سويشر خلال لقاء مع عرفات في الولايات المتحدة (الجزيرة)
كلايتون سويشر
 
لم أكن لأصدق أبدا أن يقال لي إنه بعد التقاط هذه الصورة مع ياسر عرفات في يونيو/حزيران 2000 سيأتي يوم أكون فيه مشاركا في التحقيق بشأن ظروف مقتله.

منطقيا قد أعتقد أن ذلك اليوم حصل بسبب خطأ فادح أو بسبب فشل مهني لي أو لأحد زملائي من قسم السلامة الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية الأميركية.

عندما كنت أعمل في الخدمات السرية كنت أكلف بحماية عرفات خلال زياراته للولايات المتحدة. قبل أن أنتقل إلى الصحافة عام 2003. التقيت عرفات عدة مرات بشأن بعض التفاصيل الأمنية، بعضها خلال قمة عن  السلام رعتها الولايات المتحدة في يوليو/تموز 2000 وخلال اجتماع أزمة انعقد في إقامة السفير الأميركي بفرنسا في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته.

ما دامت مهمتي هي توفير الحماية لعرفات من الأذى الجسدي أو الإرباك فقد صدمت بالإرباك الذي سببته إدارة الرئيس بيل كلينتون للزعيم الفلسطيني بعد فشل مباحثات السلام في كامب ديفد.

وقد عبرت عن ذلك الشعور خلال لقاء مع عرفات في مايو/أيار 2003 عندما زرته في مقره المحاصر في المقاطعة برام الله وذلك في إطار رحلة لي كطالب جامعي.

انقلب العالم كله على عرفات وبقي الأمر كذلك إلى حين وفاته الغامضة عام 2004. أفضت حملة سياسية منظمة إلى تدمير عرفات. لم يتم ذلك على مستوى ما يعرف بوسائل الإعلام الأميركية المهيمنة بل في الصحافة العالمية.

وحتى بالقرب منه، فإن بعض الأنظمة العربية وخاصة الأردن والسعودية ومصر لم تخف إدانتها لعرفات بذريعة أنه رفض صفقة إسرائيلية "سخية".

وقال لي رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان "كان هناك اعتقاد بأنه عندما يصبح عرفات خارج اللعبة فإن كل شيء سيصبح سهلا". في الحقيقة إن الكثيرين سيقولون إن السلام الإسرائيلي الفلسطيني أصبح اليوم أبعد مما كان عليه في الماضي. وقد عبر وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي عن ذلك بالقول "إنه من باب الخيال الاعتقاد بإمكانية تحقيق السلام مع خليفته".

بعد 12 عاما وتحديدا في ديسمبر/كانون الأول 2011 أجد نفسي متوجسا من إمكانية الغوص ليس فقط في ملابسات الموت السياسي لعرفات ولكن في ظروف موته الحقيقي أيضا.
بعد لقاء معها في مالطة، سلمتني أرملته سهى عرفات نسخة من ملفاته الطبية الكاملة التي حصلت عليها من رام الله أو من فرنسا.

شعرت بمسؤولية تاريخية أكبر في يناير/كانون الثاني 2012 عندما استجابت سهى عرفات لطلبي لقاءها في باريس كي ألقي نظرة على حقيبة رياضية عادية لكن فيها محتويات غير عادية: آخر المقتنيات الشخصية التي استعملها ياسر عرفات عندما كان يتلقى العلاج في مستشفى بيرسي العسكري بفرنسا.

ومن سخرية الأقدار أن ما كتب على تلك الحقيبة هو عبارة "رحلة سعيدة". في داخل الحقيبة كان كل شيء، من كوفية عرفات المميزة إلى الأدوية التي كان يتناولها، إلى الملابس التي يستعملها إلى أن حانت وفاته. وفي الحقيبة وضعت إحدى الممرضات أيضا غطاء رأس بلاستيكيا طبيا عليه بقعة صغيرة من دم عرفات.

استعنت بخدمات غير مدفوعة الأجر من أرقى مختبرات الطب الشرعي في سويسرا وسلمت الملفات والحقيبة الرياضية إلى المركز الجامعي للطب الشرعي في لوزان حيث تم التوصل لاكتشاف مذهل للغاية بالإمكان معرفته بمشاهدة فيلمنا.

كصحفي أميركي فإني أعرف أن الأميركيين لا يزالون يشككون في الظروف المحيطة باغتيال الرئيس جون كينيدي عام 1963. وكمقيم في دولة قطر، فإني أقدر أكثر كيف يتابع سكان المنطقة عن قرب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

بعد الحالتين المذكورتين بقيت أثار مفيدة للطب الشرعي وأدلة بادية للعيان تمكن المحققين من اللجوء لسلطان القانون. وفي حالة كينيدي تم تشكيل لجنة من الكونغرس للتحقيق. وفي حالة الحريري تم تشكيل محكمة دولية بقرار من مجلس الأمن الدولي.   

في المقابل لم يتم اتخاذ أي خطوة من ذلك القبيل لكشف الحقيقة بشأن اغتيال عرفات وهذا ما يطرح سؤالا كبيرا.