ألكسندر ليتفينينكو اغتيل في بريطانيا عام 2006 بمادة البولونيوم (رويترز-أرشيف)

سجل اغتيال الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو على أنه أحد أبرز الاغتيالات إثارة وغموضا، انطلاقا من تشخيص تسممه بمادة البولونيوم 210 المشعة، وسيناريو استهدافه، وصولا إلى تشعب المتدخلين في القضية بشكل عقّد من إمكانية الوصول إلى الجناة الحقيقيين.

ليتفينينكو المولود في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 1962 في فورونيتش في روسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا)، كان عميلا لدى الاستخبارات الروسية (أف أس بي وريثة وكالة كي جي بي السوفياتية) في مجال مكافحة الجرائم المنظمة والتنظيمات المسلحة. لجأ إلى معارضة الوكالة الروسية بعد توقفه عن العمل معها، ونظم مؤتمرا صحفيا رفقة عدد من زملائه في موسكو خلال العام 1998 تحدثوا فيه عن أنشطة مخالفة للقانون في الوكالة.

اعتقل عام 1999، ثم أطلق سراحه لاحقا، وهرب عام 2000 إلى بريطانيا وهناك قدم طلبا للجوء السياسي، ومنها أطلق كتابه "تفجير روسيا" الذي اتهم فيه المخابرات الروسية والرئيس فلاديمير بوتين بالوقوف وراء سلسلة تفجيرات الأبنية السكنية التي حصدت عام 1999 أرواح مئات المدنيين في روسيا بهدف تحريض الشعب على الحرب على الأقليات المسلمة عبر إلصاق التهم بالمسلحين الشيشان.

ووفقا لما نقله كتاب "الجزيئيات القاتلة" لجون إمسلي، فإن قصة ليتفينينكو مع التسمم الإشعاعي بدأت في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني 2006 حين التقى في أحد المطاعم اليابانية في لندن بالعميل الإيطالي ماريو سكاراميلا، الذي قدم إليه معلومات عن هوية قتلة الصحفية الروسية المعارضة آنا بوليتكوفسكايا التي لقيت مصرعها في موسكو في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2006، كما حذره من خطة وضعتها الأجهزة الخاصة الروسية تستهدف قتله ضمن مجموعة من الأشخاص المعارضين للكرملين.

وعقب هذا اللقاء توجه ليتفينينكو إلى أحد الفنادق الفخمة في لندن للقاء ثلاثة مواطنين روس وهم العميل السابق أندريه لوغوفوي والمعارض ديمتري كوفتون وفلاديسلاف موكولينكو، وخلال اللقاء تناول ليتفيننكو كأسا من الشاي الأخضر احتوى على نسبة مرتفعة من مادة البولونيوم 210 المشعة، التي توصف بأنها "قنبلة نووية مصغرة" لأنها تطلق إشعاعات داخل جسم المصاب تتسبب في تدمير خلاياه بمجرد النفاذ إليها.

بداية التدهور
وعقب عودته إلى منزله بدأت حالة ليتفينينكو الصحية تتدهور وأصيب بنوبة قيء حادة دفعت زوجته للاتصال في اليوم الموالي بالإسعاف لنقله إلى المستشفى حيث شخصت حالته على أنها إصابة بعدوى في المعدة. وأمام عدم تحسن حالته عقب عودته إلى المنزل، أعيد ليتفيننكو إلى المستشفى مرة ثانية، ولاحظ الأطباء عدم تجاوبه مع الجرعات القوية من المضادات الحيوية المقدمة إليه، وشخصوا انخفاضا كبيرا في عدد الكريات البيضاء في الدم، وهي المسؤولة عن مقاومة الجسم للأمراض، وتوقف نخاع العظام عن إنتاجها.

بحلول السابع من نوفمبر/تشرين الثاني أصبح ليتفينينكو يجد صعوبة كبيرة في الحديث، واصفر لون بشرته، وهو ما يعتبر دليلا على خلل بوظائف الكبد، ولجأ الأطباء إلى تغذيته عبر الأنابيب بعد أن أصبح غير قادر على البلع، وفي هذه المرحلة حامت شكوك الأطباء حول إصابته بالتهاب الكبد الفيروسي أو الإيدز.

وأمام تواصل تدهور حالته الصحية وتساقط كامل لشعره، رجح الأطباء فرضية إصابته بتسمم وقرروا نقله إلى مستشفى جامعي بلندن يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني، ورجح الأطباء إصابته بسم الثاليوم المستخدم من قبل أجهزة المخابرات، غير أن عدم استجابة ليتفينينكو للعلاج المخصص لهذا السم بعد ثلاثة أيام دفع الأطباء إلى إرسال عينة من البول إلى مؤسسة الأبحاث حول الأسلحة النووية في بركشاير، التي أكدت إصابته بتسمم بواسطة البولونيوم 210.

التقطت له يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني صورة تناقلتها وسائل الإعلام العالمية أظهرته مسنودا بوسائد وهو على سريره في المستشفى، وفي اليوم الموالي سجل الأطباء تدهور كبيرا ومفاجئا في حالته الصحية، ليعلن عن وفاته صباح 23 نوفمبر/تشرين الثاني.

ودفن في السابع من ديسمبر/كانون الأول في مقبرة هاي غيت بشمال لندن، ولم يكن في صندوق مبطن بالرصاص لتفادي الإشعاعات التي كانت تنبعث من جسمه مثلما تناقلته وسائل إعلام، بل لجأ الأطباء في المشرحة إلى انتزاع الأعضاء الأكثر تضررا من جسمه والتخلص منها.