خدمة كمبردج بوك ريفيوز
|
-اسم الكتاب: Unfinest Hour: Britain and the Destruction of Bosnia
-المؤلف: Brendan Simms -عدد الصفحات:462 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر: (London: Allen Lane, The Penguin Press, 2001) | |
هذا الكتاب المثير سوف يعتبر بالتأكيد أحد أهم الكتب التاريخية التي سجلت وأرخت بدقة ونظرة نقدية الدور الأوروبي في حرب البوسنة, وبالتحديد الدور البريطاني. ولو كان هذا الكتاب صادرا عن شخص لا يتمتع بوزن برندن سيمس, المؤرخ البريطاني المعروف أستاذ التاريخ في جامعة كمبردج, لربما مر من دون أن يلتفت إليه أحد, خاصة وأنه يحمل أطروحة في غاية الأهمية والخطورة يمكن أن تستغل في بعض جوانبها قانونيا بغية إحالة بعض المسؤولين البريطانيين خلال حرب البوسنة للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة التسبب في مقتل عشرات الآلاف من الأبرياء البوسنيين.
السياسة البريطانية أطالت حرب البوسنة
برندن سيمس واضح في توجيهه الاتهام للسياسة البريطانية بأنها كانت السبب وراء إطالة الحرب, ووراء حظر وصول الأسلحة لحكومة البوسنة, وبالتالي إتاحة الفرصة ولسنوات وشهور طويلة للصرب للمضي في حملة الإبادة والتدمير والاغتصاب التي شنوها ضد المسلمين هناك. لكنه في الوقت نفسه واضح أيضا في تحليل هذه السياسة ووضعها في إطار سياسي وفي دائرة صنع القرار وفق المصلحة البريطانية القومية, على رغم تخطئته لها, وعدم الانجرار بالتالي إلى "نظريات المؤامرة" والتحالف ضد المسلمين باعتبارهم كذلك.
إذن الاتهام والأسباب يمكن إيجازها كالتالي، بريطانيا أعاقت التدخل الدولي لردع الصرب في بدايات الحرب وعلى مدار أكثر من ثلاث سنوات لاحقة, وكانت وراء حظر الأسلحة على البوسنيين, ووقفت سياسيا مع فكرة "صربيا الكبرى" باعتبارها مفتاح الأمن الإستراتيجي في البلقان. لكن هذه السياسات كانت منطلقة من حسابات سياسية وجيوإستراتيجية ومن منظور السياسة الواقعية الصرفة التي تقدم مصلحة بريطانيا على كل شيء آخر كما كان يراها صانعو تلك السياسة آنذاك, وهم جون ميجور, رئيس الوزراء, ودوغلاس هيرد وزير الخارجية, ومالكوم ريفكند وزير الدفاع.
كان هذا في ما خص التهمة وإطارها العام, لكن التفاصيل التي يوردها سيمس في كتابه ترفع درجة حرارة القارئ, وتثير أكثر من الاستغراب والدهشة لبرودة السياسيين وفظاظتهم "الواقعية" عندما كانوا أول وأكثر المطلعين على المجازر اليومية التي يقترفها الصرب في القرى والمدن البوسنية, من قتل وحرق واغتصاب جماعي, في قلب أوروبا, ومع ذلك آثروا الصمت وعدم التدخل خشية أن يتداعى الوضع أكثر فأكثر ويفلت البلقان مرة أخرى كما أفلت قبيل الحرب العالمية الأولى وكان أحد المحفزات على اندلاعها.
” لقد ظلت بريطانيا لسنوات تقود طليعة المتخاذلين المتذرعين مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا بأن ليس هناك ما يمكن عمله من أجل وقف المذابح التي يقوم بها الصرب ضد البوسنويين، لكن هذا الزعم افتضح بشكل كبير عندما أرغمت العمليات العسكرية ميلوسوفيتش على توقيع اتفاق دايتون ” |
أما في ما خص الموقف الأوروبي خلال الحرب, فيقول سيمس إن بريطانيا ظلت لسنوات تقود طليعة المتخاذلين المتذرعين, مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا, بأنه ليس هناك ما يمكن عمله. لكن هذا الزعم افتضح بشكل كبير ووضح عجز هؤلاء وتخاذلهم عندما أرغمت العمليات العسكرية, التي قادتها الولايات المتحدة بعد انتظار طويل, ميلوسوفيتش على توقيع اتفاق دايتون عام 1995. وبعد ذلك بسنوات أثبتت أيضا الحملة العسكرية التي نظمها الحلفاء في كوسوفو, والتصميم على استخدام القوة لردع الصرب, أن هناك الكثير مما كان بالإمكان عمله, حيث قاد ذلك إلى هزيمة القوات الصربية التي كان الجميع يزعم أنها شديدة البأس ولا يمكن هزيمتها, فقد أرغمت على التراجع, بل وأدت الأجواء التي أعقبت تلك الحملة إلى اندلاع ثورة ديمقراطية بشكل سريع في بلغراد لم تتوقف إلا مع سقوط ميلوسوفيتش نفسه وخسارته للحكم.
"التشاؤم المحافظ" يقود السياسة الأوروربية
يستخدم سيمس عبارة "التشاؤم المحافظ" لوصف عقلية دوغلاس هيرد وزير خارجية بريطانيا الأسبقومالكوم ريفكند وديفد أوين, وهو الذي عين وسيطا دوليا خلال تلك الحرب, مع نظيره الأميركي سايروس فانس. وهؤلاء جميعاً تملصوا من تحميل الصرب مسؤولية البشاعات وبالغوا في تضخيم صعوبات التدخل في البوسنة. فقد كانت البوصلة السياسية التي انقاد وراءها أولئك هي: لا للتدخل العسكري في مستنقع البلقان. ومع أن كثيرا من السياسيين والمحافظين و"الخبراء" في الصحافة والمستشارين المهجوسين بما جرى ويجري في إيرلندا الشمالية والمرعوبين من شبح ما حصل في السويس وفيتنام كانوا يفصحون ليل نهار بإدانتهم التطهير العرقي وإدانة ما يقوم به الصرب, لم تتحول تلك الإدانة إلى فعل على الأرض ينقذ آلاف الأبرياء هناك.
يشرح سيمس بتفصيل كيف أن الخشية البريطانية من توسع النزاع, وكذلك الخشية من بروز تنافس أوروبي- أوروبي على الأدوار المفترضة والمتوقعة لكل بلد أو لكل طرف من الأطراف كانت وراء "التشاؤم المحافظ" الذي سيطر على عقلية صناع القرار البريطانيين خلال الحرب. وأسوأ من ذلك ما يحلله سيمس من أنه في تلك الحقبة, أي بدايات التسعينيات من القرن الماضي, وعلى إثر انهيار الاتحاد السوفياتي, كانت حكومة ميجور قد انخرطت في برنامج داخلي لتقليص الميزانية والنفقات الدفاعية, وليس زيادتها. وقد نظر إلى أي مقترح للتدخل في البوسنة على أنه معاكس لذلك البرنامج, خاصة أن تدخلا دوليا لا يمكن إلا أن تنخرط فيه بريطانيا بشريا وماديا. ومن هنا فإن أحد الأسئلة المهمة التي يطرحها سيمس هو: إلى أي حد كان قرار عدم التدخل في البوسنة خاضعا لاعتبارات تقليص النفقات العسكرية داخليا, وهل هذه الاعتبارات تبرر التضحية بموقع بريطانيا الدولي ومكانتها الأوروبية اللذين تعرضا للإذلال الشديد, كما يرى سيمس, بسبب التردد الفاضح تجاه وقف المجزرة الصربية بحق البوسنة؟.
” لم يتوقف وزير خارجية بريطانيا حينها عند تطبيق نظرية "لا للتدخل في البوسنة" بل إنه ذهب إلى حد أبعد من ذلك فبريطانيا لم تكتف بمجرد رفضها التصرف بحزم لحمل الصرب على وقف اعتداءاتهم ولكنها عمدت إلى الحيلولة دون قيام أحد بذلك ” |
غير أن الأسوأ من ذلك كله هو أن دوغلاس هيرد لم يقف عند تطبيق نظرية "لا للتدخل في البوسنة", بل إنه ذهب حدا أبعد من ذلك، فبريطانيا لم تكتف بمجرد رفضها التصرف بحزم لحمل الصرب على وقف اعتداءاتهم ولكنها عمدت إلى الحيلولة دون قيام أحد بذلك. ورغم أن الكاتب يرد هذا الموقف المتخاذل إلى "التشاؤم المحافظ" فإنه غير كاف في فضح خبث السياسات البريطانية. فقد واجهت بريطانيا المحاولات الأميركية الرامية إلى رفع حظر الأسلحة المفروض على الحكومة البوسنية بمعارضة عنيفة مغلفة بالأناقة اللفظية الإنجليزية المعهودة. وكان الأمر كذلك بالنسبة لفرض مناطق حظر للطيران أو تقديم العون للمناطق البوسنية أو عقد محاكمات جرائم حرب أو توفير حماية مسلحة لبعثات الإغاثة التي كانت بريطانيا تقف منها جميعا موقفا متعنتا في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وحسب تاديوز مازويسكي رئيس الوزراء البولندي في تلك الأثناء معلقا على كيفية إدارة الأزمة فإنه "كلما تبدت إمكانية في أي وقت من الأوقات لتطوير تحرك فعال, كان هيرد يتدخل لمنع ذلك".
الخلاف البريطاني-الأميركي
يناقش سيمس بإسهاب الخلاف البريطاني-الأميركي حيال موضوع ضرورة التدخل العسكري لوقف المذابح، فالموقف الأميركي صار يفقد صبره تجاه العجز الأوروبي الفاضح وعدم إيقاف الحرب البلقانية, وداخليا صار الرأي العام الأميركي يتعاطف أكثر فأكثر مع نظرية ضرورة التدخل العسكري. وتنامى موقف الرأي العام إلى درجة أن الرئيس بيل كلنتون لم يتردد في وضع الموضوع البلقاني على رأس أجندته في السياسة الدولية خلال حملته الانتخابية للرئاسة الأميركية ضد جورج بوش (الأب). لكن في المقابل فإن بريطانيا كانت حاسمة أمرها وترى, بعيون وزير خارجيتها العتيق دوغلاس هيرد, أن لندن وواشنطن وسائر العواصم الغربية لا يمكنها إصلاح العالم إذا كان هذا العالم مليئا "بالشر" وما لم يتوقف المحاربون أنفسهم عن الاقتتال فإنه من العبث القدوم من الخارج ومحاولة ردعهم عن طغيانهم. كان هذا الموقف بالطبع يعني إطلاق يد الصرب لتفعل ما تشاء في البوسنة, مع إبداء التحسر والأسف على من يموتون، لأن العالم المتحضر لا يستطيع عمل شيء. ومع تفاقم الحنق الأميركي على العجز الأوروبي صارت السياسة البريطانية تحاول لجم الاندفاع الأميركي ومنع واشنطن من التدخل, سواء عن طريق كسر حظر السلاح على البوسنة أو الضغط على الصرب. آنذاك نظر البريطانيون بخفة إلى الموقف الأميركي المتسرع, ورأوا أن الولايات المتحدة تنقصها "الخبرة التاريخية" في فهم البلقان, ولهذا فلم يكن ثمت دافع للإنجليز للنظر ثانية في موقفهم. كما أن إعادة النظر في الموقف قد تنطوي على فقدان ماء الوجه، خاصة أن ذلك الموقف المقيت ساد خلال سنوات الحرب الطويلة التي استمرت من أواخر عام 1991 وحتى منتصف عام 1995.
يقول سيمس إنه خلال الحرب كان البريطانيون المحافظون مثل رافضة الإغريق بالنسبة للأميركان أو الرومان أصحاب العيون المفتوحة على اتساعها, تستند على القناعة بأن لبريطانيا معرفة متفوقة تقوم على قناعة مفادها عقم محاولة إصلاح هذا العالم الشرير. ويتساءل المؤلف كيف يمكن لمالكوم ريفكند وزير الحرب البريطاني آنذاك, والذي لم يخض حربا في حياته قط, أن يجأر بعالي الصوت "أنتم أيها الأميركيون لا تعرفون أهوال الحرب" في وجه السيناتور بوب دول الذي فقد ذراعه في الحرب العالمية الثانية. وقال أحد الدبلوماسيين الأميركيين عن المسؤولين البريطانيين حينها "في العادة إن المسؤولين عندكم بالغو التهذيب, ولكنهم يتصرفون بجنون حيال هذا الأمر." ويذكر سيمس أن ذلك "الجنون" الذي أبداه المسؤولون البريطانيون دفع السيناتور جون مكاين في أحد الاجتماعات إلى حد الاقتراب من صفع رفكند. وكان وزير الحرب هذا قد ذهب إلى حد لم تذهب إليه تاتشر نفسها ملهمة حزبه عندما أغلق الحدود البريطانية في وجه اللاجئين البوسنيين وحاول تبرير ذلك بأن "للمدنيين تأثيرا على المقاتلين, فمراعاة مصالحهم تضع ضغطا على المجموعات المتحاربة وتدفعهم إلى السير في طريق السلام".
إخفاء الفارق بين المعتدي والمعتدى عليه
يناقش سيمس أيضا كيف أن السياسات الفاسدة رافقها تطور وبروز مفردات فاسدة أيضا. ويمتاز سيمس بقدرة ممتازة على توضيح ما أراد الخطاب البريطاني السياسي والأوروبي التعمية عليه, وهو إخفاء الفارق بين المعتدي والمعتدى عليه ومساواة الضحية بالجلاد. وهو يفكك أبعاد هذا الخطاب الذي ارتكز على مقولة أساسية، وهي أن الجميع سيئون في حرب البوسنة, وأن الجميع ارتكبوا جرائم بشعة, وبالتالي فليس هناك مجرم واضح وضحية واضحة, بل إن كل طرف من الأطراف يشار إليه بأنه "فئة من الفئات المتحاربة" والتي يوجد في داخل كل منها "أحقاد تاريخية". ويتناول سيمس كيف صار الإعلام الغربي يشير إلى الحكومة البوسنة العلمانية بـ"المسملين", بينما يشار إلى سائر الأطراف بنعوت لا دينية (الصرب, الكروات, إلخ ...). وهكذا فإن حرب البوسنة صارت في نظر الرأي العام الغربي وحشا غريبا لا وجه له, وهي جريمة نكراء يعتبر كل أطرافها ضحايا ومذنبين".
” كان الوسيطان الدوليان متناغما مع السياسة البريطانية حيث كانا يوفران للصرب أوقاتا كافية لفرض حقائق على الأرض ومن ثم يصار إلى نقل تلك الحقائق إلى خرائط التقسيم التي كان الوسيطان يقترحانها ” |
ووصل انحطاط المفردات, كما يصف سيمس, التي استخدمها البريطانيون تجاه الحرب في البلقان حدا من الخساسة غير مسبوق عندما وصفت كرستي وارك متحدثا كاثوليكيا كرواتيا بوسنيا على أنه "مسلم" في "نيوزنايت", البرنامج الإخباري المشهور على قناة الـ(BBC), وتجاهلت اعتراضه على ذلك وأكدت على أنه ليس ما عرف نفسه به.
يورد سيمس حقائق كثيرة أخرى, منها دور الوسيط ديفد أوين وزميله سايروس فانس, وهو دور تناغم وتطابق مع السياسة البريطانية حيث كان يوفر للصرب أوقاتا كافية لفرض حقائق على الأرض, ومن ثم يصار إلى نقل تلك الحقائق إلى خرائط التقسيم التي كان الوسيطان يقترحانها.
وما إن تطرح خطة تقسيم قائمة على خارطة ما حتى يقوم الصرب بتوسيع نطاق استيلائهم على أراض جديدة, وبالتالي يفرضون حقائق أخرى, و... خرائط جديدة. ويصف سيمس هذه الدورة غير المنتهية من التقسيم وإعادة التقسيم بأنها "بلقنة البقان". 