توصّل باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عشيّة إعلان انفصال دولة جنوب السودان إلى أنّ الموقف من الانفصال مرتبطٌ بشكل مباشر بالموقف من مدى فعّالية الدولة السودانية والثّقة بها وبمؤسّساتها المختلفة.

ويرى الدكتور فارس بريزات، في دراسة حديثة ينشرها على موقع المركز الذي يتخذ من الدوحة مقرا، أنه تبيّن أنه كلّما انخفض التقييم الإيجابي لأداء الدولة وتدنّت مستويات الثقة العامّة بمؤسساتها، كان موقف السودانيين أكثر ميلاً لمعارضة الانفصال.

ولعلّ المثال الأبرز على هذا الاتّجاه هو أنّ الأغلبية من الذين لا يثقون بالحكومة إطلاقاً يعارضون الانفصال.

وتبرز هنا فكرة المواطن الناقد، المواطن الذي يبني موقفه على معطيات أداء الدولة أكثر من أيّ مُعطى آخر.

ويرى جلّ السودانيّين الشّماليين أنّ مشكلة السودان هي مشكلة عربية أكثر ممّا هي مشكلة سودانية، وعليه فإنّ الدور العربي في حلّ مشاكل السودان يأتي إلى بيئة حاضنة ومرحّبة به على الرغم من غيابه في الفترة السابقة للانفصال، حيث أنّ هذه البيئة ترى أنّ العرب أمّة أكثر من كونهم شعوباً متعدّدة غير منسجمة.

وأشار الباحث -الذي يترأس برنامج الرأي العام في المركز- إلى أنّ رأي سكّان شمال السودان غاب عن تقرير مصير الجنوب لأنهم لم يُستفتوا في ذلك. وبقيت التحليلات الانطباعية و"المؤدلجة" هي الأكثر انتشاراً في محاولة فهم موقف الشماليّين من الانفصال.

وحاول الباحث أنْ يقدّم في دراسته إضافةً نوعيّةً مبنيّةً على مسحٍ ميداني لآراء الشماليين لملْء فجوة في المعرفة حول موضوعٍ ما زال يتفاعل ويدفع الناس لاتّخاذ مواقفَ متباينة تتعلق بسلسلةٍ من القضايا المرتبطة بانفصال جنوب السودان.

وبيّنت الدراسة أنّ السودانيّين الشّماليّين منقسمون مناصفةً تقريباً بين مؤيّدين (48%) ومعارضين (50%) لانفصال الجنوب.

يرى جلّ السودانيّين الشّماليين أنّ مشكلة السودان هي مشكلة عربية أكثر ممّا هي مشكلة سودانية، وعليه فإنّ الدور العربي في حلّ مشاكل السودان يأتي إلى بيئة حاضنة ومرحّبة به
وأظهرت الدراسة أنّ مواقف أنصار الأحزاب السياسية السودانية من الانفصال مرتبطةٌ بالخلفية الأيديولوجية والاجتماعية لهذه الأحزاب، إذ تؤيّد الأغلبية من أنصار الأحزاب ذات التوجّهات الإسلاميّة (حزب المؤتمر الوطني الحاكم وحزب المؤتمر الشّعبي) الانفصال. فيما تُعارضه الأغلبيّة من المستقلّين ومن أنصار الأحزاب الأخرى مثل حزب الأمّة القومي والاتّحادي الديمقراطي.

انقسام بشأن الانفصال
وخلصت الدراسة إلى أنّ محدّدات موقف الرأي العام السوداني من الانفصال تتجاوز العوامل الجغرافيّة وترتبط بعددٍ من العوامل الاجتماعية والسياسيّة.

فمن ناحية الجغرافية تبيّن أنّ الأغلبية من سكّان الأقاليم التي تشترك مع إقليم الجنوب بالحدود أو القلاقل تعارض الانفصال وترى أنّ أثره، عموماً، سيكون سلبياً على الشمال.

وتبيّن كذلك أنه كلما ازداد عمر الفرد كان أقلّ ميْلاً لتأييد الانفصال. وكلّما ارتفع مستوى تعليمه كان أقلّ تأييداً للانفصال كذلك.

وعلى جانب المسؤولية السياسية عن الانفصال، كشفت الدراسة أنّ الأغلبية من الذين يحمّلون مسؤولية الانفصال للحكومات السودانية المتعاقبة وللمؤتمر الوطني الحاكم يتوقّعون أنْ يكون أثره سلبياً على شمال السودان.

وعلى الرغم من ذلك نجد أنّ الأغلبية من مؤيّدي الأحزاب السودانيّة الكبيرة والمستقلّين تؤيّد إقامة اتّحاد مستقبلي بين الشمال والجنوب، إلاّ أنّ الأقلّ حماساً لهذا همْ أنصار حزب المؤتمر الوطني.

ويستخلص الباحث أنّ الرأي العام السوداني في الشمال منقسمٌ حول الانفصال ويرى أنّ العرب هم البيئة الحاضنة للسّودان ومشاكله.

وتبيّن أنّ المعارضين للانفصال هم الأكثر تعليماً والأكبر عمراً والأكثر نقداً للدولة وأدائها. وعلى الرغم من الاختلافات الحادّة بشأن الانفصال وأثره على كلّ من الشّمال والجنوب، إلاّ أنّ الأغلبية من السودانيّين على اختلاف توجّهاتهم وتراتبهم الاجتماعي والاقتصادي وتوزيعهم الجغرافي يؤيّدون إقامة اتّحاد مستقبلي بين الشّمال والجنوب.