يواصل الرئيس الأميركي جورج بوش إعادة تشكيل علاقة الولايات المتحدة بدول العالم بعد الهجمات التي أصابت مواقع حيوية في نيويورك وواشنطن في وقت سابق من هذا الشهر، وهو ما ينظر إليه الخبراء على أنه يعد تحولا جذريا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وعودة عن مبدأ الانفراد في التعامل مع القضايا الدولية.
فقد استضاف الرئيس بوش في معرض سعيه لتشكيل ائتلاف دولي لشن ما أسماه "الحرب على الإرهاب" زعماء عالميين تدفقوا على البيت الأبيض. كما أن بوش بات يحظى الآن بتأييد دول أعربت سابقا عن قلقها من بعض سياساته كالانسحاب من معاهدة كيوتو للحد من ارتفاع حرارة سطح الأرض وشبكة الصواريخ الدفاعية وقضايا أخرى توصف بأنها تضع مصالح أميركا فوق بقية العالم.
وفي الوقت الذي يعيد فيه الرئيس الأميركي تشكيل علاقات الولايات المتحدة بدول أخرى فإنه مستمر في مغازلة حلفائه. فقد خففت واشنطن العقوبات المفروضة على باكستان بعد الحصول على تأييد حاكمها العسكري الجنرال برويز مشرف، كما ضغطت على إسرائيل والفلسطينيين للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار حتى تجتذب دولا عربية وإسلامية للائتلاف.
ووافق البيت الأبيض أمس على مبادرة سلام روسية جديدة في الشيشان وحثت واشنطن المقاتلين هناك على قطع العلاقات مع "الجماعات الإرهابية". ويعطي هذا الموقف دفعة قوية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تعرض لانتقادات بسبب استخدامه القوة المفرطة في الشيشان. بيد أن واشنطن أعلنت أن مبادئ الولايات المتحدة الأساسية لم تتغير. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض آري فليشر "إن أفعال أميركا لا تزال مبنية على ما تراه صوابا وطبقا لمبادئ حقوق الإنسان والتعاون مع دول العالم على أساس هذه المبادئ".
ويعتقد محللون في الشؤون الخارجية أن التهديدات المحتملة للائتلاف المقترح تكمن في القيام بعمليات عسكرية دون تمييز عوضا عن استهداف المدبرين للهجمات التي ضربت مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون.
ويقول المحللون إن بوش الذي تولى الرئاسة وتعهد باتباع سياسة خارجية "متواضعة" أثارت الانتقادات بشأنها, نجح حتى الآن في الظهور كزعيم عالمي في وقت الأزمة. ففي خطابه أمام الكونغرس في الأسبوع الماضي رسم بوش صورة للعالم باللونين الأبيض والأسود.. "إما معنا أو مع الإرهابيين".
وكانت دعوته لتوحيد الصفوف في "معركة الحضارة" أبعد ما تكون عما وصفه مسؤول بارز في وزارة الخارجية الأميركية قبل الهجمات بأنها سياسة التعددية الملائمة، أي اختيار القضايا التي يمكن حشد إجماع دولي بشأنها عندما تتعلق بمصالح واشنطن.
وعبر ساندي بيرغر مستشار الأمن القومي للرئيس السابق بيل كلينتون عن مجريات السياسة الخارجية الأميركية بالقول "الأزمة أحدثت تحولا بكل المعاني". وبالفعل فقد عاد الرئيس بوش عن شعار "أميركا أولا" ومبدأ الانفراد في التعامل مع القضايا الدولية. غير أن المنتقدين وصفوا سياسة بوش السابقة بعبارات أكثر قسوة وأشاروا إلى انسحابه من معاهدة كيوتو وإبعاد الولايات المتحدة عن عملية السلام في الشرق الأوسط والمضي قدما في مشروع الصواريخ الدفاعية رغم الشكوك الأوروبية والمعارضة الروسية.
وكان زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ توم داشلي قد وجه انتقادات حادة لسياسة بوش ووصفها بأنها "دكتاتورية وانفرادية". ولكن إيفو دالدر الباحث في شؤون الأمن القومي بمعهد بروكينغز بواشنطن يعتقد أن بوش فتح صفحة جديدة. وقال "إنه بصفة أساسية يفعل ما أبلغه أناس بأنه يجب أن يفعله طوال الأشهر الثمانية الماضية، ذلك أنه إذا حدثت مشكلة عالمية فيجب تشكيل ائتلاف دولي للتعامل معها وتصدر الجهود.. واجتذاب الناس للوقوف إلى جانبك". وقد غير داشلي لهجته وقال "أؤيد بقوة جهود الإدارة لبناء هذا الائتلاف العالمي وأعتقد أنهم أحسنوا العمل جدا".
وقال زبيجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر "إذا حاولت دول طلب مقابل نظير تعاونها لمكافحة الإرهاب فسيكون هناك مبرر لنتشكك في دوافعها الحقيقية". وحتى الآن لم تطلب دول من بوش علنا امتيازات مقابل تأييدها. كما أن بوش طلب تضحيات قليلة نسبيا وأكد أن إسهام الحلفاء يمكن أن يكون على أساس فردي. وبعكس حرب الخليج عندما قام بوش الأب بتمرير القبعة لجمع 55 مليار دولار من الدول المعنية مقابل قيادة الولايات المتحدة للتحالف العسكري الدولي الذي أنهى الاحتلال العراقي للكويت، فإن واشنطن لم تطلب حاليا إسهامات مالية أو عسكرية ضخمة.