ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
مواجهة الإرهاب الجديد

خدمة كمبردج بوك ريفيو
ما هو الإرهاب، وهل ثمّة تعريف له يمكن أن يكون أممياً ومتفقاً عليه, وبالتالي الاتفاق على سبل مواجهته؟ أليس من الأبجديات المفهومية أن يتم التفريق بين الإرهاب بوصفه عنفا أعمى موجها إلى المدنيين لغايات سياسية أو غيرها والصراع المشروع ضد الاحتلال العسكري لوطن من الأوطان؟ وإلى أي مدى يجوز الخلط بين الإرهابيين والمقاتلين في سياق حركات تحرر أو تحرير ضد قوى غاشمة وباغية؟ أم أن الحسابات السياسية ومصالح الأطراف الأقوى في المعادلة الدولية ستظل تصيغ المفاهيم والتعريفات والرؤى بحسب بوصلة مصالحها القومية والأمنية والاستراتيجية بعيداً عن أي إطار معياري وقيمي محايد أو شبه محايد على أقل تقدير؟

غلاف الكتاب

- اسم الكتاب: مواجهة الإرهاب الجديد
- المؤلف: عدة خبراء أميركيين
- عدد الصفحات: 153
- الطبعة: الأولى 1999
- الناشر: راند كوربوريشن- كاليفورنيا

هذه هي جملة من الأسئلة التي يخرج بها المرء بعد قراءة هذا الكتاب الذي هو خلاصة أفكار وأبحاث أهم خبراء "الإرهاب" في الولايات المتحدة, سواء في دوائر البحث والأكاديميات أو دوائر السياسة والاستراتيجيات, من أمثال إيان ليسر، وبروس هوفمان, وديفد رونفلت, وجون أركويلا, ومايكل زانيني. هؤلاء الخبراء ينطلقون في مدخلاتهم من قاعدة البحث فيما إن كان "الإرهاب الجديد" يشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة تحديداً أم لا, وكيف تتم مواجهته. وبالتالي فهم يقدمون إلى صانع السياسة في البيت الأبيض توصيات استراتيجية بشأن كيفية التعامل مع ما يرونه خطراً يتزايد في وجه الولايات المتحدة ويعرض مصالحها للخطر في أرجاء المعمورة.

ورغم أن هؤلاء الخبراء يحاولون ربط المواجهة برؤية "معولمة" هدفها أمن وسلام العالم وخاصة الحلفاء الغربيين, فإن المصلحة الأميركية البحتة هي التي تسير النقاش وتحدد المعالم وترجح الخيارات. ومن هنا الاختلاف الكبير مع هؤلاء الخبراء حول تعريفات الإرهاب ومحاولة وصم كل حركة أو منظمة أو فعل يعارض السياسة الأميركية بالقوة بالإرهاب.

لكن فلنبدأ من البداية لنتابع ما المقصود أولاً بـ "الإرهاب الجديد" وما الفرق بينه و"الإرهاب القديم"؟ في الإجابة على هذا التساؤل علينا أن نذكر أن المؤسسة الناشرة لهذا البحث (راند كوربوريشن) هي أهم مركز بحث قريب ومؤثر في صناعة السياسة الخارجية الأميركية في مجال الأمن والاستراتيجيات. وقد انخرطت هذه المؤسسة في مشروع بشأن "الإرهاب" في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي إثر تكليف من الرئيس الأميركي نيكسون بعد عملية هجوم الجيش الأحمر الياباني في مطار اللد في إسرائيل, وعملية ميونخ للفدائيين الفلسطينيين، وكلا العمليتين وقعت سنة 1972. كان الدافع الأساسي وراء التكليف هو دراسة الظاهرة الجديدة, أي استخدام العنف ضد المدنيين كشكل من أشكال الحرب. بعد ذلك ظل موضوع الإرهاب يأخذ بعداً مركزياً في اهتمامات الإدارة الأميركية وبالتالي مراكز البحث والتفكير التابعة أو القريبة منها. فإبان عقود السبعينيات والثمانييات والتسعينيات تعرضت المصالح الأميركية في العالم لاعتداءت كثيرة مثل خطف الدبلوماسيين ومحاصرة السفارات وخطف الطائرات وغير ذلك. وكانت الوسائل المستخدمة في العنف الذي تبنته أطراف معادية للولايات المتحدة لا تتجاوز الأسلحة والمتفجرات التقليدية.


ما يقلق خبراء الأمن الأميركي هو إمكانية انتقال العنف من مجال استخدام الوسائل التقليدية إلى مجال الأسلحة غير التقليدية, وتحديداً النووية أو الكيماوية أوالبيولوجية ضد المصالح الأميركية
أما في الوقت الراهن فإن ما يبحثه هذا الكتاب وما يقلق استراتيجيي الأمن الأميركي هو إمكانية انتقال ذلك العنف من مجال استخدام الوسائل التقليدية إلى مجال الأسلحة غير التقليدية, وتحديداً النووية أو الكيماوية أوالبيولوجية، وذلك من أجل تهديد مصالح أميركية. ومن هنا فإن "الإرهاب الجديد" بالتعريف الأميركي ينطوي على "احتمالية" معينة في أن ينتقل "الخبراء الإرهابيون" إلى مجال عمل جديد. ينطوي التعريف الجديد أيضاً على قدرة من تراهم واشنطن إرهابيين على استخدام التكنولوجيا الحديثة في الاتصالات خاصة عن طريق الكمبيوتر والإنترنت. والأهم من ذلك هو إمكانية تجميع كل عناصر العنف والآثار السياسية والنفسية التي تحدثها في إطار استراتيجية عقلانية يعمل على تركيبها "الإرهابيون" بما يعني مضاعفة الأثر وإحداث تغيير في الاتجاه المطلوب بحسب الأجندة التي يتبناها أولئك.

يحظى الشرق الأوسط و"إرهابيوه" بطبيعة الحال وكما هو متوقع بنصيب كبير من التحليل والمتابعة. ففي نهاية المطاف كان مشؤ برنامج راند بشأن الإرهاب القلق على مصالح إسرائيل والولايات المتحدة معاً في الشرق الأوسط. وتتسع دائرة المنظمات الإرهابية الشرق أوسطية (ص 58 وما بعدها) لتشمل فصائل عدة في منظمة التحرير الفلسطينية وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والمنظمات الإسلامية المسلحة في مصر والجزائر, وليس بينها أي منظمة إسرائيلية بالطبع.

وفي الوقت الذي يتوسع فيه الباحثون في دراسة أساليب عمل المنظمات الإسلامية وطرائق عملها وعلائقها من أفغانستان وحتى الشيشان, بما في ذلك استخدامها للمعلوماتية (ص 64), فإن التحليل لا يناقش دوافعها ولا أسباب انطلاقها بالعمق الكافي, فتبدو للقارئ وكأنها منظمات عمياء لا هدف لها إلا إراقة الدماء. وهذا النهج الذي يركز على "العمل والفعل" أكثر من "الدافع أو السبب" هو في الواقع خلل يعود إلى تعريف "الإرهاب" الذي يسود في الدوائر الأميركية. وهذا التعريف منحاز أصلاً بكونه -كما ألمحنا- محصور بالمصلحة القومية الأميركية والدفاع عنها, لكن ما يتفرع عنه هو محاولة التعريف للتخلص من الجدل الضروري حول "عدالة" القضية التي تدفع مجموعات أو منظمات أو أفرادا للموت. فالتعريف يقول إن التركيز يجب أن يكون على "طبيعة العمل" وليس "طبيعة القضية" لأن الاستغراق في السجال حول طبيعة القضايا لن يقود إلى خلاصات حيث إن لكل قضية عدة تفسيرات وكل طرف سوف يتبنى تفسيراً خاصاً به, وبهذا تختلط "عدالة القضية". لكن هذا التبرير هو هروب إلى الأمام ومحاولة للتخلص من المسؤولية الأخلاقية التي يفرضها النقاش الموضوعي على قاعدة "عدالة القضية" المعنية أو عدمها. صحيح أن لكل قضية أو أمر في الحياة عدة أوجه, لكن هناك جوهرا أساسيا في القضايا الكبرى في العالم الذي نعيشه يحدد وجه العدالة في كل قضية مهما كانت شائكة إذا ما نوقش هذا الجوهر بحد أدنى من المسؤولية الإنسانية المتجردة ولو للحظات بسيطة عن مصالح السياسة الوحشية. فمن دون الانخراط في جدل عدالة القضايا فإن تعريف "الإرهاب" والإرهابيين" سوف يساوي -بل فعل ذلك وساوى- بين نيلسون مانديلا والمجرم الأميركي الذي فجر مركز التجارة العالمي في أوكلاهوما, وبين ياسر عرفات ورئيس منظمة أومو الدينية اليابانية التي نشرت الغاز السام في أنفاق القطارات بطوكيو.

بل إن الوصل العضوي بين طبيعة العمل والدافع هو بالذات ما تتبناه واشنطن لتبرير سياساتها الوحشية والتي يمكن أن يطبق عليها تعريف الإرهاب بوصفها تستهدف مدنيين عزلا في أكثر من مكان في العالم. فمن المعروف أن واشنطن تبرر قسوة العقوبات الاقتصادية على العراق وما يدفعه المدنيون هناك جراء تلك العقوبات بل وموت مئات الألوف بسببها, بربطها ذلك بـ"الدافع" الذي هو إسقاط صدام حسين أو غيره من الغايات السياسية. والأمر نفسه -أي تأكيد الربط بين طبيعة رد الفعل والدافع له- كان قد تم في فيتنام وبنما وغير مكان في العالم. ومن هنا فإن "الفصل" التعسفي بين "طبيعة العمل الإرهابي "والمسبب له هو فصل سياسي أيدولوجي وليس أكاديميا بحثيا محايدا.


هل الإرهاب مقصور على الدول والمنظمات والأفراد الذين يقفون على الجانب الآخر من السياسة الأميركية؟  وماذا يمكن أن يقال عن الدعم الأميركي للأنظمة التي تتبنى سياسة إرهابية ضد مواطنيها حيث القمع والسجن والإبادة

والأمر المرتبط بكل ما سبق, ومن وجهة نظر من تعاديهم واشنطن في كل مكان, هو التغاضي عن إرهاب الدولة حين يكون هذا الإرهاب متماشياً مع المصلحة الأميركية وخادماً طيعاً لها. فهنا مثلاً لا نجد أي ربط بين ما تقوم به حماس أو حزب الله أو المنظمات الفلسطينية أو اللبنانية الأخرى مع ما تقوم به إسرائيل من وحشية واعتداء واستمرار احتلال, بل وإرهاب يندرج بكل مباشرة تحت خانة استهداف المدنيين من قبل آلة عسكرية وحشية كما حدث في صبرا وشاتيلا وقانا وكما حدث في الانتفاضة الفلسطينية الأولى ولايزال يحدث في الثانية حتى هذه اللحظة. فهل الإرهاب مقصور على الدول والمنظمات والأفراد الذين يقفون على الجانب الآخر من السياسة الأميركية؟ ثم ماذا يمكن أن يقال عن الدعم الأميركي للأنظمة التي تتبنى سياسة إرهابية ضد مواطنيها حيث القمع والسجن والإبادة؟ أوليس هذا الدعم شبيها بالدعم الذي توفره أنظمة أخرى لمنظمات معادية للولايات المتحدة وتعتبرها واشنطن "دولاً مارقة"؟

بكلمة مختصرة, لا تستطيع كل البرامج البحثية لمؤسسة راند وغيرها من مراكز الدراسات الاستراتيجة أن تغير من حقيقة واحدة هي أن عدالة أي قضية تظل أعمق وأكثر أثراً من أي جدل نظري بشأن ما تعتبره واشنطن "إرهابا" سواء كان جديدا أم قديما.

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
شارك
شارك
اتهام أممي لدمشق بجرائم ضد الإنسانية
النصر: مشروع قرار عربي بشأن سوريا
43 قتيلا بقمع الاحتجاجات في سوريا
كلينتون: ندعم المبادرة العربية بشأن سوريا

تحليلات|كتب|وجهات نظر|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2010

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2012م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)