أبو عمر اختطف من شوارع ميلانو في وضح النهار ونقل جوا إلى معتقل مصري (الفرنسية)

كشفت البرقيات الدبلوماسية الأميركية أن رئيس الوزراء الايطالي سلفيو برلسكوني حاول عام 2003 منع القضاء الإيطالي من إصدار مذكرات إلقاء قبض دولية على عملاء من وكالة المخابرات الأميركية (سي آي أي) متورطين في خطف الشيخ
أبي عمر المصري من أحد شوارع ميلانو عام 2003 ونقله جوا إلى مصر لاستجوابه.

مجلة دير شبيغل الألمانية التي كانت إحدى الصحف العالمية التي حصلت على نسخة من البرقيات المسربة من موقع ويكيليكس قالت إن البرقيات كشفت أن المحاكم الإيطالية أعلنت تورط عملاء أميركيين في الخطف وطلبتهم للمثول أمام القضاء.

الولايات المتحدة –بحسب البرقيات المسربة- حاولت التأثير في مسار القضية وهددت حكومة رئيس الوزراء برلسكوني الذي لم يمانع في التدخل.

تقول المجلة إن الجهود كانت في البداية من خلال القنوات الدبلوماسية، ولكنها في مرحلة لاحقة تحولت إلى محادثات ومطالب مباشرة من مسؤولين أميركيين على أعلى المستويات.

انتقاد لاذع
الحكومة الإيطالية أكدت للدبلوماسيين الأميركيين ووزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عام 2007 أنها تعمل بجد على القضية، كما حرص برلسكوني على أن يسمع الأميركيين منه عبارات انتقاد لاذع للقضاء الإيطالي.
ورغم تصنيف الحكومة الإيطالية لمعلومات التحقيق في قضية أبي عمر على أنها أسرار دولة، فإن ذلك لم يمنع من استمرار المحاكمة.

وتبين البرقيات أن غيتس مارس ضغطا مباشرا على برلسكوني كي يمنع صدور أوامر اعتقال دولية للعملاء الأميركيين المتورطين في خطف أبي عمر.

نجاة برلسكوني من حجب الثقة أدت إلى أعمال عنف رافضة لنتيجة التصويت (رويترز) 

وتقول دير شبيغل إن هذه المعلومات تأتي في وقت حرج لبرلسكوني الذي نجا منذ أيام قليلة من تصويت في البرلمان لحجب الثقة عن حكومته، مما فجر أعمال عنف رافضة لنتائج التصويت. يذكر أن المعارضة توجه أصابع الاتهام إلى برلسكوني بأنه راش يشتري أصوات نواب البرلمان.  

خطف ألماني
وتشبّه المجلة الألمانية تفاصيل قضية أبي عمر في إيطاليا بقضية خالد المصري الألماني من أصل لبناني، الذي تعرض هو الآخر للخطف بشكل غير قانوني في مقدونيا من قبل عملاء أميركيين عام 2003.

تقول المجلة إن الدبلوماسيين الأميركيين تدخلوا أيضا لدى مسؤولين ألمان لوقف إصدار مذكرة اعتقال دولية من القضاء الألماني للعملاء الذين اختطفوا المصري.

وتمضي المجلة قائلة إن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أجاز في أعقاب هجمات 11 سبتمبر عمليات اختطاف لمشتبه فيهم ونقلهم إلى مراكز اعتقال واستجواب سرية.

وكان الشيخ أبو عمر الذي يعيش في مدينة ميلانو بشمال إيطاليا قد اختطف في وضح النهار وزُجّ به في شاحنة بيضاء مغلقة، ثم نقل إلى مصر جوا عبر ألمانيا. وقد اتهم أبو عمر ضباط الأمن المصريين بتعذيبه تعذيبا شديدا.

كما ادعى أبو عمر عندما أطلق سراحه بعد 14 شهرا من الاعتقال، أن عمليات تعذيبه واستجوابه جرت بحضور مسؤولين أميركيين.

محاكمة محرجة
يذكر أن الـ"سي آي أي" واجهت مأزقا وإحراجا كبيرين في قضية أبي عمر عندما كشف المدعي العام الإيطالي تفاصيل دقيقة للغاية ذهبت إلى حد الذكر الصريح لأسماء العملاء المتورطين ومكافأتهم بقضاء عطلة نهاية الأسبوع في أحد أفخم فنادق مدينة البندقية الإيطالية على حساب وكالة المخابرات الأميركية.

الإعلام الإيطالي تلقف القضية وأصبحت قضية رأي عام إيطالي بامتياز على اعتبار أن وجود عملاء لوكالة مخابرات أجنبية تعمل على أراضي بلادهم يشكل في العرف الدولي انتهاكا للسيادة الوطنية.

ورغم غياب العملاء الأميركيين عن مجريات المحكمة التي بدأت عام 2007، فإن التفاصيل التي تم تداولها في القضية كانت كفيلة بإلحاق ضرر كبير بسمعة وصورة الـ"سي آي أي" في العالم الغربي.

غضب الولايات المتحدة تجسد في برقية أرسلها السفير الأميركي خلال التحضير للمحاكمة عام 2006 إلى الحكومة الإيطالية يقول فيها "إذا تم إصدار أوامر بإلقاء القبض، فإن ذلك سيؤدي إلى تدهور مأساوي في العلاقات الثنائية".

البرقيات كشفت عن محادثات تعهد فيها مسؤولون إيطاليون لمسؤولين أميركيين بأن يعملوا ما في وسعهم لمنع إصدار مذكرات اعتقال وطمأنوهم بأن القضاء في إيطاليا من السهل أن تتم السيطرة عليه.

برلسكوني متهم بتغيير القوانين الإيطالية لتلائم مصالحه ولتفادي محاكمته (الفرنسية)
وفي تعليق لا يخلو من التهكم، قالت ديرشبيغل إن مثل هذه التصريحات يسبب أزمة حكومية في أي بلد في العالم، ولكن في بلد مثل إيطاليا حيث يغير رئيس الوزراء القوانين لتناسب مصالحه ويؤمن نفسه ضد الملاحقة القضائية، فإن الأمر لا يكاد يذكر.

أحكام مشددة
في عام 2009 أصدرت محكمة إيطالية حكما على 23 أميركيا بالسجن مددا تصل إلى تسع سنوات لخطفهم أبا عمر في إدانة لرحلات جوية أشرفت عليها وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي أي) لنقل سجناء سرا في عهد الإدارة الأميركية السابقة.

وغلظت المحكمة العقوبة لتزيد عن عقوبة قضت بها محكمة أخرى العام الماضي، وجرت محاكمة الأميركيين جميعا غيابيا لأن الولايات المتحدة رفضت تسليمهم.   

وحكم بأقصى عقوبة وهي السجن لمدة تسعة أعوام على روبرت سلدون لادي الرئيس السابق لمحطة وكالة المخابرات المركزية الأميركية في ميلانو بعد أن حكم عليه عام 2009 بالسجن ثمانية أعوام.   

وحكم على 21 من ضباط المخابرات السابقين وعلى عقيد في القوات الأميركية بالسجن سبع سنوات بعد أن صدرت عليهم أحكام بالسجن لمدة خمس سنوات.





والأحكام التي صدرت عام 2009 كانت أول أحكام من نوعها ضد الرحلات الجوية لنقل سجناء سرا التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والتي نددت بها جماعات المجتمع المدني باعتبارها انتهاكا لحقوق الإنسان الأساسية.