الوثائق السرية أثبتت أن واشنطن تقمصت دور الحكم والخصم في الوقت نفسه (رويترز-أرشيف)

كشفت وثائق سرية خاصة بما يسمى "عملية السلام" في الشرق الأوسط عن انحياز "الراعي" الأميركي الكامل للجانب الإسرائيلي وتماهيه معه أحيانا إلى حد التطابق.

ورغم الآمال التي ترافقت مع وصول الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى سدة الرئاسة، خاصة بالنسبة للمفاوضين الفلسطينيين الذين اعتقدوا أن الرجل يملك من النفوذ والسلطة ما يمكنه من ممارسة الضغوط على إسرائيل، فإن محاضر الاجتماعات والوثائق التي حصلت عليها الجزيرة بشأن جولات المفاوضات خلال الأشهر الماضية تثبت أن إدارة أوباما لم تختلف عن سابقتها في شيء، من الاصطفاف الكامل إلى جانب المفاوض الإسرائيلي، بل ربما أسوأ من ذلك.

فقد أظهرت الوثائق التي بحوزة الجزيرة تخلي إدارة أوباما عن مجمل التعهدات التي قُطعت للفلسطينيين في مؤتمر أنابوليس عام 2007، وهو ما يظهر صراحة مما قاله كل من المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل ومساعد وزيرة الخارجية الأميركية جونثان شوارتز لرئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2009.

ميتشل: "مرة أخرى أقول لكم إن الرئيس أوباما لا يقبل القرارات السابقة التي وافق عليها (الرئيس الأميركي السابق جورج) بوش. لا تستعملوا هذا لأنه قد يضر بكم. الدول ملزمة باتفاقيات وليس ببيانات ومناقشات".

وحين يقول له عريقات "ولكن هذا كان اتفاقا مع وزيرة (الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا) رايس"، يرد عليه شوارتز بأن "ما تم الاتفاق عليه ليس ملزما قانونا، ليس اتفاقا". لكن عريقات يواصل الرجاء "بالله عليكم، لقد طلبت أن يوضع في المدونات، لقد كان أساسا للخرائط".

ميتشل أبلغ عريقات تنصل إدارته من أي التزام سابق للفلسطينيين (رويترز-أرشيف)

إطلاق المسار
وهكذا انحصر الدور الأميركي من جديد في العمل على إعادة إطلاق المفاوضات من جديد والعودة بالفلسطينيين إلى نقطة الصفر.

وقد مثل هذا الانحياز الكامل لإسرائيل السمة الغالبة في عهد كل الإدارات السابقة وخاصة في عهد بوش.

ففي اجتماع ثنائي بتاريخ 16 يوليو/ تموز 2008 تقول رايس "لا أعتقد أن ثمة قائدا إسرائيليا يمكن أن يتنازل عن (مستوطنة) معاليه أدوميم". وعندما يجيبها رئيس طاقم المفاوضات في السلطة الفلسطينية أحمد قريع "ولا قائدا فلسطينيا"، ترد عليه رايس بالتهديد "إذن لن تكون لكم دولة".

وفيما بعد تقول "إسرائيل عليها أن تتخلى عن بعض تطلعاتها، مثل أن تأخذ يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية) كاملة".

وفي اجتماع آخر بين الطرفين بتاريخ 29 يوليو/ تموز 2008 تقول رايس "أنتم تصيبونها (إسرائيل) بالرعب عندما تقولون شيئين: عندما تريدون جيشا، وثانيا عندما تقولون لا معاليه أدوميم ولا (مستوطنة) أرييل". وتضيف "ليس هناك قائد إسرائيلي يمكن أن يوافق (على حل) بدون أن يضم المستوطنتين إلى دولة إسرائيل".

وأثناء اجتماع في الـ31 مارس/ آذار 2008 تخاطب المسؤولة الأميركية عريقات "لا تقطعوا المفاوضات لأجل أسباب أخرى مثل الإعلان عن بناء وحدات سكنية جديدة في المستوطنات".

وتشير في الاجتماع نفسه إلى أنها قالت للرئيس الفلسطيني محمود عباس "لا نستطيع أن نمنح الآخرين (الفلسطينيين) حق الفيتو كلما كان هناك إعلان عن عطاءات لبناء وحدات سكنية جديدة". وتضيف "سيكون هناك دائما في إسرائيل من هو ضد وقف بناء المستوطنات ولكن هذه الأنشطة يجب ألا توقفكم. عليكم أن تجدوا طريقة للمواصلة".

رايس مخاطبة أحمد قريع: اجعلوا مجالكم الجوي في الأردن (رويترز-أرشيف)

مجال جوي بالأردن
وتذهب رايس أبعد من ذلك حين تقول أثناء اجتماع بتاريخ 30 يوليو/ تموز 2008 مخاطبة أحمد قريع "مرة أخرى مجالكم الجوي صغير جدا. اجعلوه في الأردن".

وتقترح في اجتماع مع قريع وعريقات بتاريخ 29 يوليو/ تموز 2008 أن "تكون القدس مدينة مفتوحة". وتتابع "لا أريد للفلسطينيين أن ينتظروا إلى الأبد إجابة قد لا تأتي".

وفيما بعد تقول "إذا انتظرنا إلى أن تقرروا بخصوص السيادة على الحرم أو جبل الهيكل... فإن أولاد أولادكم لن يتوصلوا إلى اتفاق. عندما يتعلق الأمر بالأماكن المقدسة، لا أحد سيجادل بشأن سيادة الآخر اتركوها بدون حل".

وفي اجتماع بتاريخ 29 يوليو/ تموز 2008 يخاطب ديفد ويلش مساعد رايس لشؤون الشرق الأدنى، أحمد قريع بالقول "لا يمكنكم استثناء القدس (أي من الاتفاق)، ولكن كيف يمكنكم أن تدخلوها بالنظر إلى الوقائع السياسية؟".

تذمر روسي أوروبي
غير أن المشكلة لا تكمن كما يبدو في عدم نزاهة الوسيط الأميركي فقط، وإنما إلى جانب ذلك استفراده بالهيمنة الكاملة على المحادثات إشرافا وتوجيها، وهو ما كان يثير غضبا من جانبي روسيا وأوروبا.

ففي اجتماع بتاريخ 13 سبتمبر/ أيلول 2008 لرئيس حكومة تسيير الأعمال الفلسطينية سلام فياض مع مسؤولين روس يوافق نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف على أن على الرباعية أن تعيد فرض دورها وأن تكون مشاركة بشكل حقيقي في الإشراف على المحادثات.

ويقول سلطانوف إنه أبلغ رايس بأن روسيا "قد تعيد النظر في عضويتها في الرباعية إذا كان دورها سيستمر منحصرا في إصدار البيانات".

وفي اجتماعه بتاريخ 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2009 مع صائب عريقات يقول الموفد الأوروبي إلى الشرق الأوسط مارك أوتي إن الأوروبيين لا يستطيعون "مواصلة دعم الولايات المتحدة دون أن نعرف ماذا ندعم بالضبط".