المستوطنون بنوا 1629 منزلا في ستة أسابيع بعد انتهاء تعليق الاستيطان (الفرنسية-أرشيف)


القدس: كان الجو مليئا بالابتسامات في أواخر سبتمبر/أيلول عندما تصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في مقر الأمم المتحدة. كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد جلب الرجلين لإجراء مباحثات ثلاثية سوّقها بوصفها فرصة جديدة لإحياء المحادثات بين الطرفين، وفرصة "للتقدم إلى الأمام".

ولكن في الواقع لم يكن هناك الكثير ليشعر المرء بالتفاؤل، وأوباما كان يعلم ذلك؛ فقبل أسبوع من تلك المصافحة كان كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات قد قال لديفد هيل -وهو أحد مستشاري أوباما- إن اجتماعا ثلاثيا سيكون هدّاما بالنسبة للسلطة الفلسطينية.


المصداقية مقابل السيادة
كما أوضح عريقات لهيل أن فشل إدارة أوباما الفتية في تفعيل تجميد كامل للاستيطان الإسرائيلي سيضر بمصداقيتها، لكن هيل رفض طرح عريقات بشكل فظ.

قال هيل: "لا نستطيع أن نجبر حكومة ذات سيادة على فعل شيء. نستطيع أن نستعمل أسلوب الإقناع والمفاوضات والمصالح المشتركة".

عريقات رد قائلا: "بالطبع تقدرون إذا أردتم ذلك. ما أثر ذلك على مصداقية الولايات المتحدة باعتقادك إذا لم تستطع فعل ذلك؟".

عندها أنهى هيل النقاش بقوله: "نحن نقوم بذلك، ونحن مسؤولون عن مصداقيتنا".

بعد 16 شهرا، أثبتت الأيام أن عريقات كان على حق؛ فالمفاوضات قد توقفت والاستيطان يتسارع، والتفاؤل الذي صنعه أوباما -بأسلوبه الخطابي وكلمته للعالم الإسلامي من القاهرة- قد تبخر.

 ازدواجية المعايير.. ستصيبني وكل المعتدلين بمقتل، وتهدي المنطقة إلى بن لادن... إذا لم تستطيعوا أنتم وقف الاستيطان الإسرائيلي واستئناف المفاوضات، فمن يستطيع؟

سجلات التفاوض التي حصلت عليها الجزيرة ونشرتها تظهر أن إدارة أوباما كانت مهتمة بشكل عميق بـ"رؤى" عملية السلام. البيت الأبيض اعتمد بشكل كبير على المفاوضين الفلسطينيين لإعادة إحياء المفاوضات، بدون أن يقوموا بمعالجة أي من المخاوف الجوهرية –وبالتحديد نمو المستوطنات الإسرائيلية- التي أبدتها السلطة الفلسطينية. كما أن رفض أوباما احترام الوعود الأميركية -التي أطلقت في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش- ألحق ضررا كبيرا بمصداقية السلطة الفلسطينية (في الداخل).

محادثات بأي ثمن
منذ الأيام الأولى لرئاسة أوباما، حرص عباس على إفهامه أن مصداقية المحادثات الفلسطينية/الإسرائيلية ترتبط بوقف تام للاستيطان. وفي رسالة بريدية إلكترونية أرسلها عريقات إلى وحدة دعم المفاوضات تلخص اجتماعا في واشنطن بين أوباما وعباس في يونيو/حزيران 2009، قال نقلا عما دار في الاجتماعات:

سأل عباس: "هل أنتم جادون في مسألة حل الدولتين؟ إذا كنتم كذلك، فأنا لا أفهم أن تسمحوا ببناء وحدة استيطانية واحدة في الضفة الغربية.. الخيار لكم. بإمكانكم أن تختاروا الطريق غير المكلف، وتطبقوا ازدواجية المعايير، الأمر الذي سيصيبني وكل المعتدلين بمقتل، ويهدي المنطقة إلى بن لادن. أو قولوا إنكم لستم ضد إسرائيل ولكنكم ضد تصرفات إسرائيل. إذا لم تستطيعوا أنتم وقف الاستيطان الإسرائيلي واستئناف المفاوضات، فمن يستطيع؟".

أوباما اختار الخيار الأول: نتنياهو رفض طلب الرئيس الأميركي للوقف التام للاستيطان، ولكنه وافق فقط على تعليق بناء الوحدات الجديدة في الضفة الغربية (يذكر أن آلاف العطاءات الجديدة منحت في القدس الشرقية خلال فترة التعليق). لكن البيت الأبيض قبل العرض (الإسرائيلي)، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قامت في الواقع بامتداح التنازل الإسرائيلي "غير المسبوق".

مبعوث الخارجية الأميركية المناصر لإسرائيل بدون حياء دينيس روس، حاول إضفاء لمسة من الإيجابية على عرض نتنياهو في اجتماع بأريحا في سبتمبر/أيلول عام 2009، وحضره كل من ديفد هيل وعريقات.

قال روس: العرض يتضمن عدم منح عطاءات جديدة وعدم مصادرة أي أراض.

أنا لم آتِ المريخ، 40% من الضفة الغربية صودرت أصلا. يستطيعون البناء عليها سنين قادمة بدون أن يضطروا لطرح عطاءات جديدة

عريقات أجاب: أنا لم آتِ المريخ. 40% من الضفة الغربية صودرت أصلا. يستطيعون البناء عليها سنين قادمة بدون أن يضطروا لطرح عطاءات جديدة.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول قلل المبعوث الأميركي الخاص جورج ميتشل من موضوع القدس، وقال لعريقات إنه على الفلسطينيين أن يأخذوا قرار "التعليق" الإسرائيلي بأريحية.

وطبقا لوثيقة من وثائق سجلات التفاوض التي نشرتها الجزيرة، قال ميتشل: "بالمفاوضات سوف تتوفر لدينا إمكانيات جديدة، وسوف يكون هناك استيطان أقل (في القدس الشرقية)".

لكن الحقائق على الأرض تقول إن ميتشل أساء تقدير الوضع: ففي فترة تعليق الاستيطان لعشرة شهور، قامت بلدية القدس بتمرير 1600 عطاء سكني بالإضافة إلى مشاريع أخرى.

المستوطنون الإسرائيليون قاموا بالتحرك سريعا للاستفادة من الوقت الضائع، وبدؤوا مباشرة في تشييد 1629 بيتا جديدا في ستة أسابيع بعد انتهاء فترة التعليق، وطبقا لمنظمة السلام الآن الإسرائيلية فهذا العدد يمثل كل ما بنوه في 2009.


إعادة إطلاق
استسلام أوباما في الشق الاستيطاني لم يكن الشيء الوحيد الذي اشتكى منه المفاوضون الفلسطينيون. فسجلات التفاوض تشير إلى أنه في الشهور التي تلت أنابوليس، قامت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كونداليزا رايس بتبني حدود عام 1967 كأساس للمفاوضات بشكل واضح. وفي 16 يوليو/تموز قالت لعريقات وقريع إن أي تبادل للأرض يجب أن يكون على أساس حدود عام 1967.

وبعد أسبوعين استخدمت لغة أكثر وضوحا عندما استخدمت -أمام عريقات وقريع- عبارة "1967 هي المرجع".

المفاوضون الفلسطينيون اعتبروا أن تصريحات رايس انتصار كبير، فقد كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها مسؤول أميركي بهذا المستوى عبارة كهذه.

ولكن الانتصار كان قصير الأمد، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2009 (وقتها كانت إدارة بوش ووزيرة خارجيتها رايس خارج السلطة، وإدارة أوباما هي التي تدير البيت الأبيض) التقى عريقات في واشنطن مع ميتشل. عريقات سأل عن "مرجعية المفاوضات وإطار العمل الذي سيسلكه المتفاوضون"، وذكّر ميتشل بوعود رايس. ميتشل رفض طرح عريقات، وقال إن "الولايات المتحدة لن توافق على أي ذكر لحدود 67 بأي شكل من الأشكال".

ميتشل ادّعى أن الموقف الأميركي يهدف لتفادي أي صعوبات مع إسرائيل.

الرئيس أوباما لا يقبل بقرارات بوش السابقة. لا تستخدموا ذلك لأن ذلك قد يؤذيكم. البلدان تلتزم بالاتفاقيات وليس بالتصريحات أو المناقشات

في اليوم التالي حذر ميتشل عريقات من ذكر وعود رايس قائلا: "مرة أخرى أذكّركم بأن الرئيس أوباما لا يقبل بقرارات بوش السابقة. لا تستخدموا ذلك لأن ذلك قد يؤذيكم. البلدان تلتزم بالاتفاقيات وليس بالتصريحات أو المناقشات".

عريقات أجاب قائلا: "ولكنه كان اتفاقا مع الوزيرة رايس".

أحد المفاوضين الأميركيين أدلى بدلوه قائلا: "إنها غير ملزمة قانونا، ليست اتفاقية".

رد قريعات بالقول: "استحلفك بالله، لقد قالت أن يدوّن ذلك. لقد كان ذلك أساس الخرائط".

الميل للعودة إلى الوراء من قبل مسؤولي إدارة أوباما هو أمر طالما اشتكى منه المفاوضون الفلسطينيون.

عريقات سأل ديفد هيل في سبتمبر/أيلول 2009 مستغربا استخدام مصطلح "إعادة إطلاق المفاوضات" بدلا من "استئنافها". وكان موقف هيل متجانسا مع ذاك الذي جاء به ميتشل من أن كل شيء قيل في الماضي غير ملزم قانونا.

استياء عريقات وصل إلى ذروته في أكتوبر/تشرين الأول 2009 عندما قال لمستشار الأمن القومي الأميركي في ذلك الوقت جيمس جونز: "أنوي الظهور على القناة العاشرة الإسرائيلية لأقول أمرا واحدا: مبروك سيد نتنياهو. لقد هزمت الرئيس أوباما. لقد هزمت أبو مازن.. إذا كانت كلمتي أمام كلمتهم (الإسرائيليين) في الكونغرس، فأنا أعلم أن ليس لدي أمل".

يقال إن أوباما يبحث اليوم عن "أفكار جديدة" حول عملية السلام، وكوّن فرقتين لذلك تتألفان من مسؤولين سابقين في البيت الأبيض. لكن موضوع الحدود –الذي تبين بموجب سجلات التفاوض أنه كان موضوعا جوهريا- يظل بدون حل.