كتب

المقاومة العراقية

2005/12/27 الساعة 22:35 (مكة المكرمة)

عرض/إبراهيم غرايبةيجمع هذا الكتاب مجموعة من المقالات التي نشرت للمؤلف حول المقاومة العراقية، وهي وإن كانت تعليقا على المشهد بلحظاته المتغيرة، فإن موضوع العراق والمقاومة يستحق العرض مع الاختلاف الكبير بين روح التعليق الصحفية والرؤية الشخصية والمنهجية للكاتب، وبعده عن الدراسة والتحليل والمنهجية العلمية.

البعث.. هربا من الحساب والمراجعة

- الكتاب: المقاومة العراقية
- المؤلف: عبد الأمير الركابي
- عدد الصفحات: 223
- الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع، عمان
- الطبعة: الأولى/2005

ما الذي يحول بين المواطنين المناهضين للاحتلال، وإقامة إطار وطني يكون قاعدة ومنطلقا لإرساء عملية وطنية تهيئ لإخراج الاحتلال من البلاد، وترسي أسس عملية وطنية تكون نواة العراق الديمقراطي القادم.

إن الصراع والحرب "الطائفية" إذا ابتدأ سيفضي أولا إلى ضرب المغزى الوطني للمقاومة، وسيدخلها نفقا آخر، وسيتنادى العملاء والأعداء، وآلة الإعلام الجبارة المعادية، إلى تحويل القضية من مسألة مقاومة، تستهدف الاحتلال والغزو إلى حرب أهلية بين طوائف ومجموعات.

فالمقاومات لا تنتصر كما علمنا التاريخ إذا لم تتحول في مجرى الصراع إلى مشروع تغيير وطني شامل، وإلى بديل يمثل القوى الحية في البلاد، ويعبر عن توازنات القوى الحية في المجتمع، وعن تطلعاتها إلى ما بعد الغزو.

فالعصر الحالي، ونوع الإمبريالية التي تمثلها أميركا اليوم، وتطور العراق، ومراحل التاريخ والتجارب الكثيرة والقاسية التي مر بها، تفرض على المقاومين من أبنائه، أن يكونوا بمثابة الطليعة، لنوع جديد من المقاومة.

وهؤلاء معنيون في الحقيقة بأن يرسموا في التاريخ العراقي والعالمي، ابتكارا وصيغا جديدة من المقاومة تنتمي إلى نموذج مقاومة النصف الأول من القرن الماضي، ولكن دون أن تتطابق حكما معه.

فالعراق هو مختبر متقدم ومعني -وهذا من اختيارات التاريخ وأعبائه- أن يبدع اليوم باسمه وباسم المنطقة والعالم، نمطا جديدا وتجربة أخرى من تجارب المقاومة وطلب الحرية.

إن بعضهم قد أشاع أن حزب البعث قد خطط، والنظام السياسي في العراق قد خطط لعملية المقاومة سلفا، وأن البعث هو "مفجر المقاومة" الأول، وقد عرف مسبقا بمجريات الأمور وحسب لها حسبانا.

وعليه فإن حزب البعث مطالب الآن بأن يخرج الاحتلال من العراق ويعمر البلاد ويعوض العراقيين ما خسروه، ماديا ومعنويا، ثم بعد ذلك يطرح وجوده ومصيره للاستفتاء.

وحتى وهو يحمل السلاح، فهو لا يملك أية حقوق سياسية من أي نوع كان، مع أن ما يقوم به مطلوب وواجب عليه.

ومن ذلك الذي لا بد من مناقشته ومعالجته لهذه السطوة التي حققها الصوت العالي، والإرهاب، باسم "مع" أو "ضد" المقاومة.

ومما يستوجب هذه المعالجة أيضا وبعمق، ما يقوله أصحاب الصوت العالي أنفسهم، عن البعث ودور البعث في المقاومة، فالبعث (أو بعض أجزائه) كان هو الذي يرفع راية "المقاومة" كما يقولون، وذلك سوف يجعل الكل يتساءل أولا عن مصير مقاومة كهذه ثم عن أهدافها الفعلية، وطبعا، عن مقدار الثقة التي يمكن أن تولى لها.

ولكن إجمالي تاريخ وتجربة حكم هذا الحزب تكفي للتدليل على قصوره وضعف أهليته على الأقل بما يكفي لجعل أي وجود له اليوم، على رأس المقاومة أو في صدارتها، موضع قلق وتخوف على مصير المقاومة، وعلى اتجاهاتها وبالدرجة الأولى على إمكانات تحولها إلى مقاومة وطنية شاملة.

"حزب البعث مطالب الآن بأن يخرج الاحتلال من العراق ويعمر البلاد ويعوض العراقيين ما خسروه ماديا ومعنويا، ثم بعد ذلك يطرح وجوده ومصيره للاستفتاء"
وإلى أن يحين ذلك الوقت وتحقق المقاومة الوطنية العراقية هذا الهدف، سوف يظل هذا النقص يشير عمليا وبالملموس إلى قصور فادح، في بنية المقاومة العراقية وأدائها، إذ لا يمكن لأية مقاومة في التاريخ أن تدعي الاقتراب من الكمال أو النضج، بينما هي لا تملك حتى زمام القرار العسكري فوق أرضها، وفي بلادها.

كما لا تجوز المصادرة على الآخرين، كما يفعل بعض أصحاب الصوت العالي باسم المقاومة، كلما حاول أحدهم، أو جرب استعمال سلاح النقد، بوجه نقد السلاح وسطوته الغاشمة أحيانا، بما أنها تثير الغرائز، وتترك في بعض الأحيان مكانا للوهم، أكثر من الحقيقة.

وفي مثل تلك المناخات تضيع المصالح الوطنية العليا، وقد يسحق الهدف الكبير النبيل الذي ترفع رايته، ويطبل له ليل نهار.

المجاهدون العرب والدم العراقي الأبيضإن الأهمية الاستثنائية للمقاومة العراقية تصبح مفهومة وواضحة، عندما ترتبط بالأبعاد الإستراتيجية للخطة الأميركية التي تستهدف واستهدفت العراق، بعد أن حسمت الولايات المتحدة قرارها واعتبرت العراق مفتاحا، تؤمن عن طريقه جزءا أساسيا من مصالحها الكونية، وهو ما تجسد أخيرا، من خلال فكرة إقامة تشكيل سياسي جغرافي هائل هو الشرق الأوسط الكبير.

يلاحظ أن فكرة الشرق أوسطية قد ارتبطت لمرتين بأحداث خاصة بالعراق، فشمعون بيريز طرح موضوع الشرق أوسطية بعد العدوان الأميركي الأول على العراق عام 1991، بينما يجري العمل الآن على طبعة محسنة وموسعة من الشرق أوسطية منذ العدوان الثاني على العراق.

وبالنسبة للسفارة الأميركية الكبرى في العالم وفي التاريخ، والتي يشرع الأميركيون في التأسيس لها بميزانية مهولة، فهي في الحقيقة عاصمة المجال السياسي والجغرافي، الممتد من باكستان وحدود الصين إلى المغرب العربي الأقصى، أي إمبراطورية شاسعة، سيديرها سفير من المتوقع له بحكم منطق الأشياء أن يكون حاكما فوق العادة ويتمتع بصلاحيات وبقوة نفوذ وتأثير، تضاهي إذا لم تتفوق أحيانا على سلطات الرئيس، القابع في البيت الأبيض الأميركي.

الشرق الأوسط الكبير أعظم حاجز وكبح بشري اقتصادي صناعي مضاد لاحتمالات صعود القوى الكونية المنافسة، أو لعرقلة وتأجيل صعودها.

وهاهم المنافسون يكتشفون هذه الحقيقة فيبادرون للعمل ضدها، وروسيا تزود الصين بالنفط، والرئيس الفنزويلي المستهدف هوغو شافيز يفعل ذلك بكفاءة أعلى، رغم أنه مقتنع بأن السي آي إيه وضعت خطة لاغتياله، والسعودية أيضا تفعل ذلك، منذ توترت علاقاتها قبل فترة بالولايات المتحدة الأميركية، من باب الضغط أو الاحتياط.

"الشرق الأوسط الكبير أعظم حاجز وكابح بشري اقتصادي صناعي مضاد لاحتمالات صعود القوى الكونية المنافسة، أو لعرقلة وتأجيل صعودها"
تعلم الولايات المتحدة الأميركية أن ما يحدث حتى الآن لا يكفي لانطلاقة العملاق الصيني بوتيرة مخيفة، وبالطبع فإن فنزويلا رغم قدراتها النفطية لا تستطيع أن تفعل شيئا، كما أن هناك "التعاون" الإيجابي مع فرنسا في المسألة اللبنانية السورية.

وكل ما ذكر اليوم موضوع تحت الخيمة من أجل البحث عن وسيلة تجمع الآراء والعقول وأصحاب الحكمة من الوطنيين لتدارس صريح في التجربة التي عاشها العراق خلال السنتين الماضيتين من تاريخه، وبالذات تجربة مقاومته، وعمل كل قواه الحية، سياسيا وإعلاميا، فكريا وعسكريا، وفي كل مجال.

فإذا كان ما يعرض هنا صريحا أو بدا في بعض الحالات قاسيا، فلأن بعض الظواهر لا يمكن أن تهمل أبدا وبعضها لا يمكن أن يعالج بخلفياته كما هي.

خصائص المقاومة في التاريخ العراقيعندما لا تكون المقاومة نتاجا حيا لتشكل الرؤية الوطنية المضادة للاحتلال لا يجد المتصدون لقضيتها غير البحث السطحي عن المفردات التي غالبا ما تنم عن العجلة، أو التصدي لمهمات لا تشير إلى بلوغ العملية الوطنية درجة النضج التي تقتضيها مسألة المواجهة الشاملة للغزو.

وكثيرا ما يكون هؤلاء بلا خلفيات من معرفة أو وعي تاريخي، وليست لديهم أي رؤية عن العراق وخصائصه ومميزات تاريخه.

لهذا نسمع اليوم، ومن قبيل التمجيد بالمقاومة المسلحة العراقية، محاجات عن الأسبقية التي أحرزتها المقاومة العراقية، والسرعة الاستثنائية التي انطلق فيها رد العراقيين المسلح على العدوان.

وعادة ما يكون المجتمع وقواه أمام مهمة تتعلق بالسلطة القائمة وترتيباتها وأشكال تنظيمها للمجتمع والحياة السياسية، والغزو الطارئ وآثاره، والمتغيرات التي يفرضها وجود القوات الأجنبية على الحالة العامة، ما يستحث إعادة تنظيم شاملة للقوة الاجتماعية، ويفرض على المعنيين والقوى المتصدرة للعملية الوطنية مهمات متشعبة عليها أن تنجزها، حتى تكون في وضع مناسب للقيام بالهجوم المضاد.

ويشير الكتاب هنا إلى العراقيين الذين كانوا مناصرين للأتراك خلال مقاومة هؤلاء للغزو الإنجليزي، وبادروا رغم كل ما بينهم وبين محتليهم السابقين من كره، إلى القتال في صفهم.

لكن الأتراك لم يكونوا أو على الأقل لم يكن بعضهم، يريد رؤية مثل هذا الموقف مجسدا أمامهم على الأرض، وكانوا يفضلون الذهاب إلى الحرب منفردين، حتى لا يكون من فضل أو منة لأهل البلاد عليهم.

ومن هنا نشأت تلك الحالة الخاصة والغريبة والفريدة التي استغرقت ثلاث سنوات أخرى، قبل أن يظهر العراقيون من شمال العراق إلى أقصى جنوبه حقيقة موقفهم ومدى بسالتهم وقدرتهم على مواجهة الغزو البريطاني.

وحين قام الفصل الثاني من المقاومة، أي المقاومة الشعبية من أسفل تغير المشهد كليا وحضر وقتها الشعب العراقي حرا وظهرت ملامحه الوطنية المعاصرة للمرة الأولى في التاريخ، ومع ثورة العشرين ولد العراق الحالي.

والآن متى وكيف وفي أي سياقات يا ترى سنسير قبل أن نرى العراق كله مرة أخرى حاضرا يواجه الاحتلال الأميركي، ويتجلى لنا حرا، وديمقراطيا توافقيا، يمثل إرادة كل مكوناته؟ تلك طريق الحركة الوطنية العراقية الصعبة المقبلة.

"في سلوك من يدعون النطق باسم البعث هناك حساسية مرضية إزاء كل إنسان وكل محاولة تريد اقتراح حلول أو مشاريع يشمون فيها رائحة عدم التطابق مع رغبتهم"
الكتلة المحلية المعولمة والغزو
لا توجد حالة أكمل من الحالة العراقية يمكن أن تؤخذ كنموذج للظاهرة المعولمة لقوى محلية، ففي العراق توفرت عوامل لم تكن قد توفرت في أي مكان من العالم، ظهرت بموجبها كتلة تشكل مجتمعا سياسيا شاملا.

فمنذ جاء البعث إلى الحكم عام 1968 والقوى السياسية التي تشكلت بعد ثلاثينيات القرن الماضي في العراق، من قوى قومية، وقوى كردية تجمعت في سوريا التي تحولت لأسباب تاريخية، وبفعل استحالة وجود حل للصراع بين الحكمين في بلدين يتنازعان على الشرعية الحزبية إلى حاضنة أولى ودائمة للمعارضة العراقية.

وبعدها ومنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي التحق بمعسكر المنفيين الحزب الشيوعي الذي كان حليفا للنظام في الجبهة الوطنية التقدمية، وجاءت إثره الأحزاب والقوى الإسلامية.

وما أطلت الثمانينيات حتى أصبح كل النسيج العراقي موحدا في الخارج ومقتلعا والحياة الأدبية والثقافية والفنية والاجتماعية انتقلت بكتلتها وزنا وفعالية إلى المنفى.

وفي عراق اليوم نحن أمام مشكلة من وجهين، المشكلة التي تمثلها الظاهرة المحلية المعولمة، بما أدت إليه وما تسببت به، وما يمكن أن ينتج عن ظاهرة موت الأفكار التي تنتسب إليها القوة البعثية الحاكمة، وبالأخص نزعتها الأيديولوجية التي تتفاقم، وتتحول الآن إلى مرض عضال مازال ينتظر نهوض جمع من أصحاب الرؤية والوعي والثقافة ونفاذ البصيرة مع حس التناغم مع إيقاع التاريخ.

وهؤلاء هم ربما سيكونون موجودين إلى صف حركة المستقبل، في حين سيذهب جمع كبير من هؤلاء ليصبحوا جزءا من تلك الكتلة المعولمة وتحولاتها اللاحقة.

ونلاحظ في سلوك من يدعون النطق باسم البعث هذه الحساسية المرضية إزاء كل إنسان وكل محاولة تريد اقتراح حلول أو مشاريع يشمون فيها رائحة عدم التطابق مع رغبتهم في مصادرة الحق الحصري في تمثيل المقاومة، ومن ثم إرادة الشعب العراقي، وبالأساس حق التفاوض باسمه.

فهم حساسون حساسية لا مثيل لها من هذه النقطة الأخيرة، وكل من يشتبهون في أنه قد يفكر بأي توجه من هذا النوع يبادرون إلى تحويله إلى عميل سابق لهم، أو لجهات ومخابرات عالمية وإسرائيلية وحتى سريلانكية، مع أنهم في الحقيقة جعلوا كل مخابرات العالم تسرح وتمرح اليوم في أرض العراق طولا وعرضا.

"نادينا وما زلنا ننادي بمؤتمر تأسيسي وطني عام يضم كافة فئات الشعب العراقي، يعقد باستقلال تام عن الاحتلال وأعوانه وتأثيراته، وينهي الاحتلال الأميركي"
صراع على النفوذ أم تحرير
إن العراقيين لسوء حظهم لم يتسن لهم أن يحققوا هدف إسقاط الدكتاتورية بقدراتهم الخاصة، مع أنهم قدموا الآلاف من الشهداء وذاقوا أفظع أنواع القتل والقهر والاستهانة بحقوقهم وحرياتهم.

ويوم قررت أميركا استهداف العراق حاول بعض العراقيين الوطنيين أن يجنبوا بلادهم الكارثة وعملوا ما باستطاعتهم في سبيل ذلك، ولكن الدكتاتوريين أصروا على الذهاب بالعراق إلى الكارثة وهاهم اليوم بكل وقاحة يريدون من العراقيين أن يقاتلوا تحت لوائهم أو تتم معاملتهم كخونة.

وهذا ما يتطلب وضع حجر الأساس الذي ينهي الاحتلال ويفتح السبل أمام قيام وحدة المجتمع العراقي بكل مكوناته، بينما تأخذ طريقها إلى التجسد العملي صورة العراق الحر، المتوافق والديمقراطي، وهذا ما يحققه شعار "المؤتمر التأسيسي" الذي تبنيناه.

ولقد نادينا وما زلنا ننادي بـ"مؤتمر تأسيسي وطني عام يضم كافة فئات الشعب العراقي" يعقد باستقلال تام عن الاحتلال وأعوانه وتأثيراته، يكون إطارا للتوافق، قبل تقنين ما يتم الاتفاق عليه في دستور وطني، يؤمن الحقوق للعراقيين كافة، ويحقق مشاركتهم الحرة، في نظام المستقبل، وينهي الاحتلال الأميركي.

المصدر : الجزيرة

جميع الحقوق محفوظة © 2017 شبكة الجزيرة الاعلامية