آخر تحديث: 2004/10/3 الساعة 20:10 (مكة المكرمة)

تركيا والبحث الأميركي عن حلفاء جدد في العراق

* بقلم/ غراهام فولر

الأميركيون في ورطة بالعراق، فأخطاؤهم في سياسة ما بعد الحرب كثيرة، ويسهل انتقادها، ولكن لنكن منصفين مع حكومة بوش، فإن عملية الانتقال من حكم صدام الدكتاتوري القمعي إلى نظام ديمقراطي أكثر انفتاحا، هي عملية صعبة ومثيرة للمتاعب في أحسن الأحوال، فهناك جيلان عراقيان لا يمتلكان أي تجربة في الحكم الديمقراطي أو سياسة عميقة الجذور أو التعاون السياسي.


هناك الكثير من القادة يتمنون أن يؤدي فشل سياسات بوش إلى خسارته الانتخابات القادمة، ونهاية فترة من العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة
أحد الأخطاء الكثيرة لإدارة بوش هو أنها لم تحسب حسابا لتعقيدات الساحة الداخلية بعد سقوط صدام، وأنها اعتقدت بأنها قادرة على فعل كل شيء -الحرب والسلام- بدون حلفاء.

ولكن ها هي هذه الإدارة اليوم تحتاج إلى الحلفاء، لا توجد هناك قوات كافية لحفظ النظام وإدارة هذا البلد الكبير. مقتل جندي أميركي واحد هو معدل خسائر الأرواح اليومي، وهو ليس بالرقم الكبير في قاموس الحروب، ولكن من المفروض أن تكون الحرب قد انتهت، والشعب الأميركي أصبح متخوفا من تدهور الوضع الأمني في العراق.

ولكن ما هي البلدان التي سترسل قوات لتموت في العراق؟ الرأي العام في معظم البلدان ضد الحرب على العراق ولديها القليل من الرغبة لمساعدة بوش في الخروج من مأزقه. كم عدد القادة الذين ينوون تجاهل الرأي العام ومساعدة واشنطن؟ بالطبع ليس كبيرا.

في الواقع هناك الكثير من القادة يتمنون أن يؤدي فشل سياسات بوش إلى خسارته الانتخابات القادمة، ونهاية فترة من العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة، كما أن هناك دعما سيأتي من بلدان بحاجة إلى مساعدة الولايات المتحدة، أو من بلدان حصلت على دعم أميركي قوي خلال الحرب الباردة مثل دول أوروبا الشرقية.

وتعتبر تركيا الحالة الأكثر إثارة، لقد أدهشت العالم -وواشنطن كذلك- برفضها السماح للقوات الأميركية استخدام أراضيها لشن عمليات قتالية ضد العراق، ولكن لأن تركيا بلد ديمقراطي كان من الصعب على الإدارة الأميركية أن تعاقب الرأي العام في دولة صديقة. اليوم قد تكون تركيا بصدد تحضير قوات لإرسالها إلى العراق، ولكن المشاكل التي ينطوي عليها هذا التحرك واضحة للعيان.

قد يكون حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا راغبا في تحسين العلاقات مع واشنطن بعد أزمة الرفض التي حدثت في فبراير الماضي، لكن قادة الحزب يعرفون تماما معارضة الرأي العام التركي الشديدة لإرسال أي قوات للعراق، وقد يعرض القرار الحزب الحاكم لخطر كبير إذا ما تعرضت القوات التركية لمشاكل في العراق.


الأكراد يرفضون بشدة أي وجود تركي في العراق لأن تركيا تقف بشدة ضد أي دولة كردية في العراق
في الواقع لا يعرف شكل الاستقبال الذي ستلقاه القوات التركية في العراق، ولا شك أن غالبية العراقيين تريد استقرار الأمن والنظام في البلاد، كما يمكن أن تكون لديهم الرغبة في جلاء القوات الأميركية في أقرب وقت ممكن، ولكن بعد إقامة نوع من السلطة الجديدة بسرعة نسبية. ولكن التيار المعتدل من الرأي العام العراقي لن يكون العامل الحاسم، بل هم من سيلعبون الدور الجوهري. إنها حقيقة محزنة، ولكنها موجودة في جميع البلدان حيث تسعى القوى الراديكالية إلى شق الرأي العام في زمن النضال.

في العراق هناك عدة أنواع من القوى الراديكالية: بعثيون حانقون، إسلاميون غاضبون، وراديكاليون أجانب وإرهابيون يريدون تعقيد الأمور على الأميركيين في العراق. هذه المجموعات تريد إجبار المجتمع العراقي على اتخاذ مواقف فورية بمعاداة أي شكل للوجود الأميركي في العراق.

معظم تلك المجموعات الراديكالية تعارض كذلك أي وجود أجنبي في العراق قد يساعد الأميركيين في مهمتهم، وهكذا إذا ساند البريطانيون أو الأتراك أو الدانماركيون برنامجا أميركيا أوسع، فإن جميع تلك القوى ستهاجم كوحدة واحدة. ويمكننا أن نلمس ذلك في حادث تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد، وهي المؤسسة التي قدمت الدعم للشعب العراقي وساهمت في تحسين الوضع بشكل عام.

لا يريد الراديكاليون أن يطرأ أي تحسن على الوضع الداخلي في العراق طالما ظل الأميركيون في البلاد، وفي الواقع، من وجهة نظرهم، لا يمكن للولايات المتحدة أن تفعل أي شيء يرضيهم غير رحيلها عن العراق.

إذا أرسلت القوات التركية إلى العراق، فسوف تستهدف من قبل أولئك الراديكاليين، وأكثر من ذلك، فللأتراك مشكلات من نوع خاص في العراق، فالأكراد يرفضون بشدة أي وجود تركي في العراق، لأن تركيا تقف بشدة ضد أي دولة كردية في العراق.

قد يرى العرب السنة في الأتراك نوعا جديدا من الإمبريالية العثمانية، تحاول الاستيلاء على مستقبل العراق، وقد يخاف الشيعة أن تقوي تركيا شوكة السنة في العراق، بينما سينظر كل العراقيين إلى الأتراك على أنهم حلفاء أميركا، لذلك فاحتمال أن يستهدف الراديكاليون القوات التركية مرتفع. هل يمكن للحكومة التركية أو الشعب التركي أن تقبل ذلك؟ كذلك فإن إيران ستعارض بالطبع وبشدة أي نفوذ تركي في العراق.

كما أن هناك مشاكل سياسية ومنها: هل سيتقبل الضباط الأتراك تلقي الأوامر من قادة أميركيين؟ أم هل ستصر تركيا على غطاء ما من الأمم المتحدة؟ ما مدى الاستقلال الذي ستتمتع به القوات التركية؟ كم سيطول بقاؤها؟ مثل هذه المشاكل سوف تؤثر على مشاركة الدول الأخرى بقواتها في العراق.


الستة أشهر القادمة ستبقى صعبة على واشنطن، وأي تدهور في الوضع الأمني سيبدأ بالتأثير على انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، ولا يوجد هناك انفراج في الأفق المنظور
قد تكون تركيا بصدد انفتاح أكبر على العالم العربي، لأن الحزب الإسلامي الحاكم مهتم بجيران تركيا من العرب أكثر من الحكومات السابقة، وثانيا يجادل الكثير من الأتراك بأن على بلادهم أن توسع نطاق اهتمامها بالعراق ليتعدى القضية الكردية، بل إن على تركيا أن تؤسس علاقات عمل أوثق مع هذا الجار المهم، وفي قضايا أكبر من القضية الكردية.

ويرى الكثير من الأتراك أن على بلدهم لعب دور أكبر لإيجاد علاقات جديدة مع الحكومة العراقية الجديدة المستقلة عن أي دور أميركي، وهذا المحور الجيوبوليتيكي قد يكون الأهم في إرسال قوات تركية إلى العراق، وليس مجرد الرغبة لإرضاء واشنطن.

ولكن حتى إذا أرسلت تركيا قواتها، فلن يخفف ذلك من مشكلة واشنطن، فمنظرو البنتاغون لن تكون لديهم الرغبة في التخلي عن أي سلطات سياسية حساسة لأي بلد آخر، لذلك سيكون هناك عدد قليل من البلدان الراغبة في إرسال قوات كبيرة للعراق. وكثير من القوات لن تكون مدربة على مثل هذا العمل في العراق، وكثير منها لم يسبق لها أن تعاونت عسكريا مع واشنطن من قبل، وقد ترى القوات الأميركية أن القوات الجديدة ليست حازمة بما فيه الكفاية لمواجهة قضايا أمنية.

من جهة أخرى إذا كانوا متسرعين في إطلاق النار، فسيزيدون الوضع سوءا، وسيبقى على القوات الأميركية الاضطلاع بالقضايا الأمنية الرئيسية، وستبقى بالتالي عرضة للهجوم عليها. ومن غير المحتمل أن يكون هناك قوات أجنبية كافية للسماح للقوات الأميركية بالعودة إلى الوطن. وهكذا فإن الدور الأهم للبلدان الأجنبية لن يكون في الاضطلاع بمعالجة القضايا الأمنية، ولكن في مساعدة العراق في المرحلة الانتقالية نحو سلطة جديدة مستقلة.

وهكذا فإن الوضع العام للقوات الأجنبية في العراق غير جيد، والستة أشهر القادمة ستبقى صعبة على واشنطن، وأي تدهور في الوضع الأمني سيبدأ بالتأثير على انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، ولا يوجد هناك انفراج في الأفق المنظور.ــــــــــــــــــ* كاتب أميركي

المصدر : الجزيرة

جميع الحقوق محفوظة © 2017 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: