السلطة الفلسطينية اعتبرت أن نشر الوثائق جاء لأسباب سياسية (الجزيرة)

أحدثت سجلات التفاوض التي حصلت عليها الجزيرة ودأبت على نشرها في الأيام الماضية صدمة ودهشة كبيرين في الشارع الفلسطيني والعربي وعلى مستوى العالم.

ورغم أن بعض المراقبين جادلوا بأن سجلات التفاوض لم تأت بشيء جديد، فإن الكثير من المهتمين بالشأن الفلسطيني اعتبروا أن السجلات جاءت كدليل دامغ وموثق على الكثير من الشكوك والاتهامات الموجهة إلى السلطة الفلسطينية بالتقصير في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تكوين دولته وإعلاء كلمته وعودة لاجئيه واسترداد قُدسه.

عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مروان عبد العال قال بأن الوثائق قتلت الأمل في نفوس الفلسطينيين بأن هناك بارقة أمل في أن يتمسك المفاوضون الفلسطينيون بحقوق شعبهم التاريخية.

وأضاف عبد العال "أعتقد أن ما كنّا نتخوف منه سابقاً أن هذه المفاوضات تجري على المسلمات الفلسطينية" وحول ما كان يعتبر بأنه خطوط حمر "وما كنا نتوقعه أن ثمة تنازلات تجري، ولكن دائماً كانت هذه التوقعات تكون في دائرة التكذيب، بأنه لا يوجد مثل هذه التنازلات وأنهم (السلطة الفلسطينية) متمسكون بالثوابت".

تفويض شعبي
أما مسؤول العلاقات الدولية في حركة حماس أسامة حمدان فيعتقد أن سجلات التفاوض التي حصلت عليها الجزيرة صحيحة، وتساءل عما إذا كان الفريق الفلسطيني المفاوض يمتلك التفويض الشعبي المناسب للجلوس مع الإسرائيليين وتقديم أي عرض يخص الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.

وقال حمدان إن هذه الوثائق أثبتت صحتها كل التصريحات الصادرة عن السلطة والفريق المفاوض "بل إن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح نبيل شعث قال على قناة الجزيرة وبوضوح: لقد حصلتم على كل وثائق المفاوضات بيننا وبين إسرائيل، إضافة إلى موقف السيد خليل التفكجي الذي أكد صحة الوثائق المتعلقة بالخرائط وفيما يتعلق بالقدس، بمعنى أن هذه الوثائق لا جدال اليوم على صحتها وعلى مصداقيتها، وهذا يرتب النقطة الثانية وهي السؤال بأي حق كان هذا الفريق يقدم تنازلات وكان يتراجع ويتنازل عن القضية الفلسطينية والحقوق الفلسطينية ويطعن بالشعب الفلسطيني ويغدر به ويتنازل عن حقوقه".

حمدان يعتقد أن أخطر ما في الوثائق أنها أكدت الشكوك حول مفاوضي السلطة (الجزيرة)
عبد العال من جهته حذر من ميل كفة الإسرائيليين في المفاوضات وضعف المفاوضين الفلسطينيين الذي كشفته محاضر الاجتماعات التي نشرتها الجزيرة، ودعا إلى التحقيق في الأمر برمته.

يقول عبد العال "الآن ونحن أمام هذه الوثائق التي قدمت حقائق أمام الشعب الفلسطيني والعربي، وهي أظهرت أن هذه المفاوضات كانت تسير باتجاه دفن الكثير من الحقوق الفلسطينية، سواء كانت قضية اللاجئين التي هي أم الصراع، أم قضية القدس التي تعلو فوق أي خلاف، سواء على حاجز أو على حدود، وأيضاً حول القضايا الأخرى المتعلقة بسيادة دولة فلسطينية.

وأمام هذه المسألة، يعتقد عبد العال بأن هناك تعنّتا إسرائيليا كاملا، وأظهرت أن هناك تنازلا تدريجيا فلسطينيا "أشبه ما يكون بالسير في جنازة لقبر القضية الفلسطينية، ونحن نعتبر أن هذه القضية تحمل خطورة كبيرة، ويجب على القيادة الفلسطينية وعلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن تقدم الحقيقة إلى الشعب الفلسطيني، ولا يكفي الحديث عن توقيت الكشف أو عن أنها دسائس وادعاءات، هناك وثائق واضحة هي تحتاج إلى تحقيق".

عدم تكافؤ
حمدان ذهب إلى ما ذهب إليه عبد العال في أن الوثائق كشفت ضعف الفريق الفلسطيني المفاوض وانكشاف ظهره أمام قوة مركز الفريق الإسرائيلي المفاوض المدعوم بقوة سياسية عالمية وتأييد شعبي داخلي.

يقول حمدان "إن هذه الوثائق كشفت حالة الاستجداء التي يمارسها الفريق الفلسطيني، هناك عروض يقدمها الفلسطينيون، لكن الإسرائيلي لا ينظر إليها ولا يتجاوب معها ولا يقدم عروضاً بديلة، بل يذهب إلى الأرض والميدان وينفذ العروض الفلسطينية، في وقت لا يستطيع الجانب الفلسطيني أن يعترض عليها لأنه قدمها ثم يقدم المزيد من العروض في الجلسة التي تليها. أنا أعتقد أن أخطر ما في هذه الوثائق أنها كشفت ما كنا نقول إنه توقعات فلسطينية وإنه مخاوف فلسطينية أثبتت أنها حقيقة وواقع، بل ربما أسوأ من المخاوف، وكشفت أن المزايدة التي يطرحها هذا الفريق تحت عنوان محافظته على الثوابت وحرصه على الحقوق، يُراد منها استهلاك داخلي وتخدير الشعب الفلسطيني، ولكن في حقيقة الأمر الشعب الفلسطيني هو الذي يُطعن في ظهره وقلبه وصدره من قبل هذا الفريق". 

اللاجئون الفلسطينيون
وعن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، اعتبر عبد العال أن إسرائيل توجه دفة المفاوضات نحو قضم حق العودة تحقيقا لحلمها الذي أظهرته للعلن في الفترة القريبة الماضية وهو دولة دينية يهودية.

عبد العال حذر من سعي إسرائيل لاستغلال المفاوضات لتكريس يهودية الدولة (الجزيرة)
ويقول أيضا "أعتقد أن الحديث (الذي جاءت به سجلات التفاوض) جرى تسريبه في مرات ماضية، وبأن هناك عودة على مراحل وأن فلسطينيي لبنان سيكونون (هم) المشمولون أولاً، ولكن تبين أن هناك مساومات على الأرقام والمراحل الزمنية وعلى اختصار قضية اللاجئين بفلسطينيي لبنان والحديث الخطر بأن هناك مساعي عربية للانتقاص من حق اللاجئين في العودة، وهذا يصب كله في اتجاه ما بدأت إسرائيل في الإفصاح عن هوية الدولة اليهودية، أي بمعنى أنها غير قابلة لعودة أي فلسطيني، كما أنها غير قابلة لاستيعاب فلسطينيي 48 واعتبارهم يشكلون الخطر الديمغرافي على إسرائيل وأن ليس لديهم الحق في هذه الأرض".

حمدان من جهته استغرب منهج السلطة الفلسطينية في المفاوضات والتفهم غير المفهوم الذي يبديه مسؤولو السلطة لمخاوف إسرائيل المتعلقة بتخلخل تركيبتها السكانية إذا ما منح اللاجئون الفلسطينيون حق العودة إلى أراضي عام 1948.

ويقول "أبو مازن صرح لصحيفة هآرتس (أغسطس 2008) بأنه يعرف أن عودة اللاجئين إلى فلسطين -وهو استعمل مصطلح إسرائيل- سيؤدي لانهيار إسرائيل، وأنه لا يمكن أن يقبل بذلك، ولابد من حل عادل متفق عليه، في إشارة إلى العرض الذي قدمه صائب عريقات (تقليص أعداد اللاجئين المشمولين بحق العودة) في موضوع اللاجئين... يوجد تنازل خطير جداً في قضية اللاجئين وهو يصل إلى حد الإلغاء.. السلطة استعدادها القبول بمبدأ التعويض للاجئين وللدول التي تستوعب اللاجئين، وهذا بوضوح إسقاط لحق العودة بشكل كامل". 

غضب السلطة
يذكر أن السلطة الفلسطينية صبت جام غضبها على الجزيرة لنشرها سجلات التفاوض، واتهمت الجزيرة بالعداء للسلطة الفلسطينية وتلفيق الحقائق، وأن هناك دوافع سياسية وراء النشر.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس نفى أن يكون وسلطته قد فرطوا في أي حق من حقوق الشعب الفلسطيني، ووصف ما نشرته الجزيرة بأنه أمر ممجوج.



وقال عباس: ليس لدينا ما نخفيه، وليست هناك وثيقة واحدة من التي نشرت لم نعطها إلى الدول العربية على المستوى الشخصي والعام. إننا ثابتون على المبادئ.. لم نتغير ولن نتغير وأول تلك الثوابت القدس.