتصويت، فلسطين ليست لأولئك الذين يعيشون فيها اليوم، هي أيضا بلادنا نحن".

أما سارة غنوم ذات العشرين ربيعا فقالت "إن فلسطين بلادنا أكثر مما هي بلادهم. هم قادرون على العيش فيها بينما نحن محرومون منها".

بالنسبة للاجئين في مخيم برج البراجنة، يبدو أن العودة إلى مدنهم الأصلية هو الخيار المقبول الوحيد لديهم.

شريدة يقول معلقا "أنا راض بالذهاب إلى فلسطين مشيا على الأقدام. أحلم بذلك اليوم ليلا ونهارا، فكما يقولون: إن من يمشي في أرضه يتيه".

كل تلك السنين الطويلة لم تتمكن من أن تجعل شريدة يشعر بأرض غير أرض فلسطين بأنها وطنه.

ولكن رغم تلك الأحلام كيف اللاجئون أنفسهم على العيش في المخيمات. وفي ملجأ العجزة الذي زرناه، يتذكر البعض من نزلائه العقود التي عاشوها في مخيم برج البراجنة.

يأس وأمل
عايشة علي، 65 عاما، قالت "لقد ولدنا هنا وترعرعنا هنا" ثم أضافت وهي تأخذ نفسا عميقا "وسوف نموت هنا".

ورغم ذلك اليأس تدل الأمور في المخيم على أن اللاجئين متعلقون بأمل العودة، وأنهم يضعون بعض الأمل في قادتهم رغم ظهور إشارات على أن أولئك القادة قد قاموا ببعض التنازلات.

بالنظر إلى اللافتات التي تحمل صورة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو يبتسم وقد كتبت عليها عبارة "ثابتون على المبادئ" نستنتج أن اللاجئين الفلسطينيين لا يزالون متعلقين بأمل أن ينطبق على قادتهم بيت الشعر العربي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم.. وتأتي على قدر الكرام المكارم.