آخر تحديث: 2011/11/22 الساعة 21:06 (مكة المكرمة)

ظل البحر.. الحنين إلى الأصل!

نور الهدى غولي-أبو ظبي

تشهد صالات العرض الخليجية هذه الأيام عرض الفيلم الإماراتي "ظل البحر" الذي استقبل بحفاوة بالغة في العرض الأول بمهرجان أبو ظبي السينمائي كمنتج يضاف إلى الساحة السينمائية الإماراتية الفتية.

والفيلم من إنتاج شركة إيميج نايشين أبوظبي وإخراج الشاب الإماراتي نواف الجناحي، في ثاني تجربة له مع الأفلام الروائية الطويلة.

رهان الصورة
بعيدا عن السيارات الفارهة، وبريق المدن التي لا تنام والأبراج العالية.. اقترب المخرج الإماراتي الشاب من أكثر الأحياء عراقة وبساطة وهدوءا، ليقدم سيناريو فيلمه "ظل البحر" الذي صوّره في منطقة رأس الخيمة الشعبية القريبة من البحر، التي صارت منطقة مأهولة بالعمالة الوافدة والأجانب بعد أن رحل منها معظم سكانها.

تنزوي كاميرا المخرج لاحقا لتركّز على مراهقين هما منصور وكلثم (عمر الملا ونيفين ماضي) يعيشان في حي واحد "الفريج"، أين يعجبان ببعضهما وتتطور اللقطات والأحداث بينهما ببطء كاشفة عن جمالية تلك المناطق المهجورة والبيوت الشعبية القديمة، وهو ما كان الرهان الأساسي للمخرج الذي استطاع أن ينجح فيه تقنيا. صور فنية بانورامية متلاحقة تعكس سحرا خاصا عن فكرة المكان.

لا يجد منصور غير صديقه سلطان الذي يقاسمه يومياته ومشاغله وهواياته.. يعمل منصور بائعا للمثلجات الشعبية التي تحضرها والدته حادة الطباع، فيما يجد تواطؤا جميلا من طرف والده لكل مغامراته بما فيها العاطفية، فيعده بتزويجه من حبيبته.

البراءة والاكتشاف
عالم كامل من التفاصيل والاكتشافات رغب المخرج في تمريره من خلال فضول المراهقين (أبطال الفيلم)، فالمراهقة هي العمر الأمثل لمثل تلك الانشغالات الاستكشافية.

ماذا تحب الفتاة كهدية: خلخال، سلسال أم عطر؟ كيف يمكن أن أحقق ذاتي أكثر؟ يخبئ منصور من ميزانيته الخاصة ويتحايل أيضا ليوفر مبلغا من أجل "كلثم".. لكن سرعان ما تتحول مشاعره نحو جارة ثانية "عويش" (مريم حسين) المطلقة والأكبر سنا وتجربة التي تعني التحرر والانطلاق، فينجرف بهدوء وراءها مهمّشا محبوبته السابقة كلثم (صورة عن مطلق البراءة) التي تعاني من فوبيا وخوف من الغرباء والرجال بشكل عام، خاصة أنها تعرّضت لتحرش من طرف حلاّق الحي (ذي الجنسية الآسيوية).
 
تتأزم نفسية كلثم، في ظل شرخ عائلي موجود مسبقا بسبب حدّة طباع الوالد بعد وفاة زوجته، والغياب الدائم للأخ الكبير، الذي سافر إلى أبو ظبي.. والذي يدعوهم للانتقال معه، لكن الوالد يصرّ على البقاء في الفريج، قريبا من أصله والمكان الذي يعنيه هو شخصيا.

تحاول كلثم الانتحار وتثنيها شقيقتها الصغرى عن ذلك، وهنا يقرر الأخ جاسم أخذ شقيقته بعيدا عن هذا المكان الذي صار يعني الخطر الداهم والفقر وسوء المعيشة. في المقابل تتزوج "عويش" ليعيش المراهق منصور خيبة "الخيانة".
 
العودة إلى الذات
هل كان تخلي منصور عن محبوبته "كلثم" هو ذاته تخلي الناس عن أحيائهم القديمة وعاداتهم التي كانت لصيقة بالبحر مقابل الانسياق وراء إغراءات المدينة البراقة، تماما كحال الفتاة عويش التي كانت صورة عن الانطلاق والبهرجة؟

ينتهي الفيلم بصورة عائمة عن ركض المراهق منصور خلف السيارة التي كانت تقل "كلثم".. وهو ما يحمل معان كثيرة عن عودة الناس في الأخير إلى الأصل والجذور الأولى.. إلى ظل البحر الذي كان قديما مصدرا للرزق، رغم كل المغريات الموجودة هنا وهناك في هذا العالم الشاسع.

قد يؤخذ عن الفيلم خلوّه من اللقطات المفصلية، فقد يشعر المتلقي أنه أمام إيقاع واحد من سردية الأحداث، مع بعض البطء في تمرير الصورة والفكرة، لكن الاشتغال على حساسية الشخصيات وإسقاطات الراهن الذي تعيشه المدينة، على أفراد أحياء بالإضافة إلى الاشتغال المميز من الناحية الفنية والتقنية.. كلها جماليات ساهمت في الرفع من رصيد الفيلم لمخرج ما يزال يشق طريقه بكثير من الثقة والإبداع. 

المصدر : الجزيرة

جميع الحقوق محفوظة © 2017 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: