كامبردج بوك ريفيوز
الحذلقة اللغوية التي استخدمها المؤلف في صياغة عنوان هذا الكتاب تتجاوز في الواقع التمرين الذهني الذي قد نجد أنفسنا بصدده ونحن نعيد قراءة العنوان حتى نستوعب بالضبط ما الذي يريده المؤلف.
|
-اسم الكتاب: تاريخ مختصر عن الغد: مستقبل الماضي والحاضر -المؤلف: جوناثان مارجليوس -عدد الصفحات: 276 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر: بلومسبراي، لندن. | |
التأريخ للمستقبل
فالحديث عن محاولة تأريخ للمستقبل هو أمر يتلاعب بالترتيب الزمني للحاضر والمستقبل, بل وحتى الماضي, إذ إن عملية التأريخ تتم في العادة لأحداث الماضي, وبالكاد تقبل إن تمت لأحداث الحاضر بسبب قربها الشديد من لحظة التأريخ وعدم اكتمال الصورة, ناهيك عن أن تطبق على المستقبل الذي لم يحدث بعد.
علم المستقبليات
لكن تلك الحذلقة اللفظية في العنوان لها هدف أعمق من ذلك، وأطروحة الكتاب تسبر أغوار علوم المستقبل وشكل البشرية المتوقع في أسلوب لا يقطع بين هذا المستقبل والماضي وكذا الحاضر الذي نعيشه. والسؤال السهل والكبير في آن معاً الذي يرافقنا منذ الصفحة الأولى من الكتاب هو: ما هو المستقبل؟ وهل سيصل إلينا في أي يوم من الأيام أم نحن في حالة انتظار دائمة له تمثل إحدى سمات حياة البشر بغض النظر عن أي زمن يعيشون فيه؟ أم هل يا ترى قد وصل المستقبل وانتهى أمره بالنظر إلى التقدم العلمي الهائل الذي حققه الإنسان سواء على الأرض أم في الفضاء, في الطب أم في الهندسة, في الاتصالات أم في الكيمياء البيولوجية والاستنساخ, في الكمبيوتر والإنترنت أم أعماق طبقات الجيولوجيا والبحار؟ هل هناك من مستقبل بعد هذا؟ ألا نقف نحن الآن على حافة نهاية الكون حيث جاء الماضي وجاء الحاضر وجاء المستقبل ولم يعد هناك من مزيد؟
الإجابة التي يواجهنا بها المؤلف في هذا الكتاب الرائع هي "لا" كبيرة، فالمستقبل لم يصل ولن يصل وسوف نظل في تقدم مستمر, والشيء الأكيد فيه هو أننا لسنا متأكدين حقاً من شكل وطبيعة المستقبل, لكنه بالتأكيد مختلف عن الحاضر الذي نحياه, ولا يعترف بـ"عنجهيتنا" الراهنة التي نعتمد عليها للزعم بأننا وصلنا, -أو شارفنا على الوصول- إلى منتهى الأرب في فنون العلم والتقدم والتكنولوجيا.
” علم المستقبليات علم مهموم بتوقع مسارات البشرية والإنسان في العقود والقرون التالية, وهو علم مثير ممتع خاصة عندما تساق نظرياته وطروحاته بأسلوب شيق لكن بالاعتماد على خبرتنا في الماضي وتوقعات من سبقونا حول مستقبلهم الذي هو حاضرنا الآن ” |
هذا الكتاب ينتمي إلى "علم المستقبليات" المهموم بتوقع مسارات البشرية والإنسان في العقود والقرون التالية, وهو علم مثير ممتع خاصة عندما تساق نظرياته وطروحاته بأسلوب شيق لكن بالاعتماد على خبرتنا في الماضي وتوقعات من سبقونا حول مستقبلهم الذي هو حاضرنا الآن. لكن يشكل ذلك الاعتماد على خبرتنا في الماضي -وكما يلاحظ المؤلف- إحدى نقاط الضعف التي تعاني منها علوم المستقبليات لكن لا مناص للتخلص منها. فالبشر محكومون في نهاية المطاف بالتجارب التي يخوضونها, وبالخبرات التي تتراكم في وعيهم الفردي والجماعي والتاريخي, وبالتالي يصعب عليهم أن يتوقعوا أو يتخيلوا عالماً آخر لا تكون مكوناته شبيهة أو متولدة عن مكونات عالمهم.
ومن هنا فإنه حتى أكثر شطحات الروايات أو الأفلام العلمية التي تخيلت حيوات غير حياتنا على كواكب أخرى لم تستطع أن تنفك من تصوير حياة شبيهة بحياة البشر, أفراد وجماعات يعيشون وفق أنظمة معينة. لكن كل ما استطاع الخيال البشري التلاعب به هو أشكال أولئك الأفراد وطريقة كلامهم وتصرفهم أو مدى تقدمهم العلمي أو لطفهم أو وحشيتهم. وكل ذلك لا يخرج عن إطار "الخبرة البشرية" في تصور أو تصوير حياة غرائبية غير تلك التي نحياها.
أما الأمر الآخر الذي يشير إليه المؤلف والذي يشكل أحد الأسس الرئيسة في نظرتنا وتوقعاتنا للمستقبل فهو اعتقادنا المبطن بأننا نحن -الآن وفي هذه اللحظة- نقف على مشارف المستقبل النهائي, إذ ننظر إلى الماضي وأجياله نظرة لا تخلو من تكبر بل وسخرية تجاه "الحضارات" التي كانت والتقدم الذي وصلت إليه مقارنة بـ "حضارتنا وتقدمنا".
” أهم ما يجب أن يحكم نظرتنا للمستقبل ويصوبها هو التخلي عن "عنجهية الحاضر" واعتباره نهاية الشوط البشري ” |
ومن هنا فإن أهم ما يجب أن يحكم نظرتنا للمستقبل ويصوبها هو التخلي عما يسميه المؤلف "عنجهية الحاضر" واعتباره نهاية الشوط البشري. فالملاحظة الطريفة هي أن كل جيل من الأجيال البشرية اعتقد بأنه وصل إلى نهاية ذلك الشوط وكان ينظر إلى الماضي بنوع من الزهو باعتبار الحاضر الذي وصله ذلك الجيل إليه كان "عصرا خاصاً", تماماً كما نشعر نحن الآن عندما ننظر إلى حاضرنا.
ويسرد المؤلف حالات طريفة تعبر عن الشعور بالتفوق والختام عند الأجيال فيذكر أنه في عام 1920 في الولايات المتحدة كانت هناك مقترحات جدية لإقفال باب الاختراع ومنح براءات اختراع جديدة, وذلك نظرا لأن كل ما يمكن اختراعه قد تم اختراعه, كما برر مسؤول مكتب براءات الاختراع آنذاك تشارلز ديول.
وفي عام 1909 استهزأ موظفو الجمارك البريطانيون بمقولة "احتمال تنقل المسافرين والبضائع عبر الجو", وقالوا يجب إهمال هذه "التخرصات" لأنها لو حدثت فإن معناها هو إغلاق مكاتب الجمارك وإقفال الدائرة برمتها. بل وحتى أمد قريب كان البعض من أكثر الناس ذكاءً وتخصصاً في علوم الجو يعتقدون أنه من المستحيل على الإنسان أن يسبر غور الفضاء, ومن هؤلاء عالم الجو البريطاني السير هارولد سبنسر الذي دحض "الأوهام" التي تحوم حول فكرة سفن الفضاء وذلك عام 1957. ومن سوء حظه أن السوفيات أطلقوا أول سفينة فضائية في التاريخ سبوتنيك/1 بعد أسبوعين فقط من تصريحه ذاك!
وعندما فكرت شركة آي.بي.أم الأميركية الشهيرة المتخصصة في صناعة الكمبيوتر بإنتاج كمبيوترات وبيعها في الأسواق أواخر الأربعينات من القرن الماضي، صرح مديرها آنذاك توماس واتسون أنه لا يعتقد أن السوق يمكن أن يستوعب أكثر من خمسة أجهزة كمبيوتر على الأكثر. والآن كلنا نعلم أن بعض البيوت فيها هذا العدد من أجهزة الكمبيوتر.

التأريخ الاجتماعي
وعلى الصعيد الاجتماعي, لم يكن أحد يتصور قبل خمسين عاما ما آلت إليه أوضاع المرأة في العالم من حيث المساواة واكتساب الحق في التعلم والعمل وممارسة السياسة بل وتسلم المنصب الأول في العديد من الدول. ويقتبس من أحد الكتب الإنجليزية التوجيهية الصادرة أواخر عقد الخمسينات من القرن الماضي (1950) النص التالي الموجه إلى المرأة "لا تسألي زوجك أسئلة حول أفعاله, كما لا تناقشي أحكامه ونظرته للأشياء.. تذكري أنه سيد البيت وبكونه كذلك فإنه يمارس الإنصاف والحق، وليس لك الحق في مساءلته, فالزوجة الجيدة هي التي تعرف دوماً مكانها وحدودها". ويعلق المؤلف بأن هذا النص يثير ضحك أي امرأة في الغرب الآن.
وعلى نفس الصعيد الاجتماعي لم يكن أحد يتصور قبل نصف قرن أن يدخل شخص أسود مطعما أو فندقا ويقوم على خدمته نادل أبيض أو ينظف غرفته عاملة تنظيف بيضاء.
” إلى أي مدى يمكن أن يصمد "الكتاب" أو الكلمة المكتوبة بشكلها الحالي -مثل الصحف والمجلات وغيرها- أمام غزو الكمبيوتر والإنترنت والكمبيوترات المحمولة والنقالة عن طريق الهواتف؟ ” |
صمود الكتاب
واستناداً إلى ذلك كله فإن "المستقبل" سوف يحمل ما لا يمكن أن نتخيله الآن، فعلى سبيل المثال إلى أي مدى يمكن أن يصمد "الكتاب" أو الكلمة المكتوبة بشكلها الحالي -مثل الصحف والمجلات وغيرها- أمام غزو الكمبيوتر والإنترنت والكمبيوترات المحمولة والنقالة عن طريق الهواتف؟ بل هل تصمد الهواتف النقالة هي ذاتها خاصة أن بعض شركات الاتصالات الإلكترونية مثل أورانج, تعمل على تصنيع ما تسميه "ستاد" يوضع بنعومة في الأذن ويكون بمثابة التلفون النقال الدائم, والإذاعة التي تنقل الأخبار على مدار الساعة ويستخدم أيضاً للتحكم في خدمات البيت والمكتب عن طريق ألياف متصلة بالدماغ وتأخذ أوامرها منه مباشرة.
ويذكر المؤلف أن هذه الأفكار ليست شطحات أو تهويمات مستقبلية بل إن أحد المولعين بتكنولوجيا الاتصال المستقبلي -وهو بروفيسور في جامعة ريدنج البريطانية- زرع داخل جسمه مجسات تتلقى تعليمات من دماغه وتوجه أشعة مباشرة تنقل تلك الأوامر مثل أن تفتح الباب عندما يتجه البروفيسور نحوه, أو يتواصل مع زملائه وهم في مكاتبهم أو أماكن أخرى وينقل لهم أفكاره ويستلم أفكارهم بنفس الطريق.
وإذا تأملنا في النقاش الدائر حالياً حول الاستنساخ البشري وما أتاحه اكتشاف خريطة الجينوم البشري، ندرك أننا حقاً أمام مستقبل لا يمكن التكهن به وأنه سوف يأتي اليوم الذي تنظر فيه أجيال المستقبل إلى أيامنا باعتبارها عقودا كالقرون الوسطى وسيضحك الناس حينها على "بدائية" الهواتف النقالة التي نستخدمها, أو الإنترنت الذي نفتخر باستعماله ونظنه سقف العلم والمخترعات.