تقارير وحوارات

أطفال شوارع موريتانيا تحولات مجتمع

2010/1/13 الساعة 17:33 (مكة المكرمة)

أطفال مشردون بعد استقدامهم إلى مركز إيواء (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط
 
أصبحت ظاهرة أطفال الشوارع من أكثر الظواهر الاجتماعية حساسية وخطورة في موريتانيا، بعد أن استفحلت وانتشرت بقوة في العقدين الأخيرين، وصارت همّا يقلق السلطة والمجتمع على حد سواء، ويشكل خطرا بالغا على النسيج الاجتماعي، بل على أمن المجتمع في المستقبل المنظور.
 
لأسباب متعددة وفي غمرة التحولات الاجتماعية والثقافية التي عاشتها البلاد في العقود الماضية تحول الشارع إلى سكن يأوي مئات من "فلذات أكباد" المجتمع، فيه يعيشون، وعلى أرصفته ينامون، ومن مدرسته المليئة بدفاتر ومفردات العنف والانحراف والفساد يتعلمون.
 
ورغم أنه لا توجد إحصائيات تحدد عدد أطفال الشوارع في البلد فإن مركز الحماية والدمج الاجتماعي التابع للوزارة المكلفة بشؤون المرأة والطفولة قد استقبل منذ إنشائه قبل أزيد من سنة 587 طفلا بين أطفال مشردين وآخرين من فاقدي السند العائلي (اللقطاء).
 
وبما أن المركز بات الجهة الرسمية الوحيدة المكلفة بإيواء واحتضان هذه الشريحة فقد أنشأ ثلاثة فروع له في ثلاث من أشد مقاطعات العاصمة نواكشوط فقرا وعوزا، وانتشارا للجريمة والانحراف، ويخطط الآن لنقل بعض نشاطاته إلى داخل المدينة.
مريم بنت لحبيب: نعتمد مقاربتين للحد من الظاهرة (الجزيرة نت)

الوقاية والعلاج
وتقول المديرة المساعدة للمركز مريم بنت لحبيب للجزيرة نت إن الحكومة عبر هذا المركز تعتمد مقاربة تتألف من محورين للحد من هذه الظاهرة، أحدهما وقائي، والآخر علاجي عبر إنشاء مراكز الإيواء، والبحث عن الأطفال المهددين بالانحراف، أو المعرضين للتسرب المدرسي نتيجة للتفكك الأسري، أو للفقر المدقع من أجل دمجهم في هذه المراكز حفاظا عليهم.
 
وفي داخل هذا المركز يسكن الأطفال المشردون، ولكل من هؤلاء قصته الخاصة التي تدمي القلب، وتثير الأسى والحزن، فإحدى الفتيات الموجودات بالمركز توفيت أمها، أما أبوها فاختار الزواج بسيدة أخرى لتجد المسكينة نفسها في الشارع لا عائل لها، ولا مسؤول عنها. قامت سيدة أخرى برمي فلذتي كبدها في حائط مهجور وسافرت إلى الخارج.
 
ليس هذان الأبوان وحدهما من فقد عاطفة الأبوة، وتخلى عن من يفترض أنه "أعز" الناس إليه، ففي المركز أيضا ضحية أخرى (وهي أجنبية أفريقية) عانت الأمرين فقد جُنّت أمها، ولأن أباها فشل في تحقيق حلم الهجرة إلى أوروبا فقد قام بإلقاء الماء المغلي على وجهها ومواضع حساسة من بدنها حتى تسوء حالتها، ويتعذر علاجها في الداخل ليكون ذلك مقنعا للمنظمات الإنسانية والسلطات العمومية بإيفادها للعلاج بإسبانيا.
 
 وكان الرجل يخطط للتخلص منها فور وصوله الأراضي الإسبانية قبل أن ينكشف أمره، ويجري اعتقاله، وتتحول المسكينة إلى مشردة طريحة الفراش في أحد مستشفيات موريتانيا.
 
ولأن المثل المشهور يقول إن أسوأ أسرة خير من أفضل مركز إيواء، فإن مركز الدمج بحسب ما تقول بنت لحبيب قام بتوزيع عدد من الفتيات اللاتي يأويهن على بيوت الموظفات بالمركز، وطلب منهن القيام عليهن ليلا على الأقل لأنهن يستفدن بالنهار من خدمات المركز، وذلك حرصا منه على تعويضهن ولو جزئيا عن الحياة الطبيعية في الأسرة وعن ظروف الحب والحنان الأبوي الطبيعي الذي لا يمكن في الواقع أن يعوض مهما توفرت الوسائل، وعظمت التضحيات.
 
لكن بنت لحبيب تشكو انعدام الوسائل وقلة الإمكانيات، وعزوف رجال الأعمال عن دعم هذا النوع من المشاريع.
 
أسباب ومخاطر
ويرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة نواكشوط رئيس الجمعية الموريتانية لعلم الاجتماع سيدي محمد ولد الجيد أن انتشار ظاهرة أطفال الشوارع في موريتانيا جاء بسبب التحولات الاجتماعية التي عاشتها البلاد في العقدين الماضيين، والتي أدت إلى انفراط عقد التماسك الأسري، والعلاقات الحميمية التي كانت تربط بين أفراد الأسرة.
أطفال يتناولون إحدى الوجبات بمركز الإيواء (الجزيرة نت)

وبسبب هذه التحولات أيضا فقد أصبحت الأسرة مستقيلة من مهامها، وغارقة في مشاكلها المادية، والدولة عاجزة عن تقديم البديل، وصار الأطفال نتيجة لكل ذلك هائمين محرومين، ضائعين ومشردين.
 
وبشأن مخاطر هذه الظاهرة على المجتمع يضيف ولد الجيد للجزيرة نت أنه مع تراكم الزمن تزداد انعكاسات هذه الظاهرة الخطيرة على المجتمع بحيث تتحول تلك الأعداد الهائلة من الأحداث الضائعين إلى قنابل بشرية خطيرة مستعدة في أي وقت لأن تنخرط في أي عصابة تهدد أمن البلد الذي لم يقدم لهم ما يفرض عليه الالتزام بقيم وأخلاق المجتمع.
 
وينبه إلى أن خطورة مثل هذه الظاهرة أن ضحاياها يعيشون خارج المنظومة القيمة للمجتمع، لأنهم لم يستفيدوا من التربية اللازمة، مما يولد لديهم نوعا من الرفض للمجتمع والاستعداد لدخول أي تيار معاكس ومناقض له.

المصدر : الجزيرة

جميع الحقوق محفوظة © 2017 شبكة الجزيرة الاعلامية