الحكومة الجزائرية متهمة بعدم امتلاك رؤية واضحة لمعالجة الملف الأمني في البلاد (الفرنسية)

قالت برقية دبلوماسية أميركية صادرة من السفارة الأميركية في الجزائر في 17 ديسمبر/كانون الأول 2007 إن الطاقم الدبلوماسي أجرى حوارات مع مسؤولين جزائريين سابقين وقادة معارضة وصحفيين رسموا صورة قاتمة للوضع في بلادهم حيث يعاني النظام من وضع هش، والافتقار إلى الرؤية، ومستوى مرتفع من الفساد، وخلافات مستمرة مع الجيش بشكل لم يسبق له مثيل.

البرقية التي سربها موقع ويكيليكس نقلت عن شخص -تم شطب اسمه لأسباب أمنية وقانونية- أن تفجيرات 11 ديسمبر/كانون الأول قد تسببت في بروز العديد من سيناريوهات التعامل مع الوضع الأمني في أوساط الحكومة الجزائرية، وأن كل صاحب رأي يتخندق خلف رأيه، لكنه أشار إلى أن أصحاب التوجه نحو استخدام القوة يتزايدون.

وأشار المتحدث إلى أن النظام الجزائري يفتقر إلى رؤية محددة إزاء طريقة التعامل مع "الإرهاب" وأن حيرة النظام في التعامل مع الشخصيات البارزة المشمولة بإطلاق سراحها من السجن تحت مظلة المصالحة الوطنية هي خير دليل على ذلك التخبط، وساق قضية حسن حطاب (مؤسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال) مثالا.

تعبئة وفضيحة
وفي جلسة عشاء في ديسمبر/كانون الأول 2007 ضمت السفير الأميركي في الجزائر روبرت فورد والوزيرة السابقة والكاتبة والناشطة النسوية الجزائرية ليلى عسلاوي، نسبت البرقية إلى الأخيرة قولها للسفير إن جل المجتمع الجزائري تجري تعبئته ضد خطر الإرهاب.

وأخبرت عسلاوي السفير أن الحكومة الجزائرية طلبت مساعدتها في تنظيم مسيرة تدين الإرهاب، ولكنها علقت قائلة إنها لا تفهم لماذا لا تقوم الحكومة بجهد أكبر لملاحقة المشتبه في ممارستهم نشاطات "إرهابية"؟. وأشارت إلى ما سمته "فضيحة" فشل وزارة الداخلية في منع استهداف المحكمة العليا، رغم علمها المسبق بوجود تهديد.

وقالت عسلاوي إنه لو جاء طلب مساعدتها في تنظيم مسيرة تدين الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي لما ترددت بتقديم المساعدة، ولكنها اليوم ترفض المشاركة بأي عمل يساعد على تبرير المنهج الذي تنتهجه الحكومة الجزائرية في التعامل مع المسألة الأمنية.

تآكل من الداخل

البرقية: قال لنا سعدي إنه صُدم عندما وجد كثيرا من الجزائريين المتعلمين ومن أبناء الطبقة الوسطى في كيبيك (كندا) ومناطق في الولايات المتحدة خلال زيارة قام بها مؤخرا
البرقية تلخص اجتماعا مع رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الجزائري المعارض سعيد سعدي الذي قال إن الحكومة تصر على السلطة ولكنها تفتقر إلى الرؤية والإمكانيات التي تمكنها من فعل ذلك. وحذر سعدي من أن المؤسسات الجزائرية –وفي ظل ركود عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي- تتآكل من الداخل وتفقد أفضل كوادرها وموظفيها.

وتقول البرقية "قال لنا سعدي إنه صُدم عندما وجد كثيرا من الجزائريين المتعلمين ومن أبناء الطبقة الوسطى في كيبيك (كندا) ومناطق في الولايات المتحدة خلال زيارة قام بها مؤخرا".

وتنقل البرقية عن سعدي أن "أولئك الناس هم مستقبل الجزائر".

كما تورد البرقية أن عبد الله جاب الله الرئيس السابق لحزب الإصلاح الإسلامي والذي أزيح من قيادة الحزب بدعم من وزارة الداخلية الجزائرية، قال للدبلوماسيين الأميركيين إن ظاهرة هجرة الشباب الجزائري إلى أوروبا لم تعد مقتصرة على الفقراء، وإن الشباب الجزائري اليوم عليه الاختيار بين "الموت في البحر والموت البطيء في الوطن" نتيجة الركود الاقتصادي في البلاد.

هوة كبيرة
وتنسب البرقية إلى مصدر تم إخفاء هويته لأسباب أمنية وقانونية أن الهوة بين الشعب الجزائري والحكومة أصبحت كبيرة، حيث لا يوجد تطابق بين ما يعتبره الشعب حاجات أساسية وما تقدمه الحكومة من أجور ومستوى حياة.

ويبدو من البرقية أن الجلسة التي تحدث فيها المصدر المجهول كانت تضم أيضا سعيد سعدي، حيث اتفق الاثنان على تشبيه نظام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكيف أن الأخير اعتمد على رجال ينحدرون من مسقط رأسه تكريت ليتبوؤوا المراكز العليا في الحكومة، وقالا إن بوتفليقة يفعل الشيء نفسه حيث ينحدر معظم أركان حكومته من تلمسان غربي الجزائر.

وحذر سعدي الطرف الأميركي من الاستمرار بالصمت في ظل الانحدار المستمر للعملية الديمقراطية في الجزائر، وقالت البرقية إنه من دعاة التدخل الخارجي ويراه ضمانا لاستمرار الديمقراطية وانخراط الشباب في الحياة السياسية والاقتصادية.

ويرى سعدي أن استقرار الجزائر هو في أيدي جيش يعاني من الانقسامات، وقال للطرف الأميركي إن هناك ضباطا كثرا في الجيش الجزائري يريدون التغيير، كما ادعى سعدي أن هناك انقساما بين كبار الضباط إزاء طريقة التعامل مع الحالة الأمنية، حيث يرى جناح من القيادات العسكرية أن القوة هي الحل لاستئصال التهديد "الإرهابي"، بينما يرى الآخرون الالتزام بسياسة بوتفليقة القائمة على المصالحة الوطنية.

ومن جهته قال المصدر المجهول إن أخاه ضابط في الجيش وإن هناك الكثير من الضباط الذين يعتقدون بأن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، ولكنه تساءل همسا –بحسب البرقية- إذا كان باستطاعتهم تنظيم أنفسهم.