تسود الشرق الليبي ثقافة مقاومة مستمدة من دور تاريخي للمنطقة في مقاومة التدخل الأجنبي (الجزيرة) 

قالت برقية دبلوماسية أميركية نقلا عن مواطن ليبي يحمل الجنسية الأميركية، أن شرق ليبيا يعتبر بيئة خصبة لنشاطات "المتشددين" الذين يقومون بـ "عمليات استشهادية" في ليبيا والعراق، وأن الأمن الليبي لا يتمتع إلا بسلطات محدودة في تلك المناطق.

البرقية الصادرة من سفارة الولايات المتحدة بطرابلس في فبراير/ شباط 2008 وسربها موقع ويكيليكس المناصر لشفافية المعلومات الحكومية، قالت نقلا عن المواطن الليبي المزدوج الجنسية –الذي تم شطب اسمه من المواقع التي ذكر فيها لأسباب أمنية وقانونية- أن شرق ليبيا يعاني من نسبة بطالة مرتفعة في أوساط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما.

تقول البرقية نقلا عن المتحدث "الحالة تعكس اعتقاد نظام القذافي القائم على الاعتقاد بأنه إذا بقي الشرق فقيرا فسوف لن يكون باستطاعته القيام بأي معارضة سياسية جدية للنظام. وأن المتحدث استخدم مثلا ليبيا –يفسر استخدام القذافي لهذه السياسة- إذا عاملتهم مثل الكلاب، فسوف يتبعونك مثل ما تفعل الكلاب".

سياسة فاشلة
ونقلت البرقية عن المواطن الليبي قوله بأن عائلته أخبرته بأن سياسة القذافي تبدو فاشلة، لأن المواجهات بين قوات الأمن الليبية و"المتطرفين" تحدث باستمرار، وهناك مناسبات كثيرة تطور الأمر إلى قتال شوارع كما حدث في بنغازي ودرنا وأماكن أخرى، ويعتقد أن وراء تلك المواجهات عناصر لها علاقة بالجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا.

وتمضي البرقية في سرد وقائع الاجتماع بالمواطن الليبي المزدوج الجنسية الذي قال بأنه تحاور مع أقربائه واستشف بأن العاطلين عن العمل والشباب المهمشين في شرق ليبيا "ليس لديهم ما يخسرونه" لذلك فهم "راغبون في التضحية بأنفسهم" من أجل شيء أفضل، وأن "حياتهم لا تعني شيئا وهم يدركون ذلك، ولهذا السبب فهم يحاولون إعطاء معنى لوجودهم من خلال التضحية بأنفسهم".

البطالة والمستقبل المظلم إلى جانب ارتفاع تكاليف الحياة -وفق الوثيقة- جعلت من الصعب على الشباب التفكير في الاستقرار وتكوين عائلة قبل بلوغهم الثلاثينات من العمر، وهو عمر كان يعتبر متأخرا لتكوين أسرة بمقاييس تلك المناطق حتى الماضي القريب.

عمر المختار وتاريخ طويل في مقاومة المحتل ترفد الشباب الليبي بروح الجهاد (الجزيرة)
وفيما يتعلق بدافع أولئك الشباب للقتال بالعراق والقيام بـ "عمليات استشهادية" تنقل البرقية عن المواطن الليبي ما نصه "لقد قال لنا بصورة مباشرة إن بعض الشباب وتحديدا من القبائل الأقل حظا، يغريهم التعويض المالي الطويل الأجل لعوائلهم إذا ما قاموا بعمليات استشهادية في العراق وأماكن أخرى (...) وقال إن شبكات المتطرفين يتمكنون من تحفيز الشباب ليقتلوا أنفسهم مقابل تعويضات منخفضة نسبيا تتراوح بين 150-200 دينار ليبي (حوالي 120-160 دولارا أميركيا) في الشهر لعائلات "الشهداء".

وتورد البرقية هامشا توضيحيا يقول إن معدل رواتب الموظفين الحكوميين الليبيين يتراوح بين 250 و330 دينارا ليبيا.

معقل المقاومة
العامل التاريخي كان أيضا حاضرا في حديث المواطن المزدوج الجنسية، الذي تنقل عنه البرقية قوله إن مشاعر الفخر المزروعة في نفوس الليبيين المنحدرين من شرق البلاد، هي أيضا عامل مهم في دفعهم للمشاركة في عمليات استشهادية بالعراق وأماكن أخرى.

تاريخيا، تعتبر شرق ليبيا معقل المقاومة ضد العثمانيين والاحتلال الليبي. وقد يكون من الخطأ توصيف اتجاه الشباب في شرق ليبيا لتنفيذ عمليات بالعراق على أنه رد فعل تجاه الفقر فحسب، فحقيقة تحدر عمر المختار من قرية في شرق ليبيا والفخر الذي يعتلج في نفوس أبناء تلك المنطقة "للقتال من أجل العدالة وما يؤمنون به" هي عوامل مهمة.

ويستذكر المواطن الليبي وليمة كبرى حضرها في درنا عام 2007، حيث تركز حديث الرجال الحاضرين عن أخبار تحدثت عن مواطنيْن ليبييْن اثنين من تلك المنطقة نفذا عملية انتحارية بالعراق، وأن الحاضرين قدموا مزيجا من "العزاء والتهنئة" لعائلتيهما.

القتال بالعراق
وحول وجود قوات عسكرية أجنبية بالعراق قال المواطن الليبي إنه صٌدِمَ بحجم مشاعر العداء لقوات التحالف بالعراق، وبحجم الفخر الذي كان يجيش في نفوس الحاضرين لحقيقة أن اثنين من أبناء منطقتهم "نفذا ضربة" ضد "القوات الصليبية المحتلة في العراق".

وتنقل البرقية عن المواطن قوله إن تلك الوليمة كانت من المناسبات القليلة التي شعر فيها بحرج من حمله الجنسية الأميركية، ولكنه قال بأنه لا يعتقد أن ليبيي الشرق هم بالضرورة أعداء للأميركيين، إلا أنهم يعارضون الوجود العسكري الأميركي بالعراق أو أي بلد مسلم آخر، حيث كانت قضية وجود قوات سوفياتية محتلة بأفغانستان هي حديث المجالس، واليوم تحول الاهتمام إلى العراق.

كما عزا المواطن المزدوج الجنسية توجه ليبيين من الشرق إلى القتال بالعراق إلى تأثير القنوات التلفزيونية العربية وتبادل المعلومات على الإنترنت وسهولة السفر إلى العراق نسبيا. وتقول البرقية إن المواطن الليبي يقول إن الكثير من الشباب في شرق ليبيا يعتبرون العراق والقتال فيه قضية محلية، وقد يعود ذلك إلى تأثير المجاهدين السابقين بأفغانستان الذين ينصب جهدهم اليوم على الدعوة إلى القتال بالعراق.

من جهة أخرى، تطرقت البرقية إلى حديث المواطن المزدوج الجنسية عن نشاط المساجد في عمق الشرق الليبي، حيث قال إن خطب الجمعة هناك جدية أكثر من غيرها في الدعوة بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى الجهاد، وإنه في كثير من المدن والقرى يعرف الناس بعضهم بعضا ومن الصعب تسلل المخبرين الأمنيين بين المصلين مما يضعف قدرة الأمن الليبي على التدخل والتحكم في محتوى الخطب كما هو الحال في طرابلس ومدن ليبية كثيرة.



البرقية الدبلوماسية الأميركية التي سربها موقع ويكيليكس تخلص إلى القول إن ما كان يدعّيه سيف الإسلام القذافي من بسط سلطة الحكومة في الشرق غير دقيق، ومبالغ فيه.