آخر تحديث: 2006/2/2 الساعة 21:08 (مكة المكرمة)

تحالف الحكومات والنخب في مواجهة المجتمعات

إبراهيم غرايبة

- من دكتاتورية الدولة إلى دكتاتورية الشركات- هل هناك طريق ثالث؟- من الأحزاب إلى المجتمعات

تشهد كثير من الدول والمجتمعات حالة من التطور السياسي والاجتماعي تبدو وكأنها عودة إلى مرحلة الإقطاع تتحالف فيها نخب النفوذ والمال في مواجهة المجتمع.

وتتشكل اليوم سياسات وتشريعات وقواعد في التنافس على الفرص والموارد قائمة على استئثار نخبة قليلة من المجتمع بالموارد والفرص والتأثير والسلطة.

وتعاد صياغة التشريعات والقوانين والأنظمة الإدارية والسياسية بما يكرس سلطة النخب ويعفيها من الالتزامات المالية والضريبية والقانونية ويحمل في الوقت نفسه الطبقات الوسطى والمجتمعات الجزء الأكبر من الأعباء الضريبية ويحرمها في الوقت نفسه من الديمقراطية والتجمع والعمل العام والتنافس على الوظائف والفرص.

"معادلة غريبة وشاذة أن يدفع المواطن ضرائب أكثر في الوقت الذي تتخلى فيه الدولة عن معظم الخدمات، وتعفي التشريعات الجديدة الشركات والبنوك والأغنياء من كثير من الضرائب والالتزامات"من دكتاتورية الدولة إلى دكتاتورية الشركاتيفترض أن التحول إلى نظام السوق في العمل والخدمات يهدف إلى تحسين مستوى الخدمات وإخضاع الفرص والفوائد المترتبة عليها للتنافس الحر، ولكن الخصخصة تحولت إلى احتكار فظيع تمارسه شركات تجارية يملكها أو يشارك في ملكيتها قادة السلطة التنفيذية، ونظمت قوانين وتشريعات لتسهيل عمل هذه الشركات الجديدة وإعفائها من الالتزامات القانونية والضرائب.

ونشأت معادلة غريبة وشاذة، فالمواطنون اليوم يدفعون ضرائب أكثر من السابق في الوقت الذي تتخلى فيه الدولة عن معظم الخدمات التي كانت توفرها لهم، فأصبح عليهم أن يدفعوا ضرائب أكثر مع ثمن الخدمات التي كانوا يحصلون عليها بتكاليف أقل وبضرائب أقل أيضا، وهو أمر يدفع إلى الحيرة والريبة!

وفي الوقت نفسه أعفت التشريعات الجديدة الشركات والبنوك والأغنياء من كثير من الضرائب والالتزامات لتتحول النخب المتنفذة من الشركات ورجال الأعمال التي هي في الوقت نفسه طبقة الحكم والنفوذ إلى مجموعة إقطاعية تنعم بخيرات البلاد ومواردها وفرصها ووظائفها دون أن تقدم في المقابل شيئا.

وصاحب هذه الحالة المسماة حرية اقتصادية حالة من التأميم السياسي والاحتكار تمنع المواطنين والطبقات الوسطى من فرص العمل العام والتنافس والحريات وتشكيل التجمعات النقابية والمهنية لحماية مصالحها وحقوقها، وتمنع قيام حكومات وسلطة تنفيذية على أساس ديمقراطي منتخب يعبر عن اتجاهات أغلبية المواطنين.

ففي الأردن على سبيل المثال صدرت مئات التشريعات والقوانين دون عرضها على مجلس نيابي منتخب، وهي تعفي الشركات التي أوكل إليها كثير من الخدمات مثل التأمين من التزامات سابقة أو تخفف منها إلى حد كبير.

وضوعف في الوقت نفسه ما تتقاضاه مقابل خدماتها، وبعضها عقود إجبارية على المواطنين، مثل التأمين على المركبات، وضوعفت ضريبة المبيعات، وهي ضريبة تتراوح بين 16 و20% من قيمة السلع والخدمات تطال على نحو أساسي الطبقات الوسطى والفقيرة في المجتمع وتساوي بينهم وبين الأغنياء، وربما تكون هذه هي المساواة الوحيدة المطبقة!

وغيرت ضريبة الدخل لتطال شرائح جديدة من الطبقة الوسطى أو لزيادة العبء الضريبي عليها مع التوسع في إعفاء الأغنياء والشركات الكبرى، في الوقت الذي يدفع فيه المواطنون ضريبة مبيعات بنسبة عالية.

وفي بلد يقوم اقتصاده أساسا على "العمل والخدمات" التي تؤديها الطبقة الوسطى الواسعة والمميزة من الأطباء والمهندسين والأساتذة والمحامين والصيادلة والصحافيين والحرفيين وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة والرائدة التي يدور حولها ويقوم عليها حراك اقتصادي واجتماعي وثقافي واسع ومهم جدا، فإن هذه السياسة ذات أبعاد وتداعيات خطيرة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا أيضا، وتهز المجتمع وحالة التوازن فيه.

فالمسألة ليست مجرد زيادة في جباية الضرائب من فئة وتخفيفها عن فئة أخرى، ولكن دولة ذات اقتصاد قائم على العمل والخدمات يقوم توازنها وتماسكها وانضباطها على ازدهار الطبقة الوسطى وانسجامها مع أهداف واتجاهات المجتمع والدولة، هي التي يجب أن تضبط اتجاهات وبوصلة التنمية والسياسة والإصلاح، ويجب أيضا أن تكون هي الأكثر انضباطا مع هذه الخريطة التي تنعكس على جميع فئات المجتمع وأنشطته وبرامجه.

"المشاركة بين المجتمعات والأسواق والحكومات، وإعادة تنظيم المجتمعات وفق المصالح والأولويات هما اللتان تؤديان إلى الاستقرار والاعتدال وتحركان إيجابيا الاقتصاد والتنمية"هل هناك طريق ثالث؟إن السياسات الإصلاحية التي تأخذ طريقها إلى النجاح اليوم في أوروبا، ويبدو أنها ستنجح في الانتخابات الأميركية القادمة، تعمل في التوزيع الضريبي القائم على العدالة وليس المساواة والرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية وسياسات وبرامج الانتماء والمشاركة على إعادة الطبقة الوسطى لتقود الإصلاح والإدارة والاقتصاد على نحو يتجاوز المسارين "المليئين بالعيوب" في تاريخ الدولة الحديثة: الدولة والأسواق.

وقد ثبت بالفعل أن المشاركة بين المجتمعات والأسواق والحكومات، وإعادة تنظيم المجتمعات وفق المصالح والأولويات هما اللتان تؤديان إلى الاستقرار والاعتدال وتحركان إيجابيا الاقتصاد والتنمية.

ذلك أننا ندخل في مرحلة اقتصادية واجتماعية مختلفة تماما عن المراحل السابقة تقوم على تنمية المهن والأعمال والمعارف والخبرات وصقلها باعتبار ذلك هو المورد الجديد المستمد من الخبرات والخدمات الفنية والإدارية والمعرفية التي يمكن بها الارتقاء بمستوى الاقتصاد الوطني وتصديرها أيضا للدول والمجتمعات التي تحتاجها أو تقديم مخرجاتها ونتائجها إليها.

وفي الوقت نفسه فإنها تنشئ ثقافة وطنية جديدة أيضا قائمة على السلوك والأخلاق والتعاون والحريات والتهذيب باعتبارها أيضا موردا يسوق الخدمات والأعمال والمشروعات، ويطور تقاليد وثقافة تحقق العدل والأمن والاستقرار والرضا والاعتدال والإبداع والتنافس.

ودول مثل الأردن ولبنان خاصة تحتاج أكثر من غيرها إلى هذا الطريق الجديد ليعوض نقص الموارد المادية والريعية، وليستثمر الكفاءات المؤهلة والمدربة لديه في الاتجاه الذي يطور المشروعات القائمة على الخبرة المتقدمة، ولتصديرها إلى الدول المجاورة والبعيدة أيضا، ولجلب الطلب على هذه الموارد البشرية لتصدير مخرجاتها دون هجرتها إلى الخارج، خاصة أن الشبكة المتاحة بتطور أنظمة الاتصال والمعلوماتية والنقل تتيح الفرصة لتداخلات واعتمادات اقتصادية ومهنية واستشارية هي بمثابة استثمار عالي المردود والأهمية.

ثمة اعتقاد سائد تقليدي بأن تشجيع الاستثمار بالإعفاء الضريبي يجلب منافع اقتصادية متأتية من الأموال المتدفقة وتوظيف العمالة والكفاءة الوطنية، لكنه اعتقاد تدحضه التجربة والنتائج المرئية واليقينية.

فالاستثمارات تشجعها بيئة اقتصادية واجتماعية عامة أكثر مما تشجعها تشريعات وتسهيلات معزولة، وقد ثبت بالفعل أن التسهيلات تستفيد منها على الأغلب أقلية وتنشئ استثمارات وهمية وعلاقات ومصالح قائمة على الفساد لأن الاستثمار ينشأ في بيئة من العمل والتنافس والمصالح المتشابكة والطبيعية.

ولوحظ أن كثيرا من أصحاب الأموال قاموا بمغامرات قانونية ومخاطرات مالية لأجل تخطي عقبات الاستثمار القانونية والإدارية، وأن آخرين نقلوا أموالهم ومصالحهم من دول تهتم بتشجيع الاستثمار.

ولكن ما يجري اليوم في دول مثل الأردن هو إهدار لموارد مضمونة نحتاجها لأجل المغامرة على موارد مشكوك في تحصيلها إن لم يكن يقينا أنها لن تتحقق بهذه الإعفاءات والتسهيلات.

"في الوقت الذي يفتح فيه المجال كاملا للأسواق لتشارك في حياة الناس وشؤونهم، فلا أقل من أن يتاح المجال للمجتمعات لتنظيم نفسها بحرية والتحرك باتجاه مصالحها وأولوياتها"من الأحزاب إلى المجتمعاتلم تعد المعارضة السياسية قائمة على الأحزاب السياسية، وفي التجربة اللبنانية (14 مارس/آذار) والمصرية إلى حد ما (حركة كفاية) وبالطبع في دول غير عربية مثل أوكرانيا وقيرغيزيا وغيرها من الدول ظهرت العملية السياسية وكأنها حكومات في مواجهة المجتمعات.

فالمجتمعات وبخاصة الطبقات الوسطى تعيد تنظيم نفسها مستفيدة من تطور وسائل الاتصال والمعلوماتية والإعلام وفرص التفاعل والنفاذ إلى مواقع التأثير دون حاجة كبيرة لمؤسسات وأحزاب تنظمها، خاصة أن هذه الأحزاب نفسها تسربت إليها عيوب النخب السياسية والثقافية من عزلة وترهل وفساد.

وبعضها تفسخ وتحول إلى حالة محزنة من "البزنس" والضياع، ولم تعد موضع ثقة المجتمعات والرأي العام.

أما الحركة الإسلامية فهي رغم شعبيتها الواسعة بحاجة إلى إعادة صياغة ومراجعة مواقفها وبرامجها وسياساتها لتعبر عن المجتمعات، وهي تواجه تحديا كبيرا في استمرار شعبيتها وجمهورها إذا لم تتكيف مع التحولات الجذرية الجارية في الاتجاهات العامة للمجتمعات والرأي العام.

وبالطبع فإن الخطاب الأخلاقي يمثل حاجة مهمة لدى المجتمعات ستبقى الحركة الإسلامية تلبيها، ولكنه وضع لن يستمر طويلا، لأن المجتمع يعلم نفسه وبدأ يمتلك الكثير من الخبرات التي كانت لدى الحركة الإسلامية.

والحقيقة أن الفضائيات ساهمت كثيرا في التثقيف والتوعية، وشكلت بديلا ربما أكثر فعالية للدروس والمحاضرات والكتب وأعمال الدعوة والتثقيف التي كانت الحركة الإسلامية متفوقة ومتميزة بها مدة السبعينيات والثمانينيات، بل إن الفضائيات وبخاصة الجزيرة أصبحت تشكل جمهورا ينتمي إليها فكريا وسياسيا كما لو أنها حزب سياسي!

الحكومات اليوم في مواجهة شبكة معقدة من الناس حسب مهنها وأمكنة إقامتها ومشكلاتها وتطلعاتها وأعمارها وفئاتها، وهي أيضا لم تعد في مواجهات ومساومات سياسية على قضايا التحرير والتسوية والسلام والوحدة العربية والعدوان على العراق، لكنها تواجه تجمعات على أساس الأقساط المدرسية ومستوى التعليم والتأمين الصحي وهيمنة الشركات على الخدمات الأساسية والضمان الاجتماعي والضرائب والعدالة التطبيقية في مسائل الحياة اليومية والتوظيف والتنافس.

وهي بحاجة لتقديم رؤية وموقف مقنع للناس وليس للقيادات السياسية، وهي أيضا في مواجهة مع محاولات صغيرة تصعب السيطرة عليها في التجمع والإعلام مثل رسائل الموبايل والإيميل ومواقع الإنترنت ووسائل الإعلام المتنامية والممتدة، من الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون ومراسليها.

فقد أتاح الإعلام هامشا جعله أداة فاعلة بيد المجتمعات كما هو بيد الحكومات، ولعل المجتمعات أكثر قدرة على توظيفه من الحكومات.

ولم تعد الحكومات تسيطر تماما على وسائل الإعلام ولا تحتكرها، وما تبقى من سيطرة على وسائل الإعلام هو بمثابة اللعب في الوقت الضائع، فلن يمر وقت طويل حتى تكون جميع الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون ومواقع الإنترنت مثل شركات الاتصال التجارية، وستتحول الرسالة الإعلامية إلى سلعة تخضع لنظام السوق.

"المجتمعات لا تحتاج إلى صدقات الحكومات وهبات المؤسسات الخيرية ومعونات تقدم للفقراء لكنها تحتاج إلى إسماع صوتها والمشاركة في قراراتها وخياراتها"تستطيع الفئات والطبقات المتضررة من التحولات، وهي أساسا الطبقة الوسطى التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد والمجتمعات والثقافة والاستقرار أن تفعل شيئا مهما لأجل الإصلاح.

فهذه التحولات تطال أساتذة الجامعات وفئة واسعة من الأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة والصحافيين وموظفي الحكومة والشركات والحرفيين وأصحاب المشروعات والأعمال الصغيرة، وهي مجموعات من المواطنين تملك القدرة على إنشاء شبكة من العمل والاتصال، ويمكنها إسماع صوتها ورأيها للمسؤولين والرأي العام.

والواقع أن الطبقة الوسطى في المجتمعات والدول العربية لم تزل غائبة عن التأثير السياسي والإعلامي اللازم والمطلوب للإصلاح وتوظيف الحريات والديمقراطية المتاحة للوصول إلى "الحكم الرشيد" بدلا من حالة الوصاية التي تمارسها نخبة أنيقة على السياسة والإدارة، في حين أن المؤسسات والتجمعات المفترض أن تعبر عن الطبقة الوسطى ومصالحها تبدو مشغولة بالحفلات وحكايات الماضي!

ويبدو أن الوقت قد حان لتشكل الطبقات الوسطى تجمعات سياسة واجتماعيا تعبر عن احتياجات المجتمعات وأولوياتها وتطلعاتها، وتعيد تنظيم نفسها في مواجهة التحالفات الأخرى.

ففي الوقت الذي يفتح فيه المجال كاملا للأسواق لتشارك في حياة الناس وشؤونهم، فلا أقل من أن يتاح المجال للمجتمعات لتنظيم نفسها بحرية والتحرك باتجاه مصالحها وأولوياتها.

وأقل القليل في ذلك أن تعبر الحكومات عن الأغلبية، وأن يتاح لمجالس النواب المنتخبة أداء دورها، وأن تخضع قرارات الحكومة ومؤسساتها للرقابة والمساءلة، وأن تتاح الفرصة للبلديات لتوفر للناس احتياجاتها، وأن توزع الإيرادات والفرص والأعباء والضرائب بعدالة.

المجتمعات لا تحتاج إلى صدقات الحكومات وهبات المؤسسات الخيرية ومعونات تقدم للفقراء لكنها تحتاج – وهذا أيضا موقف البنك الدولي- إلى إسماع صوتها والمشاركة في قراراتها وخياراتها. __________________كاتب أردني

المصدر : الجزيرة

جميع الحقوق محفوظة © 2017 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: