خدمة كامبردج بوك ريفيوز:
على رغم كثرة الكتب والدراسات التي تصدر بشكل مكثف عن العولمة وجوانبها المختلفة, الاقتصادية, والسياسية, والإعلامية, والثقافية, فإن المثير في الموضوع هو الثراء الذي يتميز به، بحيث إن العديد من الأفكار الجديدة ما تزال ترى النور في بعض الكتب التي تصدر هذه الأيام. وهذا الكتاب يحتوي على مجموعة من المعالجات التي تتناول العولمة من زوايا جديدة أو تتعمق في جوانب يتم التطرق إليها في معظم الدراسات.
|
- اسم الكتاب: إعادة التفكير في العولمة (العولمات) - المؤلف: بريت أولاخ ومايكل شيشتر - عدد الصفحات: 285 - الطبعة: الأولى 2000 - الناشر: مايكلمان- لندن- بريطانيا | |
أهم ما في هذا الكتاب أنه يقرر من البداية أن العولمة لا يمكن فهمها بشكل أحادي, سواء أكان ذلك من زاوية اقتصادية صرفة, أم سياسية محددة, أم اجتماعية مبتسرة, أم ثقافية حصرية. ومن هنا يجيء العنوان الضمني للكتاب عبر استخدام لفظة "العولمات" بدل العولمة, وهو استخدام يطرح لأول مرة كعنوان لكتاب يعالج هذه الظاهرة. فـ"العولمات" المقصودة هنا هي الجوانب التي تنسب للعولمة في العادة, لكن أراد المؤلفان هنا التركيز على أن عمق التغير الذي شهده ويشهده عالم اليوم يتمثل في حدوث عولمات في كل مجالات الحياة الإنسانية, وهي المجالات التي سنتعرض لها تالياً. وهذا البعد العولمي المتعدد للتغير العميق يأخذه المؤلفان إلى مدياته القصوى في المقدمة الموسعة والتمهيدية للفصول التي عالج كل منها عولمة من تلك العولمات. والتداخل العضوي الذي يربط بين مجالات التغيير هو المميز الأول للعولمة والعولمات بحيث يبدو أي فصل تعسفي بينها لا علاقة له بالتحليل السوسيولوجي الموضوعي والمتمكن.
|
” لا يوجد أي ضمانة بأن العولمة الراهنة إذا نجحت في نشر مبدأ التجارة الحرة على أوسع نطاق ستكون كفيلة بأن تقود العالم إلى وجهة أكثر سلاماً من ذي قبل، وخاصة إذا سيطرت قوى السوق على آليات السلطة والقوة في المجتمعات
” |
بين إيجابيات العولمة وسلبياتها
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام, كل منها يتفرع إلى عدة فصول. القسم الأول يتناول اختبار "حقيقة" تواجد واشتغال العولمات وعلائقها بالبنية التحتية المكونة للتجمع البشري فوق المعمورة. فيناقش يان آرت شولت فيما إن كان التعولم الجاري يقود بالضرورة إلى مجمتع أفضل. ويرى أن جردة حساب للوضع العولمي الراهن يشير إلى أن نواقص وسلبيات العولمة تكاد تتعادل مع إيجابياتها. ففي الوقت الذي تتيح فيه آليات العولمة فرصاً للتقدم الإنساني التقني ونشره في أرجاء المعمورة, وتدفع نحو الديمقراطية والحرية السياسية, وتفتح آفاق غير مسبوقة في حرية المعلومات والإعلام بما يهز البنى الدكتاتورية, فإن العولمة ذاتها تكرس اللاعدالة في التوزيع الموجودة أصلاً بين الشعوب وفيما بينها, كما تفاقم مشكلات "العجز الديمقراطي" إلى درجة غير مسبوقة وخاصة في العالم المتقدم بسبب القوة السياسية المتصاعدة للشركات متعدية الحدود، والتي بإمكانها التأثير في شكل ومسيرة المجتمعات عبر مجالس إدارتها, وهي مجالس لا تعبر عن مصالح عامة الناس بل عن مصالح ملاك الشركات, وهكذا...
وقضية "النفوذ السياسي" أو "السلطة" والعولمة هي ما يتوسع فيها هوارد لينتر الذي يشكك في أن تسليم "السلطة السياسية" للسوق سوف يقود تلقائياً إلى نشر القيم الليبرالية وخدمة صالح الشعوب. ويقارن لينتر العولمة الراهنة والدعوات المتفائلة التي ترى فيها قوة إيجابية صرفة تدفع العالم باتجاه دحر النزعات الفاشية والدكتاتورية والقوميات المتعصبة, يقارنها بحقبة التوسع الليبرالي التجاري وانتصار عقيدة السوق في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فآنذاك شاع تفاؤل كبير في أوساط منظري الفكر السياسي العالمي بأن التجارة الحرة كفيلة بلجم نزعات الحرب والعداء بين الشعوب وتشجيع التعاون وتغليب منطق المصلحة الاقتصادية على منطق الاستعداء ومحاولة النهب المتبادل. لكن ذلك التفاؤل سرعان ما تحطم على صخرة واقع الحرب العالمية الأولى التي اندلعت رغم انتشار التجارة الحرة بشكل غير مسبوق بين الدول التي خاضت الحرب ضد بعضها البعض. ومن هنا فإن لينتر يقول بحق بأنه لا ضمانة بأن العولمة الراهنة -وبفرض نجاحها في نشر مبدأ التجارة الحرة على أوسع نطاق- كفيلة بأن تقود العالم إلى وجهة أكثر سلاماً من ذي قبل، خاصة إذا سيطرت قوى السوق على آليات السلطة والقوة في المجتمعات (ص 69-70).
|
” العولمة تمنـح الفرص التي تتيحها للشريحة الغنية الضيقة المتنفذة في دول العالم الثالث, بينما تظل الشرائح الفقيرة بعيدة كل البعد عن الاستفادة من العولمة, بل تبقى تعاني من ويلاتها، وبهذا تسهم العولمة في تكريس الظلم واللامساوة الاجتماعية
” |
العولمة ودول العالم الثالث
القسم الثاني من الكتاب يعالج آثار العولمة والعولمات بشكل مباشر عبر قراءة حالات دراسة محددة, ووفق منظور نظري رصين يربطها بالتطور العام للظاهرة. ولعل هذا القسم هو أكثر ما يهم قراء العالم الثالث, ففيه فصول تتناول أثر العولمة على العالم الثالث, من ناحية تقوية أو إضعاف الدولة, أو إحداث تمزق اجتماعي وتشطير للمجتمعات التي ما زالت تكافح لبناء درجة معقولة من التضامن الاجتماعي الوسطي, كما تشير جينا لامبرايت ونيكولاس فان دي والت (ص 123 وما بعدها). وهذا يرتبط بقوة في أثر العولمة على الأسواق الناشئة, في العالم الثالث, وفيما إن كانت العولمة تساعد هذه الأسواق في تخطي عتبة التنمية المستديمة بحيث تصل إلى درجة الأمان وعدم التقهقر إلى الوراء جراء أية خضات مفاجئة, اقتصادية أم سياسية, أم أن تلك العولمة تساعد على إعاقة نمو الأسواق الجديدة إذ تفتح عليها المنافسة مع الأسواق المتقدمة عنها في القوة والمتانة الاقتصادية, فيبدو التنافس غير متكافىء، ونتيجته لصالح الطرف الأقوى في كل الظروف.
فإذا كانت النتيجة الأخيرة هي الأكثر احتمالاً فإننا ننتهي إلى خلاصة متشائمة مفادها أن العولمة في واقع الأمر لا تعمل سوى على تكريس الهوة الواسعة بين أغنياء العالم وفقرائه, مجتمعات ودولا. وأن حقبة الحماية وعدم الانفتاح الكلي, التي ميزت بعض أنماط الاقتصاد الآسيوي الذي نهض في النصف الثاني من القرن العشرين كانت في النتيجة أفضل من بريق الانخراط في العولمة ومواجهة مخاطرها من دون التسلح بأسلحة كافية.
|
” أتاحت العولمة للمسلمين بشكل ما نشر وتداول "الرموز" الموحدة الخاصة بهم -كاللون الأخضر والقبة والمسجد والحرف العربي- في أرجاء العالم
” |
عولمة الإسلام
ومن الفصول المثيرة في القسم الثاني أيضاً مساهمة هيلدي تيغان ومارتا تيغان حول أثر العولمة على "تسويق" الإسلام وتمييزه. ففي هذا الفصل تناقش الكاتبتان ما تعتبرانه جوانب عولمة الإسلام التي جاءت بها العولمة الراهنة, من خلال دراسة تأثيرات التواصل المكثف, الإعلامي والثقافي والديني, التي أتاحتها العولمة للمسلمين والجاليات المسلمة في أكثر من مكان في العالم, مع تركيز خاص على الجالية المسلمة في الولايات المتحدة. وعبر التعمق في ملاحظة انتشار عالم "الرموز" الموحدة, مثل اللون الأخضر, وصورة المسجد ذي القبة, والحرف العربي, فإن ثمة نتيجة تشير إلى أن العولمة أتاحت للمسلمين بشكل ما نشر تلك "الرموز" في أرجاء العالم وتداولها.
ويركز الفصل على قدرة المسلمين على الاستفادة من العولمة لنشر وتعميق مفاهيم الدين الإسلامي ليس فقط بين الجيل الأول من المهاجرين المسلمين في دول العالم الغربي بل وأيضاً في إيجاد تواصل مع الجيل الثاني والثالث الذين ولدوا في الغرب وصار بالإمكان ربطهم بأوطانهم الأصلية من خلال مظاهر تعولم العالم الحديث. وتربط الكاتبتان كل ذلك بالنشاط التجاري الإسلامي وكيف أن ذلك النشاط مليء بالرموز الإسلامية التي صارت متداولة عالميا, وعولمياً, فمثلاً اللون الأخصر ورمز القبة كثيرا ًما تستخدمه الشركات الإسلامية التي توزع منتجاتها في أكثر من سوق. وأفضل مثال على ذلك, كما تورد الكاتبتان هو شركات "اللحم الحلال" حيث أصبحت لفظة "حلال ميت" بالإنجليزية معروفة المضمون ورمز معترف به ومفهوم في أغلب بلدان العالم (ص 233).
|
” الاختبار الحقيقي للدعوى الليبرالية -التي تطرحها العولمة وتدعي تبنيها- هو في نجاحها في تقليل الفجوة بين الشمال والجنوب, ليس فقط على مستوى العالم, بل وأيضاً على المستوى الداخلي للبلدان نفسها
” |
مستقبل العولمة
أما القسم الثالث من الكتاب فقد خصص لقراءة مستقبل العولمة والعولمات. وهنا نقرأ التساؤلات التقليدية التي تطرحها معظم معالجات العولمة وخاصة تلك المهمومة بمنظومات القيم والمعايير التي تحوم حول عدالة توزيع الثروات في المعمورة والقضاء على الفقر والوصول إلى عالم أكثر إنسانية. فالاختبار الحقيقي للدعوى الليبرالية -التي تطرحها العولمة وتدعي تبنيها- هو في مواجهتها السؤال المركزي حول كيفية تقليل الفجوة بين الشمال والجنوب, ليس فقط على مستوى العالم, بل وأيضاً على مستوى داخل البلدان نفسها. فالخطر الكبير الذي يحدق بكثير من مجتمعات العالم, وفي مقدمتها مجتمعات الدول النامية, هو أن العولمة تمنح الفرص التي تتيحها للشريحة الغنية الضيقة المتنفذة في هذه البلدان, بينما تظل الشرائح الساحقة بعيدة كل البعد عن الاستفادة من العولمة, بل إنها تعاني من ويلاتها. وبهذا فإن العولمة قد تنتهي ليس إلى تكريس الظلم واللامساوة الاجتماعية, بل ومفاقمتها, وهذا هو عكس الدعوة الليبرالية بأبسط مضامينها.