جانب من احتجاج على الدرع الصاروخي في التشيك (الجزيرة-أرشيف)

سمير شطارة-أوسلو

كشفت وثيقة دبلوماسية أميركية سربها موقع ويكيليكس وتناولتها الصحف النرويجية باهتمام بالغ أن الحكومة الأميركية قامت بممارسة ضغوط على نظيرتها النرويجية، وعدد من السياسيين النرويجيين الفاعلين داخل الحياة السياسية من أجل تليينها لتوافق على إنشاء درع صاروخي أميركي بأوروبا.

ووفقا للوثائق الأميركية المسربة فإن الولايات المتحدة دفعت النرويج باتجاه منع حصول انقسام داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) لقبول الدرع الصاروخي في أوروبا، بعد أن لاحظت واشنطن التقارب الحاصل بين أوسلو وموسكو إثر توقيع بعض الاتفاقيات خاصة ترسيم الحدود بالمناطق الشمالية وبحر الشمال.

وفي أول ردة فعل للحكومة النرويجية، قالت الناطقة باسم الخارجية راغنل أمرسيلو إن الوزارة غير معنية بالتعليق على ما أوردته وثائق ويكيليكس.

وأكدت في اتصال مع الجزيرة نت أن النرويج كانت إبان فترة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن قلقة من إنشاء منظومة الدفاع الصاروخي داخل أوروبا، رافضة التعليق على تغيير رأيها عام 2009 والموافقة على الخطة الأميركية للدرع الصاروخي.

ومن جانبه رفض إسبن آيدى نائب وزير الخارجية النرويجية الذي كان يشغل نائب وزير الدفاع في الفترة من 2007 إلى 2009 التعليق على الوثائق.

يُذكر أن النرويج كانت حتى عام 2008 الدولة الأوروبية الوحيدة في حلف الشمال الأطلسي الذي ترفض خطة نشر الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا.

وأعلنت وزيرة الدفاع النرويجية آنا غريتا ستروم بعد عودتها من العاصمة الليتوانية فيلينوس عام 2008 موقف بلادها الصريح والعلني الرافض للخطة الأميركية القاضية بنشر صواريخ في بولندا أو التشيك لحماية الأجواء الأوروبية من الصواريخ طويلة المدى القادمة من إيران وكوريا الشمالية.

ضغط على المحاورين
لكن الوثائق والمراسلات الدبلوماسية بين السفير الأميركي السابق بأوسلو مع الإدارة الأميركية بواشنطن أفادت أنه في عامي 2007 و2008 بذلت السفارة الأميركية لدى أوسلو جهدا ووقتا وطاقة كبيرة للتأثير على أصحاب القرار داخل الحياة السياسية في النرويج.

وذكرت الوثيقة الجهات التي بذلت معها الجهود، وهم صحفيون ومحللون سياسيون ومجموعات بحثية وسياسيون كبار داخل قبة البرلمان، إضافة لبعض الأشخاص داخل الحكومة النرويجية، من أجل تليين رأي النرويج الرافض للدرع الصاروخي.

ونقلت الوثيقة المؤرخة في مارس/ آذار 2007 عن السفير الأميركي السابق بينسون وايتني قوله "إننا مارسنا الضغط على محاورينا سواء داخل وخارج الحكومة النرويجية من أجل دحض المعلومات الروسية، وفصل المواقف النرويجية عن المواقف الروسية، للحيلولة دون وقوع أي أضرار قد تصيب تماسك حلف شمال الأطلسي".

وكشفت الوثيقة أن السفارة التقت مع قائمة طويلة من الشخصيات الفاعلة داخل النرويج ومراكز صنع القرار فيها، وذكرت أنه كان من ضمن من التقتهم يان بيترسين رئيس لجنة الدفاع في البرلمان النرويجي من حزب اليمين، وكان يشغل منصب وزير الخارجية في الدورة البرلمانية السابقة.

كما التقت السفارة إسبن بارث إيدي نائب وزيرة الدفاع عن حزب العمال، ومسؤولين بالخارجية والدفاع، إضافة لباحثين وصحفيين ومحللين سياسيين لم تذكر الوثيقة أسماءهم.

السفارة الأميركية في أوسلو قامت باتصالات حثيثة مع سفارات حلفائها في العاصمة النرويجية لحملهم على التأثير في الحكومة لتمرير فكرة الدرع الصاروخي
نتائج أفضل
وتوضح الوثيقة أن السفارة الأميركية في أوسلو قامت باتصالات حثيثة مع سفارات حلفائها في العاصمة النرويجية لحملهم على التأثير في الحكومة لتمرير فكرة إنشاء الدرع الصاروخي داخل الحلف، وعدم الوقوف عثرة أمام تحقيقها.

وكشفت مراسلات السفير الأميركي أنه كان لزيارة رئيس هيئة الدفاع الصاروخي الأميركي هنري أوبرنغ للعاصمة أوسلو في يونيو/ حزيران 2007، أثر إيجابي على تعديل الفهم النرويجي للأمر.

وقال السفير الأميركي في وثيقته الدبلوماسية تعليقا على زيارة أوسلو "الحكومة النرويجية والمحللون السياسيون في وسائل الإعلام أظهروا تفهما أفضل لمنظومة الدرع الصاروخي وخطة الولايات المتحدة، وهي الآن على استعداد أكبر لمعارضة روسيا".

وأشار السفير بمذكرة أخرى إلى أنه التقى في وقت لاحق من نفس الشهر وزير الخارجية يوناس غار ستورا على مأدبة غداء، وأكد له الوزير أن تحركات حلف شمال الأطلسي بخصوص الدرع الصاروخي بأوروبا ليست مشكلة لدى الحكومة النرويجية، مما يعني نجاح ضغوط ومساعي الولايات المتحدة باستمالة مراكز القوى في القرار السياسي النرويجي لتمرير فكرة إنشاء الدرع الصاروخي.

في الوقت ذاته كشفت الصحافة النرويجية أن معارضة شديدة لدى أقطاب ومراكز سياسية قوية داخل الحكومة كانت تعارض الخطة الأميركية الرامية لإنشاء الدرع الصاروخي في أوروبا، وأن رئيسة حزب اليسار الاشتراكي كرستين هالفرشين، ووزيرة الدفاع آنا غريتا ستروم أعربتا بأكثر من مناسبة عن عدم رغبتهما في موافقة النرويج على إنشائه. 

وهذا التضارب في المواقف النرويجية يبدو أنه عكس وجهة نظر وزير الخارجية النرويجي -وفق الوثيقة- عندما التقى في أغسطس/ آب 2008 السفير الأميركي للناتو كورت فولكر حيث أكد الوزير النرويجي استمرار شكوك بلاده حول الدرع الصاروخي.

الموافقة أخيرا
لكن في أغسطس/ آب 2009 أبدى وزير الخارجية ستورا موافقة بلاده بشكل علني على إنشاء الدرع الصاروخي.

ومما جاء بالمذكرة أن "النرويج ترحب بالإستراتيجية الجديدة للدفاع الصاروخي القائم على تعدد الأطراف" وأن الوزير النرويجي يدعم فكرة الدفاع الصاروخي الذي يغطي منطقة حلف الشمال الأطلسي بأكملها، وأنه يؤيد الرأي القائل إن منظومة الدفاع الصاروخي حاجة ملحة لمواجهة التهديدات القادمة من إيران.