ياسر عرفات اختار لابنته اسم زهوة إحياء ووفاء لروح والدته (الجزيرة)

المحفوظ الكرطيط

خلال المراسيم الرسمية لتشييع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بالقاهرة في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، لم يفت عدسات الكاميرا وأنظار المشاهدين الذين كانوا يتابعون النقل الحي لتلك الجنازة منظر الفتاة الوحيدة في المشهد برمته وهي تبكي قرب أمها.

الفتاة الوحيدة في ذلك المشهد المهيب -الذي حضره عشرات القادة والمسؤولين العرب والأجانب- هي زهوة عرفات، البنت الوحيدة لياسر عرفات الذي ارتسمت صورته في مخيلة الكثيرين رمزا للكفاح الفلسطيني، إلى درجة أنه بات من الثانوي التساؤل عن الجانب الشخصي والعائلي في حياة الرجل.

زهوة عرفات التي تقترب من ربيعها الـ17هي ثمرة زواج "الختيار" -بعد أن بلغ من العمر 61 عاما- بسهى الطويل، وهي شابة فلسطينية كانت آنذاك في ربيعها الـ27، تنحدر من وسط ميسور في الضفة الغربية، وكانت مساعدة له عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتخذ من تونس مقرا لها.

اختار أبو عمار اسم زهوة إحياء ووفاء لذكرى والدته التي وافتها المنية عام 1933 وهو في ربيعه الرابع. ولدت زهوة بباريس في 24 يوليو/تموز 1995، وانتقلت للعيش في الأراضي الفلسطينية مع بدء وضع اللبنات الأولى للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، استنادا إلى اتفاقات أوسلو.

لكن زهوة لم تمكث هناك طويلا، إذ لم يشأ عرفات أن تتأثر مخيلة فلذة كبده الوحيدة بمشاهد دبابات الاحتلال الإسرائيلي وهي تحاصر منزله ومكتبه في المقاطعة بمدينة رام الله، أو مشاهد الدمار في قطاع غزة جراء الغارات الجوية التي طالت حتى بيت عرفات في حي الرمال.

حلم العودة
وتحتفظ زهوة من مقامها في الأراضي الفلسطينية بمشاهد الطفولة التي سكنت مخيلتها، متمثلة في المعالم الرئيسية لمدينة غزة وعلى رأسها الحديقة العامة، وبذكريات بنات عمرها اللاتي تعرفت عليهن في القطاع.

وصلها نبأ رحيل والدها في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 وهي في تونس، فيما كانت والدتها في فرنسا رفقة أبو عمار الذي كان يعالج في فرنسا. ومن تونس سافرت زهوة رفقة الرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي إلى القاهرة لحضور مراسيم التشييع الرسمية، قبل أن تنتقل إلى رام الله رفقة جثمان والدها الذي ووري الثرى في "المقاطعة".

بعد رحيل عرفات في ظروف لا يزال يلفها الغموض، عاشت زهوة مع والدتها في تونس، قبل أن تضطر الأخيرة للمغادرة إلى مالطا بسبب خلافات مع زوجة الرئيس التونسي المخلوع، بلغت حد سحب الجنسية التونسية من سهى عام 2007.

وتعيش زهوة حاليا في كنف والدتها في مالطا حياة بعيدة عن الأضواء، وتتابع دراستها في المدرسة الدولية بالعاصمة، دون أن يعرف زملاؤها في الصف أنها بنت زعيم ظل لعقود طويلة رمزا لقضية تحرر وطني تحظى بتعاطف إنساني واسع.

وتحرص سهى عرفات على أن تعيش ابنتها حياة هادئة وعادية بعيدة عن أضواء الإعلام وصخبه. وتتوزع اهتمامات زهوة بين التزاماتها المدرسية وهواياتها المتنوعة (رياضة، رسم، موسيقى).
ورثت زهوة من والدها بعض ملامح وجهه، والتعلق بفلسطين التي تحلم بالعودة إليها، لكن لا يبدو أنها ستقتفي مساره التعليمي والمهني الذي بدأه مهندسا، قبل أن تخطفه دروب الكفاح ومتاهات السياسة.

ففي حياتها الدراسية، لا تميل زهوة إلى المواد العلمية وعلى رأسها الرياضيات، فيما تولي اهتماما خاصا باللغات، وتتكلم منها ثلاثا هي العربية والفرنسية والإنجليزية، وتهتم بالتاريخ عله يكون مفتاحا للتعرف على حضارة بلدها الغنية، وتتوق لدراسة الفلسفة علها تكون مفتاحا لفهم بعض تعقيدات الحياة.

وإذا كانت ولادة زهوة قد تزامنت مع بدء تشكل الدولة الفلسطينية، فإن الأقدار شاءت أن تجد السلطة نفسها بعد 17 عاما في مفترق طرق، بينما تواصل زهوة رحلة الحياة بعيدا عن فلسطين، مسكونة بحلم العدوة إليها.