أوباما دعا إلى دولة إسرائيلية يهودية(الفرنسية)

علي أبو نعمة

من أكثر الأمور إثارة في ما كشفت عنه سجلات التفاوض التي حصلت عليها الجزيرة، والتي تحتوي على محاضر اجتماعات مفصلة لمفاوضات عملية السلام في الشرق الأوسط، أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تخلت فعليا عن خارطة الطريق، التي شكلت الأساس لعملية السلام منذ عام 2003.

وبعملها هذا، فإن إدارة أوباما قد تراجعت عن التعهدات التي قطعها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش وأحدثت فجوة غير قابلة للإصلاح في مشروع "حل الدولتين" المتهتك أصلا.

الموقف الأميركي قد  يفتح الباب لطموحات إسرائيلية خطيرة لتهجير فلسطينيي عام 1948 الذين يعتبرون مواطنين إسرائيليين غير يهود، أو تصفيتهم عرقيًّا. وذلك ضمن سعي إسرائيل لخلق "دولة يهودية

ولكن الأسوأ من ذلك أن الموقف الأميركي وربما عن غير قصد يفتح الباب لطموحات إسرائيلية خطيرة لتهجير فلسطينيي عام 1948 الذين يعتبرون مواطنين إسرائيليين غير يهود، أو تصفيتهم عرقيًّا. وذلك ضمن سعي إسرائيل لخلق "دولة يهودية".

وعد أجوف
بعد توليها الحكم بفترة قصيرة في يناير/كانون الثاني 2009 قامت إدارة أوباما بدعوة إسرائيل علانية إلى تجميد كافة أعمال الاستيطان في الضفة الغربية ومن ضمنها القدس الشرقية. وبعد شهور من الدبلوماسية المكوكية من قبل المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل، قبل أوباما أخيرا بوعد إسرائيلي بوقف للاستيطان جزئيا عشرة شهور لا يشمل القدس.

وبينما كانت تلك المفاوضات مستمرة، ضغط المفاوضون الفلسطينيون المحبطون مرارا وتكرارا على ميتشل لتكون مرجعية المفاوضات التي ترعاها بلاده والتي ستبدأ حالما يدخل وقف الاستيطان حيز التنفيذ، هي إعلان دولة فلسطينية على حدود عام 1967، مع إقرار تبادل محدود للأرضي متفق عليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وجادل الفلسطينيون بأن ذلك كان موقف إدارة بوش وقد أدرج في خارطة الطريق التي تبنتها الرباعية (روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة) عام 2003.

ولكن يبدو أنه في سلسلة اجتماعات غير ودية بين ميتشل وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات وفريقيهما في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول عام 2009، ادّعى ميتشل أن مواقف إدارة بوش غير ملزمة، وهي تفاصيل تعرف لأول مرة. ميتشل ضغط على الفلسطينيين ليقبلوا بمرجعية تتماشى ورفض إسرائيل الاعتراف بحدود عام 1967 التي تفصل إسرائيل التي أعلنت عام 1948 عن الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يأمل الفلسطينيون أن يؤسسوا دولتهم.

خطاب محبط

قال أوباما إن هدفه هو "دولتان تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن، دولة إسرائيل اليهودية ... ودولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وتتمتع بتراب موحد ينهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967 

في 23 سبتمبر 2009، قال أوباما للأمم المتحدة إن هدفه هو "دولتان تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن، دولة إسرائيل اليهودية وتتمتع بأمن حقيقي للإسرائيليين: ودولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وتتمتع بتراب موحد ينهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967 وتجسد آمال الشعب الفلسطيني".

لكن ذلك لم يرض الفلسطينيين. في اليوم التالي وفي اجتماع في مقر البعثة الأميركية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، رفض عريقات طلبا من الأميركيين لأن يكون خطاب أوباما مرجعية للمفاوضات.

عريقات سأل وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفد هيل عن السبب وراء عدم قول إدارة أوباما علانية إن الهدف المرجوّ من المفاوضات هو دولة فلسطينية على حدود عام 1967 مع دور أمني لطرف ثالث وانسحاب إسرائيلي متفق عليه، فأجاب هيل قائلا: "أنت تسأل لماذا؟ ما الفائدة من التصريح بشيء محدد ثم لا تتمكن من الوفاء به؟". وهذا طبقا لسجلات التفاوض التي حصلت عليها الجزيرة.

وفي الاجتماع نفسه، الذي التحق به ميتشل متأخرا، تحدى عريقات المبعوث الأميركي بالتعجب كيف أن أوباما اعترف علنا بإسرائيل "دولة يهودية" ولكنه لم يفعل الشيء نفسه تجاه حدود عام 1967. وطبقا لسجلات التفاوض فإن ميتشل رد على عريقات بالقول: "لا يمكنكم أن تتفاوضوا للحصول على مرجعية مفصلة، وعلى الفلسطينيين أن يكونوا إيجابيين ويبدؤوا المفاوضات مباشرة". عريقات اعتبر أن موقف ميتشل تخلّ أميركي عن خارطة الطريق.

قراءة أوباما
في 2 أكتوبر 2009 قابل ميتشل عريقات في مقر وزارة الخارجية الأميركية وحاول ثانية أن يقنع الفلسطينيين بالعودة إلى المفاوضات. ورغم محاولات عريقات المتكررة لأن تلتزم الولايات المتحدة بتعهداتها السابقة، فإن ميتشل رد بالقول: "إذا كنتم تظنون أن أوباما سيفرض الخيار الذي ذكرتموه، فإنكم لا شك مخطئون في فهمه (أي أوباما). أتوسل إليكم أن تغتنموا هذه الفرصة".

عريقات رد قائلا -ودائما حسب سجلات التفاوض-: "كل ما أطلبه هو دولتان على حدود عام 1967 مع تعديلات متفق عليها. هذا سيحميني من الجشع الإسرائيلي وابتلاع الأراضي كما أن ذلك سيسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بما هو أمر واقع على الأرض". (وهذا يعني أن فريق المفاوضات الفلسطيني سيسمح لإسرائيل بضم بعض مستوطنات الضفة الغربية ضمن صفقة محدودة لتبادل الأراضي). جادل عريقات بأن هذا الموقف قد تبنته بوضوح وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تحت إدارة الرئيس بوش.

وتذكر سجلات التفاوض أن ميتشل قال: "مرة أخرى أقول لكم إن الرئيس أوباما لا يقبل بالالتزامات المسبقة التي تبناها بوش. لا تستخدموا ذلك، لأنه قد يؤذيكم. البلدان تلتزم بالاتفاقيات وليس بالمناقشات والتصريحات".

كان المبعوث الأميركي صارما في توضيحه بأنه في حالة رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للغة المرجعية، فإن الولايات المتحدة لن تفرض عليه شيئا. وحتى بعد ذلك فقد استمر ميتشل في الضغط على الفلسطينيين ليتبنوا صيغة هم يخشون أنها ستفسح المجال لإسرائيل بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة بدون أن تعطي أي شيء في المقابل.

مرجعية المفاوضات

تقرير المصير هو أحد مبادئ معاهدة فرساي التي كتبت في أعقاب الحرب العالمية الأولى

وفي اجتماع حاسم في 21 أكتوبر 2009، قرأ ميتشل مقترحا لمرجعية المفاوضات: "تعتقد الولايات المتحدة أن عقد مفاوضات بنية صادقة، سيمكن الجانبين من التوصل إلى نتائج تحقق للفلسطينيين هدفهم في دولة مستقلة وقابلة للحياة تضم كافة الأراضي التي احتلت عام 1967 أو بتعويض مناسب لها، ولإسرائيل تحقق هدفها في تأمين حدود معترف بها تعكس التطورات التي طرأت على الأرض وتلبي المتطلبات الأمنية الإسرائيلية". 

 

كان رد عريقات حادا: "إذا ليس هناك خارطة طريق؟". إن معنى كلمات مثل "أو بقيمة مناسبة" يعني أن الولايات المتحدة سوف لن تلتزم بأن يستلم الفلسطينيون قدرا محددا من الأرض -6258 كيلومترا مربعا أو ما يعادلها في الضفة الغربية وغزة- بل لن تلتزم بأي حدود محددة.

هذا زلزال. إنه لا ينهي فقط حل الدولتين كما هو متعارف عليه تقليديا، ولكنه يفتح الباب لأن تقبل الولايات المتحدة مستقبلا بأن يكون الإسرائيليون دولة يهودية عن طريق "تبادل" الأراضي التي يعيش فيها الكثير من الإسرائيليين من أصل فلسطيني. إن ذلك سيعد خرقا لحق أولئك المواطنين الفلسطينيين الجوهري في تقرير المصير وهو أحد مبادئ معاهدة فرساي التي كتبت في أعقاب الحرب العالمية الأولى. جوهريا، إنه استبدال لحل الدولتين بما يريده المسؤولون الإسرائيليون "دولتان لشعبان".

وتكشف سجلات التفاوض الفلسطينية أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني قد تطرقت بالتفصيل لما يعنيه ذلك الحل في جلسة مفاوضات في 13 نوفمبر/تشرين الأول 2007 مع المفاوضين الفلسطينيين، حيث قالت:

 

"فكرتنا هي الإشارة إلى دولتين لشعبين، أو دولتين قوميتين، إسرائيل وفلسطين وتعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمان مع تمتع كل دولة بوطن لشعبها يحقق له طموحاته الوطنية وحق تقرير المصير".

كلمة القوة
وشددت ليفني: إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي -وأود أن أشدد هنا بأن معنى "شعبها" هو الشعب اليهودي- وعاصمتها القدس الموحدة وغير المقسمة التي هي عاصمته منذ 3007 سنة".

بهذا توضح ليفني أن اليهود فقط هم من سيتمتعون بالجنسية الإسرائيلية وأن المواطنين الإسرائيليين من أصل فلسطيني (وهم المعروفون بعرب 1948)  لا ينتمون إلى إسرائيل، رغم أنهم مواطنون أصلاء ويعيشون على تلك الأرض قبل أن توجد دولة اسمها إسرائيل. إنها تنكر حقوق اللاجئين الفلسطينيين وترفع من خطر نفي الفلسطينيين الموجودين فعلا في البلاد (إسرائيل) أو "استبدالهم". مع ذلك فإن تصريحات ليفني المقلقة تعكس ما هو أبعد من رأيها الشخصي.

مذكرة فلسطينية داخلية بعنوان "تقرير حول التقدم الحاصل في مفاوضات الحدود" مؤرخة في 29 أكتوبر 2008، تبين أن المفاوضين الفلسطينيين رفضوا فكرة أن الفلسطينيين يمكن أن يشملوا بتبادل الأراضي. ولكن طبقا للوثيقة "استمر الإسرائيليون في رفع شعار شمول الإسرائيليين من أصل فلسطيني" بتبادل الأراضي، وذلك خلال مفاوضات بين المسؤولين الفلسطينيين وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت. 

 

تهجير عرب 48 هو ارتداد إلى أفكار القرن التاسع عشر، التي تبددت في أعقاب الحربين العالميتين، حيث كانت الشعوب تتعرض للمتاجرة بها بين الدول بدون أخذ رأيها كما لو كانت مجرد قطع لعبة شطرنج

في سبتمبر/أيلول من العام الماضي قدم وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان خطة للجمعية العامة للأمم المتحدة يقترح فيها الاحتفاظ بمستوطنات الضفة الغربية مقابل التخلي لصالح دولة فلسطين المستقبلية عن بعض الأراضي التي تقطنها غالبية إسرائيلية من غير اليهود.

قال ليبرمان: "يجب أن يستند الاتفاق النهائي بين إسرائيل والفلسطينيين على برنامج تبادل الأراضي والسكان".

وبينما يرأس ليبرمان حزب إسرائيل بيتنا المتشدد وتترأس ليفني حزب كاديما المعارض (الذي غالبا ما يوصف خطأً بأنه أكثر اعتدالا من الحكومة الحالية)، تعكس آراءهما ارتفاعا منتظما في المشاعر العنصرية بين أوساط المجتمع الإسرائيلي.

إن فشل إدارة أوباما في الضغط على إسرائيل للقبول بالتفاهمات الدولية بأن الدولة الفلسطينية ستقوم على جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، مع تعديلات بسيطة يعرض حل الدولتين للخطر. وإن هذه الإدارة الأميركية التي جاءت إلى البيت الأبيض بشعارات تعبر عن بذل جهود متوازية وغير منحازة لتحقيق السلام، قد ينتهي بها المطاف إلى تعبيد الطريق لآراء ليفني وليبرمان لتصبح أفكارا أساسية.

هذا ليس كارثيا على الفلسطينيين فحسب، بل على مفهوم العدالة أيضا، ويمثل ارتدادا إلى أفكار القرن التاسع عشر، التي تبددت في أعقاب الحربين العالميتين، حيث كانت الشعوب تتعرض للمتاجرة بها بين الدول بدون أخذ رأيها كما لو كانت مجرد قطع لعبة شطرنج.

_______________________
* كاتب فلسطيني أميركي، ومحلل سياسي في شئون الشرق والشئون العربية الأميركية ومشارك في تأسيس موقع الانتفاضة الإلكترونية