|
-اسم الكتاب: تأملات حول المنفى -المؤلف: إدوارد سعيد -ترجمة: ثائر ديب -عدد الصفحات:383 -الطبعة: الأولى 2004 -الناشر:دار الآداب, بيروت | |
وانعطف بعد حرب العام 1967 نحو الاستشراق والقضية الفلسطينية، فكان كتابه "الاستشراق"، وانخرط في حركة سياسية وثقافية كانت نيويورك أفضل من يعبر عنها في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وهي مستمدة من تغيرات ثقافية هائلة جعلت المغتربين والمهاجرين والمقتلعين من أوطانهم يعملون في محيط جديد، وجعلت الحزن والقلق والإبداع واحدة من أهم تجاربهم، على الرغم من أن تجارب لكتاب مثل سلمان رشدي وف. نايبول كانت قد وسعت شقة الباب الذي كان كونراد أول من فتحه.
كانت مرحلة الشباب لدى سعيد تشهد موجة كبيرة في محاولة إثبات للهويات التي تعرضت لقمع وتجاهل، واقتضى ذلك بطبيعة الحال مواجهة الإمبريالية الغربية، فكان كتابه "الثقافة والإمبريالية"، فقد فرضت الإمبريالية على من سيطرت عليهم تجربة تاريخية تمثلت بكل من الإخضاع والإقصاء، ولذا قصد من المقاومة الوطنية وإزالة الاستعمار كتجربة تاريخية أن تحقق التحرر والتئام الشمل، ومعظم ما سار على نهج خاطئ في تطور القومية اللاحقة كانت نتيجة مباشرة إما لنسيان هذه المعادلة المستنيرة أو لاطراحها.
وبقدر ما كان التحرر هو المعنى كانت فكرة التجربة التاريخية نفسها منطوية على إقرار بأن كلا من الشعوب المسيطرة والتابعة في الإمبريالية تتقاسم عمليا ذات العالم العلماني على نحو يتعذر اختزاله، وإذا ما كان الأمر كذلك فإنه ليس ثمة سوى فضاء ثقافي عالمي واحد، ملكية مشتركة للجنس البشري بأجمعه، وكذلك لغة كونية من الحقوق والمثل يشن فيهما النضال من أجل التحرر والتئام الشمل، وهذا الإقرار كان إلى حد ما يعكس الواقع القومي، أي أنك كسنغالي أو هندي إذا ما تعلمت في ظل الإمبريالية فإن الثقافة الإنجليزية أو الفرنسية ستكون بالضرورة جزءا من عالمك.
” لم تظهر فلسطين في هذا الكتاب رغم المقالات والمعالجات الكثيرة للمؤلف في هذا الموضوع إلا من حين لآخر على الرغم من أن تأثيرها يحس بطريقة غير مفهومة وغير مصوغة إلا على نحو ناقص ” |
يتيح النفي والهجرة والإمبراطورية برأي سعيد الحضور المنعش لواقع مبعد أو منسي كان خلال المائتي سنة الماضية قد سيطر على الوجود الإنساني بطرائق لا حصر لها، وهذه التجربة العامة والخاصة هي ما يحاول ذلك النوع من النقد والبحث الذي يقوم بهما في هذا الكتاب أن يستعيدها ويفهمها ويموقعها. وعني إدوارد سعيد أيضا بالموسيقى بوصفها فرعا غنيا وفريدا من فروع التجربة الجمالية.
ولم تظهر فلسطين في هذا الكتاب رغم المقالات والمعالجات الكثيرة للمؤلف في هذا الموضوع إلا من حين لآخر، رغم أن تأثيرها يحس بطريقة غير مفهومة وغير مصوغة إلا على نحو ناقص، وثمة أولا تلك الواقعة الواضحة المتمثلة بفلسطين كمنطقة جغرافية مهمة جدا، بوصفها موضوعا للإسقاط التخيلي والأيديولوجي والثقافي والديني، وبوصفها أيضا موضع صراع دائر على السيطرة، وفي تجربة المؤلف الخاصة كانت فلسطين متماهية على الدوام بحزن وبحزم مع الطرد والنفي.
وتلقي الغربة على الكاتب إحساسا بالنشاز والمسافة والتشتت وسنوات الضياع والحيرة، والإحساس الخطير الذي يجعل ما يجد المقيمون العاديون أن من اليسير والطبيعي القيام به أمرا خطيرا يتطلب من المنفي جهدا وتأنيا مفرطين، وإنفاقا للطاقة الفكرية في الإعادة والتكرار والتوكيد.
وتأثرت التجربة السياسية لسعيد بتغيرين كبيرين، أولهما المرض الشديد الذي اضطره لترك عالم الصراع السياسي الناشط، والآخر ناجم عن التحول التدجيني والرديء لما كان حركة للتحرير إلى كيان الضفة/ غزة المحدود على نحو بائس وسيئ الإدارة نتيجة "عملية السلام".
وكما أن المنفى بمقدروه أن يولد الضغينة والالتياع، فإنه أيضا بمقدوره أن يولد رؤية حادة وماضية، فما خلفه المرء وراءه يمكن أن يكون مثارا للندب والتفجع، كما يمكن أن يستخدم في توفير مجموعة مغايرة من العدسات، ولأن المنفى والذاكرة يسيران معا بالتعريف تقريبا، فإن ما يتذكره المرء من الماضي والكيفية التي يتذكره بها هو ما يحدد كيف ينظر هذا المرء إلى المستقبل. 
النثر والنثر القصصي العربيان بعد 1948
القراءة عملية معقدة، والرواية خاصة إن لم تقرأ قراءة اختزالية على أنها ضرب من ضروب الأدلة والشهادات الاجتماعية السياسية تورط القارئ فيها لا بسبب براعة الكاتب وحسب، بل وبسبب من الروايات الأخرى أيضا، فالروايات جميعا تنتمي إلى عائلة، وكل قارئ للروايات هو قارئ للعائلة المعقدة التي تنتمي إليها جميعا.
وفي الأدب العربي مجموعة غنية من الأشكال السردية، قصة قصيرة، سيرة، حديث، خرافة، أسطورة، خبر، نادرة، مقامة، ولم يصبح أي منها كما فعلت الرواية الأوروبية هو النمط السردي الرئيس، غير أن الحقيقة تبقى متمثلة في أن هنالك رواية عربية حديثة خضعت خلال القرن العشرين لتحولات متعددة ولافتة، ولقد أنتجت اليوم تشكيلة واسعة جدا من المواهب والأساليب والنقاد والقراء المجهولين إلى أبعد الحدود، أو الذين يتم تجاهلهم عمدا خارج الشرق الأوسط.
ومن المؤكد أن اللائمة في هذا الإخفاق المعرفي المؤسف يجب أن تلقى بقدر كبير على كون الهاجس الغربي الحاكم إزاء العرب ينحصر أو يكاد بكونهم مشكلة سياسية، غير أنه لم يعد اليوم ثمة مبرر لهذا الإخفاق، فقد بدأت ترجمات غاسيك المرهفة، كترجمة زقاق المدق لنجيب محفوظ، وأيام الغبار لحليم بركات، وترجمات دينس جونسون ديفيز تنال الرواج الذي تستحقه فعلا.
تمثل الفترة بين العامين 1948 و1967 مرحلة تاريخية مميزة في الرواية العربية، فقد كانت الهزيمة الكبرى التي سميت النكبة أساسا لمراجعات فكرية وثقافية كثيرة ومتعددة، وواقع سياسي وفكري جديد انخرط فيه بطبيعة الحال الكتاب والمثقفون.
” كانت الرواية العربية قبل العام 1948 تلخيصا تاريخيا، وتحولت بعد ذلك إلى رواية تطور اجتماعي وتاريخي، فقد كانت السمة الكبرى في معظم الروايات هي الصراع بين الشخصية الرئيسة وقوة خارجية ” |
كانت الرواية العربية قبل العام 1948 تلخيصا تاريخيا، وتحولت بعد ذلك إلى رواية تطور اجتماعي وتاريخي، فقد كانت السمة الكبرى في معظم الروايات هي الصراع شبه المأساوي بين الشخصية الرئيسة وقوة "خارجية" ما، وغدا صقل الصور والتفصيل فيها من الضرورات الأساسية لدى الكاتب، أو كما عبر رجاء النقاش في رسالة جدالية إلى نازك الملائكة فإن الكتابة لم تكن ولا يمكن أن تكون حرة، لأن عليها أن تضع نفسها في خدمة الحياة، وكانت هذه طريقة أخرى لمطابقة دور الكاتب مطابقة مباشرة مع إشكاليات المعاصرة العربية.
ولقد تفاقم دور الكاتب من جراء الصراع الداخلي الذي عاشه بين هويته المناطقية الخاصة وطموحه العابر للمنطقة، أو طموحه العربي- الإسلامي، غير أنه حتى في تلك التوكيدات المتباينة جدا على الهوية المناطقية، كما في شغل حسين
فوزي على الحضارة المصرية، أو شغل سعيد عقل على الشعرية اللبنانية، أو في أيديولوجيات حركات مثل الحزب القومي السوري والبعث تظل هنالك على الدوام تلك الشبكة من الظروف التي توقع في شراكها كل عربي من الجزائر إلى الخليج.
ونظرا لسطو هذه الشبكة فقد بدا أن المهمة الأولى هي على الدوام مهمة صنع الحاضر بطريقة تجعله مرة أخرى على تماس مع أصالة الماضي وإمكان المستقبل، وعادة ما كان يطابق بين الماضي والخسارة وبين المستقبل وانعدام اليقين، أما الحاضر فهو تجربة مستمرة، مشهد ينبغي الإفصاح عنه بكل موارد اللغة والرؤية، وحتى حين يكون هدف الكاتب هو تصوير الحاضر على أنه ضرب من النكبة، وخاصة بعد حرب 1967 فإن ما كان على الكاتب أن يؤكد عليه هو المشهد بوصفه شكلا للحاضر غير قابل للاختزال.
ويوجد تعقيد آخر، فكما أنه لم يكن ثمة رواية عربية تقليدية فإنه لم يكن ثمة دراما عربة فعلية، أو على الأقل لم يكن ثمة تقليد درامي مديد ومتواصل، غير أننا نجد منجزات درامية معتبرة، معظمها كما هو الحال في الرواية من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
فالمشهد ينطوي على شيء من الخروج على المألوف، يتفرد به الكاتب بالعربية، وما يشترك به المشهد الدرامي والنثري هو قبل كل شيء ذلك الإحساس بوجود فضاء متنازع عليه، فالكاتب يملأ الصفحات وخشبة المسرح بلغة تكافح من أجل الحفاظ على البقاء، ومثل هذا الموقف يؤدي إلى عواقب تقنية وجمالية محددة تماما.
فحين تكون الوحدة التأليفية هي المشهد، وليس المدة (الفاتحة والمنتصف والخاتمة) فإن الصلة بين المشاهد تكون واهية، وثمة في واقع الأمر ميل إلى الحدثية، وتكرار المشاهد، كم لو أن التعاقب الإيقاعي المتواتر للمشاهد يمكن أن يغدو بديلا للاستمرارية شبه العضوية.
وإنها لحقيقة لافتة أن الأعمال الناجحة الأساسية في الدراما والنثر الفنيين حتى قبل 1948 مثل الأيام لطه حسين ويوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم وكوميديات نجيب الريحاني، وأفلام كمال سليم، ونيازي مصطفى، وأعمال جبران خليل جبران، ورواية جبرا جبرا القصيرة صراخ في ليل طويل، هي من ناحية الشكل عبارة عن تعاقب المشاهد جمعت معا على طريقة اليوميات.
غير أن هذه الأعمال مبنية من مشاهد مشكلة على نحو منفصل وغير مترابط، يحدث فيها لعب متواصل للبدائل، فالدخولات والظهورات مثلا تلعب دور التأكيد الأنثولوجي، أما الغيابات والخروجات فتبدو بعكس ذلك على أنها تهدد بالانقراض أو بما يشبه الموت، فأن تكون في مشهد يعني أن تزيح الانقراض، أن تستبدل الحياة بالفراغ، وبذا يكون فعل الكلام والسرد والتلفظ نفسه ضمانة للفعلية أو التحقق، وهنا يتم إحياء التقليد الإسلامي الخاص بـ"الإسناد" ووضعه في خدمة غاية جمالية محددة.
بين عالمين
يتحدث المؤلف عن تجربة جوزيف كونراد الكاتب البريطاني من أصل بولندي، الذي كتب عنه كتابا ثم مقالة "تأملات في المنفى"، وقد استخدم سعيد نموذج كونارد مثالا لمن تبدو حياته وعمله تجسيدا لمصير المتجول، الذي يغدو كاتبا بارعا بلغة أخرى مكتسبة، لكنه لا يقوى مطلقا على زعزعة إحساسه بالاغتراب في موطنه الجديد، أي المكتسب.
والمثير للإعجاب في حالة كونراد أنه كان راضيا أشد الرضا عن أن يكون إنجليزيا، على الرغم من أنه لم يفقد لكنته البولندية الثقيلة.
ولكن من يدخل كتابته يلمس مباشرة جو الانخلاع وعدم الاستقرار والغربة، فما من أحد أمكنه أن يمثل مصير الضياع وفقدان الوجهة بأفضل مما فعل، وما من أحد كان أشد سخرية حيال السعي وراء تغيير ذلك الشرط بترتيبات وتكيفات جديدة تغري المرء بالوقوع في مزيد من الشراك كالتي يصادفها اللورد جيم، الشخصية الرئيسة في رواية كونراد والتي تحمل الاسم نفسه. 
” كان إدوارد سعيد يجد ذاته في أعمال كونراد الكاتب البريطاني من أصل بولندي، وهي تصور ضياع الوطن واللغة في المكان الجديد، وكأنها مسائل لا سبيل إلى معالجتها ” |
كان إدوارد سعيد يجد ذاته في أعمال كونراد وهي تصور ضياع الوطن واللغة في المكان الجديد، وكأنها مسائل لا سبيل إلى معالجتها، وعندما علم بإصابته بالسرطان في خريف العام 1991 وجد نفسه يكتب رسالة طويلة شارحة إلى أمه التي توفيت قبل سنتين، ليكتشف حياته التي ملأها بالعمل المتواصل ليكتشف أنها مثلما وصف كونراد.
ولد إدوارد سعيد في القدس، وتعلم هناك وفي مصر في المدارس الكولونيالية النخبوية التي أنشئت لربط النخب العربية ببريطانيا بروابط طبيعية، وكان فلسطينيا يدرس في مصر في مدرسة بريطانية، هي فيكتوريا كوليج، ويحمل جواز سفر أميركيا لأن والده هاجر منذ العام 1911 إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولكنه عاد ليعيش في فلسطين عام 1919، ويحمل اسما بريطانيا، ولكنه كان يشعر دائما باختلاط الهوية واللغة على نحو يتعذر فصمه.
ثم انتقل للدراسة في الولايات المتحدة، واتجه على غير عادة الطلاب العرب لدراسة اللغة، ما زاد في عزلته عن العرب، وبدأ التدريس بجامعة كولومبيا عام 1963، وربما بسبب سيرته من فكتوريا كوليج في الإسكندرية ثم الولايات المتحدة، ولأن والده متجنس أميركيا منذ الحرب العالمية الأولى كانت إدارة الجامعة تعتقد أنه يهودي من الإسكندرية.
ولأن طبيعة اهتماماته البحثية والدراسية كانت غير سياسية، فلم تظهر هويته العربية والفلسطينية إلا بعد العام 1967، ويبدو أن اشتغاله بتدريس الأدب الغربي أتاح له القبول في الجامعات الغربية والتغاضي عن نشاطه السياسي غير المرغوب فيه لدى الغرب، ولكن ذلك لم يمنع أن يتعرض للأذى والتشهير والاضطهاد، بل وإحراق مكتبه عام 1985.