محمد داود - بغداد
يمكنك قيادة سيارتك باتجاه مخالف لبقية السيارات في شوارع بغداد، هكذا يفعل البعض، يمكنك أيضا تجاهل إشارات المرور وهكذا يفعل الجميع هنا، يمكنك أن تغلق شارعا لمنع السيارات من العبور أمام بيتك أو منزلك، يمكنك أن تعين حراسا شخصيين مسلحين يرافقونك حيثما حللت، يمكنك أن تخط على الجدران أفكارك التي تؤمن بها، أو تعلن حزبا لم يسمع به غيرك، يمكنك أن تفعل هذا وأكثر. لكن لا أحد يمكنه الحديث علنا وبصراحة عن العقبات التي تعترض عبور العراق إلى المستقبل ومنها الانقسام الطائفي.
الأمنيات الطيبة ينثرها الساسة والطامحون للسيادة على طرقات بغداد، لكن الأمنيات لا تصنع التاريخ ولا الأوطان.
يتحدث آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي وهو رجل دين شيعي بارز عن "سنين يحتاجها العراق للتعافي من سنوات الجدب والبؤس"، بينما يؤكد د. محسن عبد الحميد وهو الأمين العام للحزب الإسلامي -أكبر تجمع إسلامي سياسي للسنة- أن السيادة ستنقل للعراقيين في غضون ثلاث سنوات.
لكن الزمن ليس العقبة الوحيدة التي تعترض مسيرة العراق الجديد.
يعترف مدرسي في حوزته بمدينة كربلاء أن آثارا سلبية ستظهر أثناء عبور العراق إلى المستقبل، لكنه يواصل الدعوة لإجراء انتخابات والإسراع بنقل السلطة وتشكيل مجلس سيادة يضم عالما سنيا وآخر شيعيا وزعيما ينتخبه الأكراد يشرف على الحكومة ويدير شؤون البلاد. ويصر مدرسي على أن الانتخابات هي الحل الأفضل لمشاكل العراق، إذ لن يضار منها أحد طالما أنها لن تكون الأخيرة.
أما محسن عبد الحميد القادم من أسر الإخوان المسلمين فيعتقد أن "الانتخابات مستحيلة" وأن الإعداد لها بحاجة لسنة على الأقل شريطة توفر الأمن وإحصاء السكان.
مدرسي الذي عاش منذ العام 1974 خارج العراق وتنقل بين بلدان الخليج داعيا للإطاحة بنظام حزب البعث في العراق يرى في حجج الداعين لتأجيل الانتخابات ما "يثير الغثيان في النفس".
ويعتقد رجل الدين الشيعي وهو مفكر بارز أن تأجيل الانتخابات يستهدف "توجيه الانتخابات القادمة" وتلميع شخصيات لقيادة الدولة، ويتخوف مدرسي من أن يعمد القائمون على الأمر في العراق اليوم -دون أن يسمي أحدا– إلى" قمع ونشر أفكار" من أجل الحصول على نتائج يريدونها من الانتخابات.
أما الدكتور محسن عبد الحميد فيعتقد أن إثارة قضية الانتخابات إنما تستهدف تأجيل حل مجلس الحكم الانتقالي للحفاظ على التركيبة الطائفية الحالية للمجلس الذي هو عضو فيه.
ويتكون المجلس من 13 شيعيا و5 من السنة و5 من الأكراد وممثل عن التركمان وممثل عن المسيحيين.
ويعكس الخلاف على الانتخابات أزمة ثقة بين السنة والشيعة في العراق وإن حاول الجميع غض الطرف عنها في أحاديثهم العلنية. فأثناء المقابلات تخفت الأصوات ويبرز الحذر عندما يتعرض السائل للعلاقة بين الجانبين، ويرفض المتحدثون من الجانبين نقل أي كلمة قد تثير حساسية لدى الطرف الآخر.
يقول البعض في بغداد إن الشيعة يريدون إجراء انتخابات سريعة لاستثمار حالة الفوضى الراهنة من أجل السيطرة على مقاليد السلطة، بينما يرفض السنة ذلك لأن إجراء الانتخابات في ظل انعدام الأمن وعدم وجود إحصاءات دقيقة من شأنه تثبيت "أسطورة" الأغلبية الشيعية.
أما الشيعة فهم يعتقدون أن السنة يحاولون تأخير الانتخابات ربما طمعا في تثبيت واقع جديد يمكنهم من مواصلة السيطرة على مقاليد سلطة انتزعت منهم قسرا.
ويرفض السنة أن يحسب حكم البعث عليهم بينما يصر الشيعة على إظهار معاناتهم كطائفة مما يعني ضمنا إدانة الآخر طائفيا.
يعترف مدرسي أيضا بأن مستقبل العراق القريب ليس مشرقا بالضرورة فالعالم بحاجة لنفحة روحية وإلى ضمير، لذا فإن مهمة قادته اليوم تتمثل في "إنقاذ العراق من الأسوأ".
المهمة على نبلها تبقى صعبة في ظل تعقيدات الطائفة والعرق ومحتل غاز سافر آلاف الأميال بحثا عن المن والسلوى وآبار النفط ومستقبل الإمبراطورية، وقد لا يغادر مسرعا كما يتمنى كثير من العراقيين.
__________________________
* الجزيرة نت