عريقات ابتكر حلا لتقسيم المدينة القديمة في القدس (الفرنسية)

بينت سجلات التفاوض التي حصلت عليها الجزيرة أن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات قد اقترح حلا غير مسبوق لتقسيم القدس ومقدساتها.

تبين محاضر الاجتماعات التي أقيمت في مقر وزارة الخارجية الأميركية أن عريقات كان راغبا في التخلي عن الحرم الشريف، وإخضاعه للجنة دولية مقابل السيادة على مساحات أكبر من المدينة القديمة في القدس.

لقد كان موضوع السلطة على الحرم الشريف الذي يضم المسجد الأقصى من أكثر المسائل الخلافية تعقيدا بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي خلال عقود من المفاوضات بين الطرفين.

ففي اجتماع بتاريخ 21 أكتوبر/تشرين الأول 2009 مع المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل ونائبه ديفيد هيل والمستشار القانوني لوزارة الخارجية الأميركية جوناثان شوارتز، أخبر عريقات الأميركيين عن حله "المبتكر" لتقسيم المدينة القديمة في القدس.

معايير كلينتون

حتى المدينة القديمة يمكن حل مسألتها (مناقشة تفاصيل السيادة على المدينة القديمة) ما عدا الحرم الشريف وما يدعونه هم جبل الهيكل. هنا تحتاج إلى أفكار مبتكرة من أناس مثلي...

صائب عريقات

اقترح عريقات التمسك بما يسمى معايير كلينتون، وهي خطة قدمها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، وتقضي بموافقة مشروطة على الكتل الاستيطانية الغير شرعية، وأن يكون تبادل الأرض بين أراضي ما قبل 1967 وأراضي الضفة الغربية.

عريقات: إنها محلولة. لديكم صيغة معايير كلينتون. بالنسبة للسيادة على المدينة القديمة، ما عدا الحي اليهودي وأجزاء من الحي الأرمني.. يمكن أن يترك الحرم للنقاش لاحقا، هناك طرق مبتكرة، مثل تعيين هيئة أو لجنة تتولى مثلا عدم الحفر تحت المسجد الأقصى.. الشيء الوحيد الذي لا أستطيع فعله هو أن أتحول إلى صهيوني".

شوارتز: يجب التشاور مع السيناتور ميتشل، هذه فكرتك الخاصة.

عريقات: هذه المحاورة هي بصفتي الشخصية.

شوارتز: لقد سمعنا الفكرة من آخرين، لذلك أنت لست أول من يطرحها.

عريقات: الآخرون ليسوا كبير المفاوضين الفلسطينيين.

(لاحقا)

عريقات: حتى المدينة القديمة يمكن حل مسألتها (مناقشة تفاصيل السيادة على المدينة القديمة) ما عدا الحرم الشريف وما يدعونه هم جبل الهيكل. هنا تحتاج إلى أفكار مبتكرة من أناس مثلي...

دوافع غامضة
لا يعرف إذا كان عريقات قد أدلى بدلوه ليكسب إعجاب نظرائه الأميركيين أم ليكسر جمودا في المفاوضات استمر لأشهر عديدة، ولكنه في 15 يناير/كانون الثاني تباهى أمام طاقم ميتشل مرة ثانية بالعروض الفلسطينية –من ضمنها القدس- التي قدمت في أنابولس، أملا في أن تعتبر إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما السلطة الفلسطينية "شريكا كاملا في السلام".

ما في تلك الورقة تعطيهم أكبر أورشليم في التاريخ اليهودي، وعودة عدد رمزي من اللاجئين ودولة (فلسطينية) منزوعة السلاح... ماذا يمكنني أن أعطي أكثر من ذلك؟

صائب عريقات

عريقات: الإسرائيليون يريدون حل الدولتين ولكنهم لا يثقون بأحد. إنهم يريدون هذا الحل أكثر مما تتخيلون، وفي بعض الأحيان حتى أكثر من الفلسطينيين. ما في تلك الورقة تعطيهم أكبر أورشليم في التاريخ اليهودي، وعودة عدد رمزي من اللاجئين ودولة (فلسطينية) منزوعة السلاح... ماذا يمكنني أن أعطي أكثر من ذلك؟".

مصير القدس الشرقية
كانت محادثات كامب ديفيد عام 2000 المرة الأولى التي يجتمع فيها قادة فلسطينيون وإسرائيليون وجها لوجه ليناقشوا مصير القدس الشرقية المحتلة والمواقع المقدسة.

القانون الدولي وحدود عام 1967 تبين بوضوح أن الحرم الشريف ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كانوا رغم ذلك راغبين بمناقشة الحرم الشريف في مفاوضات كامب ديفيد، ورغبتهما تلك كانت مثار جدل كبير. الكثير من المشاركين بتلك المحادثات أجمعوا على أن مسألة الحرم الشريف كانت العائق الأكبر في وجه نجاح المحادثات.

ورغم المقترحات المتعددة من كلينتون لتقسيم السيادة على الحرم الشريف، رفض عرفات بكل فخر وأكد رفض منظمة التحرير الفلسطينية المساومة على الحرم الشريف. كان موقفا مبدئيا من عرفات صب عليه جام غضب الأميركيين والإسرائيليين، إلا أنه أكسبه احترام الفلسطينيين والعرب والأمة الإسلامية جمعاء.

ائتلاف أولمرت
الحرم الشريف كان موضوعا نادرا ما أثير في عملية مفاوضات أنابولس التي شملت 260 جلسة محادثات بين نوفمبر/تشرين الثاني 2007 وديسمبر/كانون الأول 2008. ويعود ذلك أساسا إلى أسباب سياسية داخلية إسرائيلية. كان شركاء إيهود أولمرت (رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها) في الائتلاف يطالبونه بأن تظل مسألة الحرم والمواقع المقدسة بدون حل، لا بل إن حزب شاس اليهودي المتطرف هدد بأن ينسحب من الحكومة إذا ما تمت مجرد إثارة مسألة الحرم.

وهكذا كان الوفد الإسرائيلي المفاوض غير مفوض بالتحدث عن الحرم، كما جاء في اجتماع بتاريخ 2 يوليو/تموز 2008 على لسان عودي ديقل كبير مفاوضي حكومة أولمرت.

سأل ديقل عريقات قائلا "لماذا تصرون أن تثيروا مسألة القدس في كل مناسبة، أليس هناك تفاهم بين القادة حول هذا الموضوع؟" بهذه الكلمات يعترف الإسرائيليون بأنه لا يمكنهم التفاوض على أي مسألة بخصوص القدس".

ورغم ذلك السلطة الفلسطينية قدمت وطرحت أفكارها، ولم تعر بالا للعواقب التكتيكية التي تترتب على تلك العروض، ورغم ما هو معروف عن الإسرائيليين بابتلاع أي تنازل يأتيهم دون إزعاج أنفسهم بدفع الثمن.

خلال اجتماع بتاريخ 29 مايو/أيار 2008 في القدس في مرحلة ما بعد أنابولس، قال ديقل لمسؤولي السلطة الفلسطينية إن معايير عملية السلام قد تغيرت.

عجلة الزمن

نحن لسنا في موقع من أخذ منكم شيئا وعليه إرجاعه لكم. نريد دولة فلسطينية لأن ذلك في مصلحتنا
عودي ديقل 
قال ديقل لخبير الخرائط في منظمة التحرير الفلسطينية "منذ عام 2000، حدثت أشياء وبالتالي نحن لسنا في نفس النقطة التي انطلقنا منها. لقد بدأتم حربا مروعة ضدنا فقمنا بخلق واقع على الأرض. هذا هو الواقع الذي نعيشه اليوم، لذلك لا يمكننا العودة إلى كامب ديفيد. الظروف تغيرت بشكل كبير منذ ذلك الحين. الحقائق تغيرت. لذلك لا نقدر أن نوقف عجلة الزمن ونعتبر أننا لا زلنا في العام 2000. الشرق الأوسط قد تغير".

وأضاف ديقل في وقت لاحق من الاجتماع "نحن لسنا في موقع من أخذ منكم شيئا وعليه إرجاعه لكم. نريد دولة فلسطينية لأن ذلك في مصلحتنا، لا يمكننا أن نتوانى مع منطق "إرجاع ما أخذ".

وبعد أن فشلت محاولات أحمد قريع في اجتماع لاحق بإقناع الإسرائيليين بالعودة إلى الوراء، بدأ الفلسطينيون ومع انطلاق عملية أنابولس الاقتناع بضرورة الاعتماد على تدويل القدس.

في 31 أغسطس/آب 2008 تلقى عباس مقترحا شفويا من أولمرت ينص على أن تشكل لجنة بعضوية الولايات المتحدة ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية لتحديد مصير الحرم الشريف.

إلا أن اللجنة لم تكن لتملك القوة لتجبر إسرائيل على توصياتها ولا حتى السلطة الفلسطينية، الطرف الضعيف في المفاوضات.

لجنة دولية للقدس
عريقات بدا راغبا في قبول الاقتراح، حتى وإن كانت الولايات المتحدة تفتقر إلى فهم تاريخي لقضية الحرم الشريف وتعتبر أقرب وأصدق حلفاء إسرائيل. الأدهى من ذلك، أن كلا من مصر والسعودية والأردن سوف تستخدم اللجنة لمصلحة قضاياهت وكلهم –وخاصة السعودية- لديهم مصالح في وضع الحرم الشريف. فمنذ إطلاق مبادرتها للسلام في الشرق الأوسط عام 2002، والتي تبنتها الجامعة العربية، أصبحت القضية الفلسطينية وإسرائيل في صلب اهتمامات المملكة العربية السعودية.

مع مشكلة التطرف المتصاعد في المملكة (القاعدة) ومع هاجس مواجهة إيران التي قد تمتلك سلاحا نوويا، أصبح من الواضح أن الوصاية على الحرم ستكسب صاحبها الولاية على الحرم والمسجد الأقصى أولى القبلتين.

في نهاية محادثات أنابولس وفي 2 ديسمبر/كانون الأول 2008، أي قبل أسابيع من حرب غزة قال عريقات لديفيد ويلش مساعد وزيرة الخارجية الأميركية إن "جل اهتمام السعوديين هي القدس، وليس تبادل الأرض ولا المناطق".

"بالنسبة لهم القدس هي الحرم" أضاف عريقات.