الصحافة التركية قالت إن القوات الأميركية والكردية كانت تسعى للحصول على مستندات ملكية تخص كركوك (الجزيرة-أرشيف)

كشفت مجموعة برقيات دبلوماسية أميركية سربها موقع ويكيليكس في وقت سابق من الشهر الجاري عن مواجهة أميركية تركية في شمالي شرقي العراق رافقتها مواجهة دبلوماسية في العاصمة التركية أنقرة عام 2003 بعد أشهر من الغزو الأميركي.

الأزمة تفجرت بعد أن قامت قوات أميركية ترافقها قوات بيشمركة كردية تابعة لإقليم كردستان العراق باقتحام مكتب ارتباط تركي في مدينة السليمانية في أقصى شمالي العراق في 4 يوليو/تموز 2003 أي بعد ثلاثة أشهر من الغزو الأميركي للعراق، وإلقاء القبض على 13 عنصرا من عناصر القوات الخاصة التركية. القوات الأميركية كبّلت الجنود الأتراك بالأغلال وألبستهم أكياسا سودا في رؤوسهم مما أثار غضب الأتراك واعتبرته الصحافة التركية إهانة للأمة.

التحرك الأميركي العسكري في السليمانية رافقه تحرك مشابه في كركوك حيث تمت الإغارة على حزب تركماني وأغلقت مكاتبه، بالإضافة إلى إغلاق إذاعة تركمانية عراقية.

الأميركيون ادعوا أن الأشخاص الذين تم القبض عليهم لم يكن في حوزتهم ما يثبت أنهم أفراد من القوات الخاصة التركية، وقالوا إنهم يبحثون عن جندي تركي متورط بالتخطيط لاغتيال محافظ كركوك.

وكانت صحيفة تقويم التركية قد قالت في مقال لها الشهر الماضي إن السبب الحقيقي الذي حفّزَ الأميركيين والأكراد للهجوم على الجنود الأتراك في يوليو/تموز 2003 هو نجاح القوات الخاصة التركية في تصوير مستندات ملكية لأجزاء كبيرة من كركوك والموصل وإرسالها إلى تركيا.

يذكر أن الأكراد يدعون أن لهم حقوقا في كل من محافظتي كركوك ونينوى اللتين لا تنتميان إلى إقليم كردستان العراق.

وفي برقية كتبها السفير الأميركي في العاصمة التركية أنقرة روبرت بيرسون بعد ساعات من اعتقال الجنود الأتراك، قال إن باكي إلكن المسؤول الرفيع المستوى في الخارجية التركية استدعاه ونقل له خبر الاعتقال الذي وصل إلى السلطات التركية عن طريق شهود عيان.

فدائيو صدام
إلكن أبدى استياءه لبيرسون من طريقة تعامل القوات الأميركية مع الجنود الأتراك وقال له إنهم عوملوا وكأنهم ينتمون إلى فدائيي صدام وليس إلى دولة حليفة للولايات المتحدة، ونبه بيرسون أن كلا من الرئيس التركي (السابق) أحمد نجدت سيزر ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان قد أخذا علما بالحادث وأنه من الضروري إنهاء الوضع القائم وإلا فستكون هناك عواقب سلبية على العلاقات التركية الأميركية.

وبحسب البرقية، فإن إلكن لخص للسفير الأميركي مطالب الحكومة التركية كالآتي:

- الإفراج الفوري عن المعتقلين.
- إجراء تحقيق شامل في الحادث.
- تحديد المسؤول عن اتخاذ قرار الاعتقال ومحاسبته.
- مشاركة الحكومة التركية بنتائج التحقيقات.

الأكراد يطالبون بضم كركوك إلى كردستان الأمر الذي يعارضه تركمان المدينة (رويترز)
بيرسون أنهى البرقية بتعليق كتب فيه:
بالنظر إلى جدية العواقب المحتملة لعلاقتنا (مع الجانب التركي) نريد أن يحل هذا الإشكال بأكبر سرعة ممكنة وبأكثر الأساليب إنسانية. نطلب ردا يتضمن أكبر قدر ممكن من الدقة لنقدمه للحكومة التركية بحلول (اليوم التالي) الخامس من يوليو/تموز. نحن بحاجة إلى أن نخبر الأتراك وعلى وجه السرعة وبأكثر العبارات تحديدا وإقناعا عن سبب قيامنا بهذه الخطوة.

في صبيحة الخامس من يوليو/تموز كتب السفير بيرسون برقية عن لقائه إلكن وأبلغه بأنه لو كان الأتراك الذين تم القبض عليهم يملكون وثائق تعريفية أو لو كان هناك طلب بإطلاق سراحهم عبر القنوات الدبلوماسية.

إغلاق للحدود
وقال السفير إن هناك معلومات عن قيام القوات الأميركية بغارة جديدة اعتقلت فيها عشرة جنود أتراك من القوات الخاصة، وإن تركيا قد أغلقت الحدود مع العراق عند معبر الخابور.

بيرسون أوصى أن يتم التوصل إلى حل للقضية في المحادثات بين وزير الخارجية التركي عبد الله غل والأميركي كولن باول –وقت كتابة البرقية- (...) إذا لم يتم حل الإشكال ولم يطلق سراح أفراد القوات التركية الخاصة بحلول صباح الاثنين (7 يوليو/تموز) فسيكون هناك تصعيد سريع على الصعيد السياسي ورد الفعل الشعبي بشكل قد يضر بالعلاقات الأميركية التركية.

الجيش الأميركي أطلق سراح الجنود الأتراك يوم الاثنين السابع من يوليو/تموز بعد أن أمضوا ستين ساعة تحت الاعتقال، ولكن البرقية الصادرة من بيرسون في الثامن يوليو/تموز رسمت جوا من التوتر والغضب ساد تركيا بعد إطلاق سراح الجنود وإجراء مقابلات إعلامية مكثفة معهم قالوا خلالها إنهم تعرضوا للتعذيب والضرب، واتهموا القوات الأميركية بمصادرة معدات ومستندات لم ترد إليهم بعد الإفراج عنهم.

البرقية قالت إن الحادثة أحدثت انقساما بين حزب التنمية والعدالة الحاكم الذي يريد أن يعالج المسألة بهدوء والجيش وحلفائه الذين يصفون موقف حزب العدالة بأنه موقف ينطوي على "الخنوع".

أصداء في الإعلام
صحيفة مليت التركية الواسعة الانتشار وصفت التنسيق المستمر بين المسؤولين الأميركيين والأحزاب الكردية العراقية بأنها حولت الولايات المتحدة من حليف إلى "التهديد رقم واحد" لتركيا.

صحيفة الصباح التركية من جهتها أبرزت صباح يوم السابع من يوليو/تموز مقابلة رئيس أركان الجيش التركي الجنرال حلمي أوزكوك مع السفير الأميركي حيث انتقد أوزكوك الخطوة الأميركية ووصفها بأنها سببت "أكبر أزمة ثقة تجاه الجيش الأميركي" خلال أكثر من خمسين عاما.

ورغم أن الجانب الأميركي لم يقدم اعتذارا رسميا كما طالبت بعض الأوساط السياسية والإعلامية التركية، فإن وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد (وقت وقوع الحادثة) أرسل رسالة إلى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عبر له فيها عن حزنه من الحادث.



عام 2006 شهد إنتاج فيلم "وادي الذئاب العراق" التركي وكان أكبر إنتاج سينمائي تركي حتى حينها حيث بلغت ميزانيته حوالي 14 مليون دولار. الفيلم جسد واقعة القبض على أفراد القوات الخاصة التركية في شمالي العراق وأبرز مدى سوء الغزو الأميركي من وجهة نظر المنتج.