تقارير وحوارات

ياسين الحاج صالح.. السجنُ فرصة للانعتاق

2013/3/26 الساعة 00:33 (مكة المكرمة)

  ياسين الحاج صالح دافع عن حق الإسلاميين رغم اختلافه معهم (الجزيرة)

حاوره بالقاهرة-هيثم حسين

من كتابه "سوريا من الظلّ: نظرات داخل الصندوق الأسود"، إلى "أساطير الآخرين" و"السير على قدم واحدة"، وصولاً إلى كتابه "بالخلاص يا شباب"، خاض الكاتب السوريّ ياسين الحاج صالح تجربة فكريّة ثريّة، ودافع عن حقّ الإسلاميّين -رغم اختلافه معهم- واعتبرهم أقرب إلى مجتمعاتهم من نظُم الطغيان الحاكمة.

وهو متفائلٌ بخصوص اليوم والغد القريب، لكنّه لا يُخفي قلقه في الوقت نفسه. مثّل السجنُ تجربة أساسيّة في حياته، اعتبره خسارته الكبرى ومكسبه الأهمّ. وهو الذي قضى فيه أكثر من 16 عاماً على خلفيّة انتمائه إلى تيّار يساريّ معارض. ويعتقد أنّ الثورة صانت كرامة السوريّين، وأعادت البلد إلى التاريخ.

نال الحاج صالح مؤخّراً جائزة الأمير كلاوس، ويُعدُّ مثالا للمثقف الذي يعيد بكتاباته وممارساته الاعتبار لدور المثقف المنخرط في قضايا الشعب والثورة، وتحوّلت كتاباته إلى شعارات للكثير من الشباب السوريّ الثائر. ينطلق في آفاق الكتابة ناقداً ومحلّلاً ومفكّراً جريئاً.

الجزيرة نت التقت ياسين الحاج صالح وحاورته في بعض شؤون الكتابة والثورة وشجونهما.

 في كتابك "بالخلاص يا شباب" الذي تحوّل عنوانه إلى شعار لكثير من الشباب يتداولونه فيما بينهم على سبيل الخلاص من السجن الكبير المتمثّل في الوطن الذي دأب الاستبداد على تحويله إلى سجن، تؤكّد أنّ التذكّر صعب لكنّ النسيان ممنوع. هل يمكن القول إنّك ظللت تغالب جراحك وتكابر في مأساتك وأنت توثّقها بتفاصيلها الدقيقة المفجعة؟

أفضّلُ التعبير عن الأمر بلغة أقلّ دراميّة وانفعالاً. لم يكن السجن "جراحاً" و"مأساة" و"تفاصيل مفجعة"، كان تقييداً قاسياً للحرّية، لكنه كان أيضاً فرصة للمقاومة والانعتاق، وجهداً للتحرّر من سجون أخرى، يحملها كلّ منا في داخله. وأظنّ أنّ "بالخلاص يا شباب!" كتاب متفائل عموماً، وليس متشائماً أو متفجّعاً أو غاضباً. ما استعدته من السجن في الكتاب ليس تفاصيل السنوات الطويلة، بل سيرة صراع من أجل التحرّر أتيح لي خوضه فيه، وتغيّرتُ بمحصّلته كثيراً.

مثـّل السجن التجربة الأساسية في حياتي، طفولتي الثانية ومرجعي الحياتيّ. وهو في آن خسارتي الكبرى ومكسبي الأهمّ. خسارتي لأنّي قضيت سنوات شبابي كلها في بطن ذلك الغول، ومكسبي لأني خرجت من ذلك البطن أكثر حرية وأقدر على العمل المنظم. ولذلك ليس في الأمر مكابرة في "مأساة". خرجت من السجن كثيراً بعد أن كنت دخلت فيه كثيراً.

السجن مثـّل خسارتي لأنّي قضيت سنوات شبابي كلها في بطن ذلك الغول، ومكسبي لأني خرجت من ذلك البطن أكثر حرية وأقدر على العمل المنظم

الواقع يقول إنّ الثورة السوريّة أفلحت في تحطيم الغيلان التي نهشت أرواح السوريّين عقوداً من الزمن، هل تعتقد أنّها حطّمت جدران النخبويّة وأوهام النخبة، ومارست فرزاً تلقائيّاً للمثقّفين؟ وهل ترى أنّ بعض الكتاب خذل قرّاءه وكتاباته؟

ليس بعد. لكن يبدو لي أنّها في سبيلها إلى طيّ صفحة نمط من إنتاج المعارف والمعاني يعطي الأولوية لأفكار وقيم ناجزة على حساب التجربة الحيّة، وتالياً للمثقف وفاعليّته الخلْقية على عالم الممارسات الاجتماعية. تحطم النخبوية الثقافية يتحقّق على مستوى إنتاج المعاني والدلالات (والنخبوية السياسية على مستوى إنتاج السلطة العمومية ومشاركة الجمهور العام في صنعها).

لكنها تتداعى اليوم تحت تأثير ما مثلته الثورة من صعود العالم الاجتماعيّ أو من تجربة تحرّرية له، ومن هبوط في قيمة الدعوات الأيديولوجية المجرّدة، ومن ارتفاع قيمة الإنتاج الداخليّ للمعرفة على حساب استيراد العقائد والمفتاح باليد.

التحوّل نحو التجربة وعالم الممارسات هو الثورة في مجال الثقافة، وهو أساس الفرز بين المثقّفين. ألاحظ على كلّ حال أنّ المُعادين سياسيّاً للثورة هم الأكثر احتقاراً للمجتمع عموماً والعالم الاجتماعي الجديد الذي يتشكّل بفعل الثورة، سواء لأسباب طبقية أو طائفية أو أيديولوجية. وهم من لم تمرّ عليهم الثورة، ولم يشعروا بحاجة إلى تغيير شيء من أنفسهم أو ممّا بأنفسهم أو من أنماط حياتهم وتفكيرهم.

أظنّ أنّهم بذلك يخذلون معنى الثقافة قبل أن يخذلوا قرّاءهم. وأفترض أنّ الحدّ الأدنى الذي تظهر به الثورة في مجال الثقافة هو اهتمام أكبر بالوقائع والتفاصيل، ووضع النفس على مستوى العمليات الجارية.

وجيل الشباب هو المؤهّل لتحقيق هذه النقلة، وكثيرون من هذا الجيل يمارسونها تلقائياً اليوم. قلّة هم الشبّان الذين يفكّرون في حياتنا اليوم انطلاقاً من مذهب ناجز.

ألاحظ أنّ المُعادين سياسيّاً للثورة هم الأكثر احتقاراً للمجتمع عموماً والعالم الاجتماعي الجديد الذي يتشكّل بفعل الثورة، سواء لأسباب طبقية أو طائفية أو أيديولوجية

 لم تتعامَ كغيرك عن بعض أخطاء الثورة، بل أشرت إليها في محاولة لتصحيح مسارها، إلى أيّ حدّ تعتقد أنّ هناك تمادياً في تضخيم الأخطاء للنيل من الثورة؟

الأمر يتعلّق بموقعنا من الثورة وموقفنا منها. هل ننتقد من داخل عملية الثورة، وكجانب من النضال التحرّري، وبغرض نجاحه، أم بالأحرى من خارج الثورة وللطعن بها، أو تسويغ موقف متعالٍ على الكفاح الشعبيّ.

إن كان موقعنا هو الأوّل فـ"التمادي" في محاسبة الثورة مطلوب ومرغوب. أمّا أصحاب الموقف الأخير فيناسبهم إغراق الأمور في النسبيّة، والقول إنّ "الكلّ في الهوى سوا" من أجل تبرئة أنفسهم.

لكن لا تبدو لي عبارة "أخطاء الثورة" ملائمة. فهي تحجب الفرق بين ثلاثة أنواع من الممارسات يلزم بالأحرى التمييز بينها: تجاوزات تمارَس بحسن نية أو سوء تقدير أو قلة خبرة، وأفعال إجرامية يقوم بها ثائرون أو محسوبون على الثورة بدافع الجشع أو الأنانية، ثمّ اعتداءات متواترة على المجتمعات المحلّية من قبل مجموعات جهادية تحاول فرض نمطها العقديّ والسياسيّ والاجتماعيّ.

من ذلك مثلاً النداء على باعة الدخان في الرقة بالكفّ عن عملهم، وإلا فستحرق بضاعتهم؛ ومنها النداء على النساء أن يلتزمن اللباس الشرعيّ في الرقة أيضاً؛ ومنها محاولة حلّ المجلس المحلّيّ في تل أبيض وإبداله بشرطة إسلاميّة أو عسس؛ ومنها تهديد رجل مسيحيّ في الطبقة وتخويف صديقه المسلم بنية الاستيلاء على ملكيّة للأوّل.

وهذه كلّها وقائع حصلت في شهر شباط/آذار الجاري في محافظة الرقّة. الأولى فقط يمكن تسميتها "أخطاء الثورة". أمّا الأخيرة فهي نهج متكامل من العدوان والطغيان، يعتبره أصحابه عين الصواب. وهذا النهج همٌّ كبير منذ الآن، وربما الأكبر بعد حين.

 نلتَ مؤخّراً جائزة الأمير كلاوس، إلى أيّ حدّ تساعد مثل هذه الجوائز في إيصال صوت الثورة إلى العالم؟

الجوائز مؤشّر على أنّ أصواتنا مسموعة سلفاً، أو أنّ هناك استعداداً أكبر لسماعها، وهذا لأنّ الثورة وضعت سوريا والداخل السوريّ في مركز الانتباه العالميّ طوال العامين الماضيين. وهي أيضاً فرصة لأن تسمع أصواتنا أكثر. لكنّها خطرة أيضاً: يمكن أن نُستلَب لها، ويصبح السعي وراءها هاجساً يستولي على المرء، وقد نبدأ بقول ما نفترض أنّ الجهات التي تمنح الجوائز تفضّل سماعه. هذا الصنف من عبودية الجوائز ليس نادراً عربيّاً للأسف.

سوريا محتاجة إلى التخلّص من النظام الأسديّ ليس فقط عقاباً لهذه الطغمة المجرمة على إجرامها، ولكن كذلك لفتح الباب لتفاعلات اجتماعيّة ونفسيّة وسياسيّة أكثر توافقاً مع الاعتدال والسماحة

 وصفت الثورة في صفحتك الشخصيّة بأنّها «خطرة، مو مضمونة، مؤلمة، بس صار لها معنى بهالسنتين حياتنا»...، فهل تعتقد أنّ الثورة أضفت معانيَ على حياة السوريّين وردّت الاعتبار...؟

طبعاً. صانت الثورة كرامة السوريّين، وهي في سبيلها إلى طيّ صفحة الأبد الأسديّ، وإعادة البلد إلى التاريخ. تاريخ صراعيّ وشاقّ جداً، بلا ضمانات للراحة أو الاستقرار على أوضاع موافقة لتحرّر الأكثرية في وقت قريب. أمامنا تحدّيات جديدة، وسيلزم أن نصون كرامة الثورة بالاعتراض على قوى العدوان من داخلها. هذه على كلّ حال مسؤولية السوريّين العامّة. إذا أحنينا ظهورنا فلن يتأخّر الوقت على ظهور ممتطين جدد. هم يتهيّؤون منذ الآن.

 السجن المديد لم ينل من عزيمتك، وأنت اليوم نموذج للمثقّف السوريّ العضويّ «الغرامشيّ»، وتعيش ثورة دفعتَ ضريبة التهيئة لها بممارساتك وكتاباتك قبل غيرك، كيف ترى اليوم والغد القريب؟

لا أرتاح لمفهوم "المثقف العضوي"، ولا أروّج له. أفضّل تصوّراً للمثقف يجمع بين النقد والانحياز واللاتماهي. اللاتماهي بأيّ عقيدة أو حزب أو طبقة، أو حتّى بالثورة. العلاقة الطبيعية بين المثقّف والمتماهي هي الخصومة.

ولا أزعم أيضاً أنّ "ممارساتي وكتاباتي هيّأت للثورة"، ولا أقرُّ بذلك. متفائل بخصوص اليوم والغد القريب، وقلق في الوقت نفسه. متفائل بأنّ مَن خاضوا هذا الصراع الكبير، وبهذا الدأب والشجاعة، لن يتوقّفوا عن الصراع من أجل أوضاع أفضل. وقلق من الخراب المَهول الذي ألحق بالبلد، ولا يزال يتّسع ويكبر. قلق أيضاً من بعض المظاهر التي نبتت في ثنايا هذا الصراع، المجموعات الجهاديّة بخاصّة.

سوريا محتاجة إلى التخلّص من النظام الأسديّ (نظام الرئيس بشار الأسد) ليس فقط عقاباً لهذه الطغمة المجرمة على إجرامها، ولكن كذلك لفتح الباب لتفاعلات اجتماعيّة ونفسيّة وسياسيّة أكثر توافقاً مع الاعتدال والسماحة. المزيد من النظام الأسديّ يعني المزيد من "جبهة النصرة" ومن التشدّد الدينيّ.

المصدر : الجزيرة


متعلقات

جميع الحقوق محفوظة © 2017 شبكة الجزيرة الاعلامية