إسرائيل لا تهتم بقيام دولة فلسطينية  (الفرنسية)

ألستر كروك

إن نشر الجزيرة لسجلات التفاوض يلقي الضوء على السبب الحقيقي لعدم وجود دولة فلسطينية. إنها تبرز كمًّا هائلا من التفهم الفلسطيني والغربي لطريقة التفكير الإسرائيلية. إن هذا التفهم الهائل يفسر لماذا فشلت الدولة في رؤية الضوء رغم الفرص الكثيرة التي توفرت لها خلال السنوات الـ19 الماضية.

السبب الرئيسي لذلك هو أنه منذ انطلاق المفاوضات كانت إسرائيل مصرّة على هدفها في تحقيق الغالبية اليهودية في إسرائيل، ومع الوقت -ومع نموّ تعداد السكان الفلسطينيين- على إسرائيل أن توافق على الدولة الفلسطينية، على الأقل للحفاظ على الغالبية اليهودية، ولأن دمج الفلسطينيين في دولتهم سوف يحقق لها الحفاظ على الغالبية اليهودية، بهذه الطريقة -وبهذه الطريقة فقط- يمكن لإسرائيل أن تصون غالبيتها اليهودية.

إنها قصة مؤثرة جدا. إنها تدعي أن الدولة الفلسطينية لا مناص منها: ما على الفلسطينيين سوى أن "يثبتوا" لإسرائيل أنهم أهل للدولة ليحصلوا عليها.

قوة تفاوضية
البروفيسور مشتاق
خان من كلية لندن للدراسات الشرقية والأفريقية، يجادل -في مناقشة جرت مؤخرا- بأن هذا الطرح كان أساس منهج حركة فتح في أوسلو. وهذا يفسر كما يعتقد، سبب عدم محاولة الفلسطينيين هذه المرة أن تكون لديهم قوة تفاوضية مقابل إسرائيل: القيادة الفلسطينية تعتقد بكل بساطة أن ذلك ليس ضروريا. إنهم يرون مهمتهم تنحصر في بناء الثقة بأنفسهم مقابل الإسرائيليين.

البروفيسور مشتاق خان: مفاوضات أوسلو لم تؤسس على مفاوضات جادة، بل كانت مجرد تمرين لبناء الثقة بالنفس من قبل الفلسطينيين

يقول خان إن مفاوضات أوسلو لم تؤسس على مفاوضات جادة،

بل كانت مجرد تمرين لبناء الثقة بالنفس من قبل الفلسطينيين. لم تكن للمشاركين الفلسطينيين أي إستراتيجية، ولم يسعوا إلا إلى تحقيق القدر الأدنى من الأهداف التي يمكن أن "يسوقوها" لشعبهم مثل أراضي 1967 والجمود عند ذلك.

ياسر عرفات لم يكلف نفسه عناء قراءة الأربعمائة صفحة التي تكونت منها المعاهدة قبل أن يوافق عليها. إلى هذا الحد كانت فكرة الفلسطينيين قوية من حيث حتمية قيام دولتهم، وحجتهم في ذلك هو أنها مصلحة إسرائيلية.

تبين سجلات التفاوض أن القيادة في رام الله أخطأت في قراءة الدوافع الإسرائيلية، والأدهى من ذلك هو كيف أخطؤوا في قراءة تلك الدوافع، حتى ولو كان الخطأ "مدفونا" بين حنايا المشهد الأوسع. تسيبي ليفني -في ساعة غضب في جلسة مفاوضات مع أحمد قريع سبقت أنابوليس- كشفت حقيقة الدوافع الإسرائيلية: "أعتقد أننا بحاجة إلى جلسة أخرى حول ماذا يعني أن تكون يهوديا، وأن الأمر أكثر من أن يكون مجرد دين، ولكن إذا أردتم العودة بنا إلى عام 1947، فإن ذلك لن يجدي نفعا، إسرائيل هي دولة شعبها اليهودي، وأود أن أشدد هنا على معنى كلمة "شعبها" وهو الشعب اليهودي، والقدس الموحدة وغير المقسمة عاصمتها منذ 3007 سنوات".

وطن قومي لليهود
بعد شهرين من تلك الجلسة، ليفني تقول لعريقات وقريع: "إسرائيل تأسست
لتكون وطنا قوميا ليهود العالم، اليهودي يحصل على الجنسية الإسرائيلية بمجرد أن تطأ قدماه أرض إسرائيل، لذلك لا تتفوّهوا بشيء عن طبيعة إسرائيل، إن أساس قيام إسرائيل هو أنها تأسست للشعب اليهودي، دولتكم ستكون الحل لجميع الفلسطينيين بمن فيهم اللاجئون، وضع حد للمطالب هو إعطاء الحقوق الوطنية للجميع".

إن ما تقوله ليفني واضح: لم تذكر قط "الغالبية اليهودية"، هدفها هو دولة صهيونية، دولة صهيونية واحدة تشدد على ذلك، دولة مفتوحة لأي يهودي يطرق بابها، وذلك يتطلب بالنتيجة، دولة تمتلك الموارد المائية الكافية للقادمين الجدد، "يهود من كافة أنحاء العالم".

ضمن هذا المفهوم، لا يمكن لإسرائيل أن تكون دولة متعددة الثقافات: جوهريا ذلك يعني حقوقا مختلفة لليهود عن غير اليهود. إن وجود أقليات ضمن الدولة الصهيونية تطالب بحقوق سياسية متساوية يعتبر تناقضا داخليا، وتهديدا للرؤية التي تؤسس لدولة تقوم على إعطاء اليهود حقوقا متميزة.

وجود أقليات ضمن الدولة الصهيونية تطالب بحقوق سياسية متساوية يعتبر تناقضا داخليا، وتهديدا للرؤية التي تؤسس لدولة تقوم على إعطاء اليهود حقوقا متميزة

إسرائيل والصهيونية

حالما يُفهم أن الغرض من وجود إسرائيل هو الصهيونية، عندها فقط تتخذ سلبيات وإيجابيات إعلان الدولة الفلسطينية منحى آخر، هذا هو بيت القصيد. حالما يفهم الدافع على أنه صهيوني يصبح من الواضح أن الأمر ينطوي على حسابات مختلفة للدولة الفلسطينية، تختلف عن الحسابات القائمة على أساس أن إسرائيل تريد صيانة غالبيتها اليهودية.

منذ البداية، كان هذا الدافع هو الجوهر: المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية كانت من أجل الأرض والتحكم في موارد المياه، وليست إطلاقا من أجل تشكيل خارطة للمستوطنات لتقوم عليها الدولة الفلسطينية. إسرائيل نقلت السلطة على شعبها إلى القيادة الفلسطينية، ولكن ليس إلى الأرض أو ما عليها من موارد، وهي سياسة لطالما كانت صهيونية المفهوم.

ولكن الأهم من ذلك، هو أنه ما دامت حدود إسرائيل غير مرسّمة وغامضة، فإنه يظل لديها المجال لأن تعطي حقوقا لليهود تختلف عمّا يناله غيرهم من حقوق.

وحالما تصبح حدود إسرائيل رسمية، فإن أي أقلية داخلها سوف تبدأ المطالبة بحقوق متساوية، بينما في الوضع الحالي الذي يتميز بالغموض، فإن الأقليات خائفة وحذرة من رفع أي مطالب، على الأقل كي لا تكون عرضة لتطهير عرقي في أي تبادل مستقبلي للأراضي.

إن الغموض ينطوي على تهديد ضمني للأقليات بالتهجير، وهو مصدر للهدوء السياسي الذي يخدم الأهداف الصهيونية.

الصهاينة مدركون أيضا لحقيقة أن إعلان دولة فلسطينية على حدود إسرائيل، سوف يحشد التأييد الدولي لمبدأ حقوق الأقليات في إسرائيل، وبهذا يهدد الأسس الصهيونية التي تقوم عليها الدولة الإسرائيلية عن طريق وصمها بأنها عنصرية.

خطط صهيونية
وفي النهاية، فإن مسألة إعطاء حقوق لليهود مختلفة عن تلك التي ينالها غيرهم، لن تكون من حيث المبدأ مهمة أسهل في حال تأسيس الدولة الفلسطينية، أهميتها قد تنخفض من 40-50% إلى 20%، ولكن التناقضات الموروثة سوف تظل بلا حل تحت أي ظرف.

وفي هذه الحال ليس من المفاجئ أن الخطة الصهيونية تقوم على استمرار عدم ترسيم الحدود، الأمر الذي يترك الفلسطينيين عمدا في حالة من الحيرة وأسرى المهادنة، بينما تحتفظ إسرائيل بموارد المياه والأرض.

ومن جهة أخرى، لقد أدى ذلك إلى ارتفاع أصوات بعض الإسرائيليين لتخفيض التباين في الحقوق بين اليهود وغير اليهود وتحسين معاملة الأقليات، ولو أن ذلك لم يؤد إلى أي نتيجة. نتيجة لهذه الحسابات التي سادت، فهذه هي أسباب عدم وجود دولة فلسطينية.

الواضح من سجلات التفاوض أن القيادة في رام الله لا تزال "قاصرة عن الفهم"، أعتقد أن الرئيس عرفات -ومن خلال محادثتي معه- قد فهم اللعبة خلال أشهر بعد توقيع معاهدة أوسلو.

ولكن صائب عريقات وبعد 19 سنة من المفاوضات يقول لنائب (المبعوث الأميركي للسلام في الشرق الأوسط جورج) ميتشل في يناير/كانون الثاني 2010 إن "الإسرائيليين يريدون حل الدولتين ولكنهم لا يثقون، يريدون أكثر مما تظن، أحيانا أكثر من الفلسطينيين. ما تعطيه لهم تلك الورقة هو أكبر قدس في التاريخ اليهودي، وعودة رمزية للاجئين، ودولة منزوعة السلاح، ماذا يمكنني أن أعطي أكثر؟".

يبدو جليا من السجلات أن القيادة في رام الله تعاملت مع تصريحات ليفني على أنها استخدام للكلمات "يمكنهم أن يصفوا دولتهم كيفما يشاؤون"، أكثر من كونها هدفا مهما وجوهريا وله تداعيات بعيدة.

إنه الأمر نفسه "لا يمثل إلا ذرة في عيونهم"، كما يقول البروفيسور خان في إشارة إلى أسلوب الفلسطينيين في أوسلو، اعتقاد راسخ بأن إسرائيل سوف تجبر على السماح بقيام الدولة الفلسطينية، ولكن بشرط أن ينجح الفلسطينيون في كسب ثقة الإسرائيليين والأميركيين.

إنه مفهوم خاطئ يتبناه أيضا الكثير من الأوروبيين، الأوروبيون قريبون جدا من ظاهرة "فياض"، التي تفهم خطأ أن همّ الصهيونية الأول والأخير هو المحافظة على "الغالبية اليهودية"، وأن على فياض أن يبني دولة المؤسسات، وبذلك سوف يكون خيار الدولة الفلسطينية خيارا لا تمكن "مقاومته".

أولئك الأوروبيون سوف يثبت لهم خطؤهم: تسيبي ليفني قالت لهم إنها لا يمكن أن تتهم بأنها قد أخفت الحقيقة، لكن يظهر أنه لا أحد كان يصغي جيدا.