بوتين يفتتح في نوفمبر الماضي خط إمداد النفط بين روسيا والصين (رويترز-أرشيف) 

تشير الوثائق التي سربها موقع ويكيليكس إلى أن فلاديمير بوتين كان محورا لاهتمام الدبلوماسية الأميركية خلال رئاسته للفدرالية الروسية منذ مطلع العام 2000 ورئاسته للوزراء بعد انتهاء ولايتيْه الرئاسيتين اللتين امتدتا حتى مايو/أيار 2008.

وتكشف الوثائق أن لدى الدبلوماسية الأميركية معلومات غير معروفة عن خشية بوتين أن يخلفه نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع سيرغي إيفانوف وتفضيله لشخصية أضعف. وتدعم هذه الوثائق أيضا روايات الإعلام الغربي بشأن حيازة بوتين أموالا غير مشروعة.

ففي برقية مؤرخة في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2007 يقدم الدبلوماسي ديفد بالمر تقريره إلى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بشأن موضوع خلافة الرئيس فلاديمير بوتين الذي كان على وشك إنهاء ولايته الثانية دون أن تتضح ماهية خطوته التالية باعتبار أن الدستور الروسي ينص على ولايتين متتاليين فقط.

والمعلومات الواردة في البرقية تستند إلى لقاء عقده المسؤول في الخارجية الأميركية ديفد كرامر مع مسؤول روسي تم ستره من قبل ويكيليكس، وتمحور الحديث بينهما على مستقبل بوتين والوضع بعد الانتخابات التشريعية.

برقية أميركية تقول إن بوتين كان يخشى إيفانوف واستبعده من خلافته (الفرنسية-أرشيف)
تحقيقات محتملة
تقول البرقية (.. يرى أن بوتين لن يبقى في الرئاسة لولاية ثالثة, لكنه يحاول بعصبية ضمان حصانته المستقبلية من التحقيقات المحتملة بخرقه للقانون عبر أعمال يعتقد أنها غير قانونية".

وتقول البرقية أيضا ".. قال إن الرأي العام في موسكو يعتقد أن سيرغي إيفانوف لن يترشح للرئاسة. ويعلق قائلا إن بوتين كان خائفا من إيفانوف وهو لا يثق فيه، كما أنه بحاجة إلى شخصية أضعف لخلافته. وهو (المصدر الروسي) يؤكد أن بوتين يعرف أنه لا حكم للقانون في النظام الذي أسسه بنفسه، وأن أي شخص يمكن أن يعتقل في أي وقت وتتعرض مصالحه للدمار".

وعن الثروات المزعومة لبوتين تنقل البرقية عن المصدر ذاته "منذ أن بدأت تتنامى المعلومات عن وجود أصول لبوتين في الخارج يجري تشغيلها عن طريق وكلاء مثل (...) و(بوتين) أصبح يخشى أن خليفة قويا مثل إيفانوف يمكن أن يقلب عليه الطاولة ويجعله عرضة لتحقيقات وملاحقات عبر الشرطة الدولية (إنتربول) بتهمة خرق القانون".

وتشير الوثائق أيضا إلى أن الخارجية الأميركية كانت متيقنة من وقوف بوتين وراء قضيتين ما زالتا تستحوذان على اهتمام الغرب، وهما: محاكمة ميخائيل خودوركوفسكي رئيس شركة يوكوس التي تمت تصفيتها, واغتيال الموظف السابق في الاستخبارات الروسية ألكسندر ليتفيننكو في لندن عام 2006.

وتتناول برقية أرسلتها الوزيرة المفوضة في السفارة الأميركية بموسكو سوزان إليوت يوم 30 ديسمبر/كانون الأول 2009 سير محاكمة خودوركوفسكي ومساعده بلاتون ليبيديف.

خودوركوفسكي خرق قواعد لعبة أرسى بوتين دعائمها (الأوروبية)
محاكمة طويلة
تقول برقية إليوت نقلا عن مصدر شطبه موقع ويكيليكس "إن استدعاء هيئة الادعاء لـ31 من 250 شاهدا يعني أن المحاكمة ستستمر حتى نهاية عام 2012".

وتذكر أن بوتين دافع في كلمة متلفزة في الثالث من ديسمبر/كانون الأول خلال الإجابة عن أسئلة المشاهدين "عن مشروعية احتجاز خودوركوفسكي واتهمه أيضا بأنه قاتل. وقال أيضا إن الأموال التي سيأتي بها بيع يوكوس ستجير لصالح صناديق إقامة المساكن والمرافق".

ويعلق كاتب البرقية على القضية بالقول إن "التزام (موسكو) بأصول القانون في قضية ذات دوافع سياسية واضحة تبدو هنا مفارقة. فهي تبرز مسعى الحكومة الروسية لفرض القانون كجهد لإنقاذ ماء الوجه في هذه القضية عبر تطبيق وتلميع شكليات النظام الذي يقصي الخصوم السياسيين مع احتفاظهم بحصانتهم".

وتقول البرقية ذاتها كذلك إن هنالك تفسيرا شائعا على نطاق واسع هو أن خودوركوفسكي خرق قواعد اللعبة القائلة بإمكانية احتفاظك بثروتك إلى أي وقت تشاء ما دمت بعيدا عن السياسة.

وفي برقية كتبها السفير الأميركي في فرنسا كريغ ستيفانسون يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2006 حول اجتماع عقده المسؤول في الخارجية الأميركية دان فرد وموريس غوردو مونتاني أحد مستشاري الرئيس الفرنسي جاك شيراك، تم التطرق لقضية ليتفيننكو وكوسوفو وعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

بأمر الكرملين
يقول ستيفانسون إن الدبلوماسي الفرنسي "أبدى استغرابه لمن أصدر الأمر (بتسميم ليتفيننكو) وهو يعتقد أن الجريمة قد تكون أتت في إطار تصفية حسابات بين عملاء استخبارات أكثر من كونها حصلت بأمر من الكرملين".

يقول ستيفانسون إن الدبلوماسي الفرنسي "أبدى استغرابه لمن أصدر الأمر(بتسميم ليتفيننكو) وهو يعتقد أن الجريمة قد تكون أتت في إطار تصفية حسابات بين عملاء استخبارات أكثر من كونها حصلت بأمر من الكرملين"
ويضيف أن "فردا نبه إلى اهتمام بوتين بالتفاصيل, وتساءل ما إذا كان بإمكان عناصر استخبارات غير منضبطة أن تقوم بعملية في المملكة المتحدة بدون معرفة بوتين. ووصف الأجواء السائدة بموسكو بأنها غريبة حيث يبدو الروس معتدين بأنفسهم بصورة متزايدة بلغت مستوى الغطرسة".

غير أن الصورة المرسومة لبوتين في البرقيات الأميركية لم تتخذ مسارا سلبيا استنادا لمصالح الولايات المتحدة وأولوياتها. ففي برقية أرسلها السفير الأميركي نيكولاس بيرنز في الرابع من أبريل/نيسان 2008 يتحدث فيها عن لقائه بالكاتب الروسي الأشهر ألكسندر سولجنتسين قبل ثلاثة أشهر من رحيله.

نهضة روسيا
وينقل بيرنز -عن صاحب أرخبيل الغولاغ الذي عاش في أميركا نحو ربع قرن- قوله "تحت إدارة بوتين أعادت الأمة اكتشاف معنى أن تكون روسيا".

وعن الرئيس الحالي ديمتري مديفيديف الذي اختاره بوتين ليخلفه يقول سولجينتسين إنه "رجل لطيف وصغير السن ولم يسبق لي أن التقيته وأعتقد أن أمامه تحديا هائلا يتمثل في ترميم الضرر الذي أصاب المواطنين الروس خلال الحقبة السوفياتية".