سم البولونيوم يتلاشى بعد استخدامه بفترة قصيرة (دويتشه فيلله)

تعود صعوبة اتفاق المختصين على رأي واحد بشأن اغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بمادة البولونيوم المشع إلى أن سم البولونيوم يتلاشى بعد استخدامه بفترة زمنية قصيرة نسبياً.

وفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول الجاري استبعد أطباء شرعيون فرنسيون اغتيال عرفات بمادة البولونيوم المشع، وأكد الفرنسيون ما ذهبت إليه التحاليل المختبرية الروسية، في حين لم يستبعد المختصون السويسريون ذلك قطعياً.

وعلى عكس حالة عرفات، تم إثبات تسميم العميل السابق لجهاز الاستخبارات الروسية ألكسندر ليتفينينكو في عام 2006، حيث لم تطل فترة مرضه بعد تعرضه للتسمم بالبولونيوم، ولم يمض سوى 23 يوماً على إدخاله المستشفى ومفارقته الحياة.

ويبدو أن إثبات حصول التسمم بالبولونيوم يرتبط أولا وقبل كل شيء بالظروف السياسية، فليتفينينكو -المعارض للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعد عن روسيا- كان قد كشف النقاب عن تورط الكرملين في نشاطات إجرامية غير قانونية. وبناءً على ذلك شكك المحققون في حدوث عملية التسمم وبحثوا عن عنصر البولونيوم تحديداً.

وفي حالة عرفات المتوفى عام 2004 نجد أن التحقيق في وفاته بدأ بعد بث قناة الجزيرة تحقيقا استقصائيا عن الموضوع في يوليو/تموز 2012 استند على تقرير لمعهد الطب الشرعي التابع لجامعة لوزان في سويسرا.

يبدو أن إثبات حصول التسمم بالبولونيوم يرتبط أولا وقبل كل شيء بالظروف السياسية، ويشهد على ذلك حالة ليتفينينكو، المعارض للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعد عن روسيا

العينة
وفي المعهد المذكور أجرى الخبراء السويسريون الفحص على عينات من آثار لدم وبول وجدت على بعض المقتنيات الشخصية لعرفات، ووجدوا معدلات عالية من البولونيوم، مما حدا بالسلطة الوطنية الفلسطينية لفتح تحقيق في القضية، قام بموجبه خبراء فرنسيون وسويسريون وروس بأخذ عينات من جثة عرفات بعد فتح قبره يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي أكد رئيس هيئة الطب الشرعي الاتحادية الروسية فلاديمير أويبا أن الخبراء الروس لم يعثروا على أي أثر لهذه المادة. في حين عارضه الخبراء السويسريون مؤكدين من جانبهم وجود كميات مرتفعة من البولونيوم. أما الفرنسيون، بدورهم، فيعتقدون أن كميات البولونيوم المرتفعة مصدرها النشاط الإشعاعي الطبيعي في تربة قبر الزعيم الراحل.

وتعكس النتائج المتضاربة للفحوص المختبرية المعضلة التي تواجه العلم بإثبات وجود العنصر الإشعاعي المتقلب، فالبولونيوم له أشكال عدة. ويُعتقد أن البولونيوم210 -الذي هو أكثر أشكاله سُمّية- هو المادة التي استخدمت في تسميم عرفات.

وما يصعّب الأمور أكثر هو تلاشي هذه المادة نسبيا ونقص إشعاعها إلى النصف بعد 138 يوما من استخدامها. وفي حالة وفاة عرفات، التي مرّ عليها أكثر من 8 سنوات، تظهر مدى صعوبة الأمر.

ويضاف إلى ذلك، أن البولونيوم قد ينشأ نتيجة لعملية تفكك جزيئات مواد مشعة أخرى موجودة في الطبيعة. فبعض الصخور المشعة في المناجم والمغارات أو الكهوف الجبلية قد تنتج البولونيوم. وعند نقطة زمنية معينة خلال عملية التفكك يكون تركيز البولونيوم الناتج عن التفكك مساوياً لتركيز السُم، الذي يمكن أن يكون قد اسُتخدم في الاغتيال.

يكون البولونيوم في أشد حالاته خطورةً عندما يدخل إلى الجسم عن الطريق الفم أو الدم وعندها تقوم أجسام ألفا -التي يطلقها البولونيوم- بتدمير الأنسجة الحيوية، وعادةً ما تكون الخلايا الجذعية

السم المثالي
وعملية التلاشي تلك تجعل البولونيوم سُماً مثالياً لجريمة متكاملة، ولكنه ليس في متناول يد كل مجرم، إذ لا يُنتج إلا في نطاق صناعي. وينبغي معالجة عدة مئات من الكيلوغرامات من الصخور التي تحوي اليورانيوم المشع للحصول على جرعة قاتلة تزن 100 نانوغرام (10 ملايين من الغرام) من البولونيوم. وهذه العملية ذات تكلفة مادية مرتفعة.

وفي المفاعلات النووية، يمكن الحصول على البولونيوم بقذف عنصر البزموت القليل الإشعاع بالنيترونات، مما يعني أن الدول النووية فقط يمكن أن تحصل على هذه المادة. وحتى في هذه الدول فإن المفاعلات النووية مراقبة بشدة بحيث لا يمكن للعامل أن ينتجه خلسة أو أن يهرّبه إلى خارج المفاعل.
 
ويكون البولونيوم في أشد حالاته خطورةً عندما يدخل إلى الجسم عن الطريق الفم أو الدم، وعندها تقوم أجسام ألفا، التي يطلقها البولونيوم، بتدمير الأنسجة الحيوية. وعادةً ما تكون الخلايا الجذعية، التي تنقسم وتلد خلايا جذعية جديدة وتشكل أيضاً خلايا أخرى تمكن الجسم من تجديد نفسه، أكثر تأثرا بهذه الأشعة.

من جهة أخرى، فإن أشعة ألفا يمكن أن تحول دون تكاثر الخلايا الجذعية، وهذا ما يستخدمه الأطباء لمكافحة انتشار الخلايا الجذعية السرطانية. في هذه الحالة لا يُستخدم البولونيوم.

وإذا تم أخذ البولونيوم عن طريق الغذاء فإنه سيؤدي إلى تدمير الأغشية المخاطية المعوية والمعدية، مما سيؤدي إلى التقيؤ وفقدان الشهية والغثيان. أما في حال أخذه عن طريق الدم، سيُفضي ذلك إلى تدمير الخلايا الدموية البيضاء وإلى فقر الدم، وسيضعف الجهاز المناعي نتيجة لذلك، مما يؤدي أيضاً لدوخة وألم في الرأس وتعطل الجهاز العصبي. في نهاية المطاف تلقى الضحية حتفها نتيجة الأمراض المعدية وفشل أعضاء الجسم في القيام بوظائفها الحيوية.