مبادرة بلير كلفت الاتحاد الأوروبي ثمنا سياسيا غاليا في القضية الفلسطينية (الفرنسية)

آليستر كروك

الكثيرون يتساءلون، لماذا فشل الاتحاد الأوروبي في العقد الأخير في تقديم رؤية مستقلة عن الولايات المتحدة في ما يخص السياسة تجاه الشرق الأوسط. من أسباب فشل الاتحاد الأوروبي في تكريس صوته في بداية العقد الماضي أنه كان يصارع لاحتواء أثر تضخم المد الأميركي الذي تضخم واكتسب زخما قويا إثر هزيمة صدام حسين في حرب الخليج الثانية 1990-1991.

من الجهة الأخرى، كان الفشل لا يتعدى ببساطة ترجمة لاعتماد معظم الساسة الأوروبيين على واشنطن. لكن سجلات التفاوض تسلط الضوء على سبب آخر.

تبين سجلات التفاوض أن توني بلير بالتحديد قد احتل الساحة السياسية، لدرجة أنها اضمحلت لتسعه هو وحده. في تحول سياسي سري عام 2003، قام بلير بربط السياسة الأمنية لبريطانيا والاتحاد الأوروبي بخطة أميركية ضخمة لمكافحة العمل المسلح عن طريق "الاستنفار" في فلسطين.

ادعاءات بالديمقراطية

أدت سياسة "الاستنفار" التي ابتدعها بلير الى تعريض الاتحاد الأوروبي لأن يظهر بمظهر المهرطق
كانت مبادرة كلفت الاتحاد الأوروبي ثمنا سياسيا غاليا في 2006 والأعوام التالية، عندما فازت حماس في الانتخابات بغالبية كبيرة.

منذ ذلك الحين، أصبحت ادعاءات الاتحاد الأوروبي بالديمقراطية مجرد هباء منثور، كما أدت سياسة "الاستنفار" التي ابتدعها بلير الى تعريض الاتحاد الأوروبي لأن يظهر بمظهر المهرطق: على الصعيد السياسي، قد يتحدث الاتحاد الأوروبي مثلا عن سياسته في تبني المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية، لكن على الصعيد الأمني كان الاتحاد الأوروبي يتبع سياسة بأهداف لا تمت بصلة لأهدافه على الصعيد السياسي.

عام 2003، فشلت جهود الولايات المتحدة لتحييد الرئيس ياسر عرفات ونقل سلطاته وصلاحياته إلى رئيس الوزراء محمود عباس. عرفات أعفى عباس من منصبه رئيسا للوزراء. كانت تلك ضربة موجعة للولايات المتحدة التي كانت تسعى إلى سلطة فلسطينية لا تسيطر عليها فتح.

بوش أبدى شكوى مرة لبلير من صرف عباس: الأوروبيون كانوا لا يزالون "يرقصون حول عرفات" تاركين للولايات المتحدة واسرائيل الأعمال الكبيرة. استنتج بوش أن الأوروبيين لم يضعوا ثقلهم في "الحرب على الإرهاب".

كان رد بلير على بوش هو ابتكار خطة مكافحة العمل المسلح المعروفة اصطلاحا "كوين": تكشف سجلات التفاوض أن "الحملة الأمنية" التي كانت أهدافها "تقويض قدرات جماعات جبهة الرفض: حماس والجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى. وذلك من خلال:

- إرباك اتصالات قيادات تلك المنظمات والتحكم بقدراتها.
- اعتقال الصف الثاني من قيادات جبهات الرفض ومصادرة أسلحتهم.
- السيطرة على موارد تلك المنظمات في الضفة الغربية.
- مراقبون أميركيون –وبريطانيون بصورة غير رسمية- يرسلون بتقاريرهم إلى كل من إسرائيل واللجنة الرباعية الدولية (روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة).
- توقيف رموز القيادة العليا في حماس والجهاد الإسلامي توقيفا مؤقتا.

استثمار أمني ضخم
كما تكشف سجلات التفاوض كيف نفذت الخطة: استثمار ضخم في تدريب وتأسيس البنية التحتية لقوات أمن السلطة الفلسطينية، وبناء السجون لاستيعاب عدد كبير من سجناء حماس المحتمل إلقاء القبض عليهم، وتأسيس كتائب دايتون العسكرية لمحاربة حماس، والتخطيط لإسقاط حماس في غزة، واستهداف حياة قيادات حماس.

الرباعية كانت منخرطة في العمل مع مخابرات الدول العربية لتجفيف موارد حماس المالية
الرباعية كانت منخرطة في العمل مع مخابرات الدول العربية لتجفيف موارد حماس المالية. "الاستنفار" طال كل شيء: المساعدات، والمعونة الاقتصادية، وبناء المؤسسات، كل الموارد المخصصة لتلك المجالات حولت لتخدم خطة مكافحة العمل المسلح. في النهاية أندمجت خطة مكافحة العمل المسلح ومشاريع بناء الدولة الفلسطينية في بوتقة واحدة.

وفي ضوء خطط مكافحة العمل المسلح نلك، لم يكن مفاجئا أن يحفز فوز حماس في انتخابات العام 2006 الاتحاد الأوروبي ليزيد من دعمه الخفي للقطاع الأمني الفلسطيني الذي بناه بمعية الولايات المتحدة. على الصعيد السياسي كان الأوروبيون يحاولون الاحتفاظ بنبرة مستقلة، لكن سجلات التفاوض تبين ماذا دار بين المبعوث الأوروبي مارك أوتي وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات بعد شهرين من فوز حماس بالانتخابات:

أوتي: على الاتحاد الأوروبي التعامل مع الواقع ومع حكومة حماس.. في هذا المجال، فإن موقف الاتحاد الأوروبي مختلف عن موقف الولايات المتحدة.

عريقات: وكيف ذلك؟

أوتي: الولايات المتحدة تريد أن ترى حكومة حماس وهي تفشل. الاتحاد الأوروبي سوف يشجع حماس على التغيير ويحاول قدر الإمكان أن يعمل على إنجاح الأمور.

ولكن صدى أعمال الاتحاد الأوروبي كان أعلى من صدى كلمات أوتي. تبنى الاتحاد الأوروبي شروط الرباعية للتعامل مع حماس.

وهي شروط وصفها ممثل الأمم المتحدة للأمين العام بأنها ذات سقف عال صمم خصيصا لتفشل حماس في تلبيتها، ولم تكن شروطا تعبد الطريق نحو الحل الدبلوماسي. بعد ذلك، كانت المخابرات البريطانية والاميركية منهمكة في إعداد "انقلاب أبيض" يسقط حماس من السلطة في غزة.

تعرضت صورة الاتحاد الأوروبي للاهتزاز في المنطقة وبدا كأنه يعاني من انفصام في الشخصية، لأنه كان يتبنى موقفا معينا في العلن، بينما سياساته في الشق الأمني لها اتجاه مغاير تماما.

تكشف سجلات التفاوض أن ميراث وتبعات خطة السيد بلير كان غالية الثمن
وهكذا لدينا اتحاد أوروبي أخذ على عاتقه "التحدث" عن جهود المصالحة بين فتح وحماس، بينما وفي الوقت نفسه "ينفذ" التمزيق والاعتقال والاستيلاء على الموارد وتدمير القدرات بحق فريق من الاثنين؛ لدينا اتحاد أوروبي له قول مغاير لفعله، ففي الوقت الذي "يدعي" أنه يساعد الفلسطينيين، يكون "فعله" هو توجيه مساعداته باتجاه أهداف الخطة الأمنية الأميركية؛ لدينا اتحاد أوروبي "يقول" إنه يدعم الديمقراطية بينما "يتهادن" مع نظام حكومي لا يستند إلى سند قانوني وبرلمان مكتوف اليدين ومعطل.

تلك القائمة من محاولات إصلاح ذات بين الفلسطينيين هي سياسة ازدواج في الشخصية، منعت الاتحاد الأوروبي من بناء أي جهد في السياسة الخارجية مواز لذاك الذي تقوم به الولايات المتحدة في مجال "عملية السلام"، وقد أدى ذلك الى تآكل مكانته في المنطقة.

تكشف سجلات التفاوض أن ميراث وتبعات خطة السيد بلير كان غالية الثمن.