عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
الولايات المتحدة ليست قوة إمبريالية, ولا هي قوة استعمارية رغم امتلاكها قدرات هائلة تمكنها من أن تكون كذلك. وهي لم تمارس الاحتلال والاستعمار كما مارسته القوى الإمبراطورية المشابهة السابقة مثل بريطانيا العظمى وفرنسا والبرتغال وإسبانيا.
|
-اسم الكتاب: الصرح: ارتقاء وسقوط الإمبراطورية الأميركية -المؤلف: نايل فيرغسون -الطبعة: الأولى 2004 -الناشر: ألن لين، بريطانيا العظمى | |
هذا الاعتقاد هو ما ترسخ في الذهنية الأميركية الجماعية, عبر عقود طويلة من السنين. وبناء عليه, فإن كل التدخلات الأميركية العسكرية الخارجية والاعتداءات والاحتلالات سواء في أميركا اللاتينية, أم في الهند الصينية أو في فضاء المحيط الباسيفيكي لم يكن هدفها سوى نشر الحرية, أو وقف تقدم الشيوعية, أو دعم الديمقراطية.
هذا الاعتقاد يتعرض لنقد لا يرحم في كتاب "الصرح: صعود وسقوط الإمبراطورية الأميركية", من تأليف نايل فيرغسون المؤرخ البريطاني وأستاذ التاريخ العالمي في كلية ستيرن بجامعة نيويورك. فبالنسبة لفيرغسون لم تكن الولايات المتحدة ومنذ نشأتها سوى إمبراطورية إمبريالية بالمعنى الحرفي للكلمة.
اختبار البطة والدعوة للإمبراطورية
بداية يشير فيرغسون, بنوع من السخرية, إلى حادثة بسيطة: بينما كان يحاول إيضاح وجهة نظره ذات يوم، لجأ ديك دارمان، مدير خزينة جورج بوش الأب إلى استعارة اكتسبت من يومها شهرة عالمية.
قال دارمان إذا كنت في ريبة من أمر ما فما عليك إلا أن تخضعه لاختبار البطة. "فإذا وجدته يبدو كما تبدو البطة، ويسير كما تسير البطة، ويتكلم كما تتكلم البطة، فعندها يكون من المحتمل أن يكون بطة".
|
” باول: الولايات المتحدة لا تسعى إلى إقامة إمبراطورية على الأرض، فنحن لم نكن أبدا إمبرياليين. لكننا نسعى إلى إقامة عالم تصبح فيه الحرية والرخاء والسلام ملكا لكل الشعوب وليس مجرد امتياز خاص للأقلية ” |
اليوم نجد أن ابن بوش الأب بات يعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تجتاز اختبار البطة أمام كل من يريد أن يعرفها كإمبراطورية, رغم كل ادعاءاته أو ادعاءات أركان إدارته التي تزعم العكس. فجورج دبليو بوش يزعم أن "أميركا لم تكن مطلقا إمبراطورية". ويقول وزير دفاعه دونالد رمسفيلد "إننا لم نكن أبدا دولة استعمارية, إننا لا نخرج بجنودنا إلى أنحاء العالم في محاولة للاستحواذ على ما لشعوب أخرى من موارد وأراض ونفط. إن هذا بالضبط هو ما تحجم الولايات المتحدة عن فعله. وهو ما لم نفعله ولن نفعله".
"فهذه ليست الطريقة التي تتصرف بها الديمقراطيات. إنها الطريقة التي تصرفت بها دول تسعى لبناء الإمبراطوريات كالاتحاد السوفياتي. لكنها ليست الطريقة التي تتصرف بها الولايات المتحدة". أما وزير الخارجية الأميركي كولن باول فيؤكد قائلا "إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إقامة إمبراطورية على الأرض. فنحن لم نكن أبدا إمبرياليين. لكننا نسعى إلى إقامة عالم تصبح فيه الحرية، والرخاء، والسلام ملكا لكل الشعوب، وليس مجرد امتياز خاص للأقلية".
لكن مؤلف كتاب "الصرح" لا يخامره شك في كون الولايات المتحدة إمبراطورية بحق وحقيقة. لكن فيرغسون لا يحاول تأكيد إمبراطورية الولايات المتحدة من موقع ناقد لهذه الصفة, بل مؤيد ومناصر لها, وأكثر من ذلك معاتب للولايات المتحدة لأنها تقف في منتصف الطريق من دون استكمال مشروعها الإمبراطوري بجعله إمبراطورية ليبرالية, كما سيأتي لاحقا.
يقول فيرغسون ".. من حيث المبدأ، ليس لدي أي اعتراض على قيام إمبراطورية أميركية. بل إن جزءا من حجتي يقوم على أن أنحاء كثيرة من العالم يمكن أن تفيد من خضوعها لفترة من الحكم الأميركي. لكن ما يحتاجه العالم اليوم هو ليس أي شكل كان من أشكال الإمبراطورية".
"فالمطلوب هو إمبراطورية ليبرالية، أي ذلك النوع من الإمبراطوريات الذي لا يكتفي بالتأكيد على التبادل الدولي الحر للسلع، واليد العاملة ورأس المال، وإنما يخلق -إلى جانب ذلك- الشروط التي لا يمكن بدونها للأسواق أن تؤدي وظائفها وهي: السلام، والنظام، وحكم القانون، والإدارة المنزهة عن الفساد، والسياسات النقدية والمالية المستقرة إضافة إلى توفيرها للمنشآت العمومية مثل البنية التحتية للمواصلات، والمستشفيات، والمدارس، التي لا يمكن لها أن تقوم بدونها".
غير أن فيرغسون في تحليله لا يعكس ذلك الليبرالي الذي يمكن الاستناد إلى "عدالة" آرائه وسلامتها من الانحيازات. يكفي قراءة معالجته السطحية, إن لم نقل السخيفة, لبعض جوانب "الإرهاب الفلسطيني والدعم العربي له" خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي, وخلو تلك المعالجة من أي خلفية أو إطار يشير إلى أن هناك احتلالا ظالما وباطشا قامت به دولة أنشئت على الغصب والقهر. لذلك, فإن الإمبراطورية الليبرالية التي ينادي بها فيرغسون ليست سوى إمبراطورية جورج بوش التي ينتقدها.
قدرات الإمبراطورية
يشير فيرغسون إلى القدرات الاقتصادية والعسكرية الهائلة للولايات المتحدة. فقد كان للولايات المتحدة، قبل قيامها بإرسال القوات لغزو العراق، 732 منشأة عسكرية في أكثر من 130 دولة. وتعادل ميزانية وزارة الدفاع الأميركية مجموع ميزانيات الدفاع في الدول الـ12 أو الـ15 التي تليها، ويشكل الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة 40 إلى 45% من مجموع الإنفاق العسكري لكل دول العالم الـ189.
ولدى الولايات المتحدة من الدبابات ما يفوق ما لدى أي دولة أخرى، إضافة إلى كونها الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك "الحاملات الفائقة" التي يبلغ عددها تسع حاملات وطائرات "الشبح" غير المرئية التي تمتلك ثلاثا منها.
عبر الكتاب يتعرف القارئ على محاولات فيرغسون العديدة لمقارنة الإمبراطورية الأميركية بسابقتها الإمبراطورية البريطانية وعرض نقاط الاختلاف بينهما فيما يتعلق بدور الاثنتين كقوة عالمية مهيمنة.
” سيادة الثقافة الأميركية أمر لا يكاد يوجد من يشكك فيه، وكفى بـ"استعمار الكوكا كولا" شاهدا عليه. أما مطاعم "ماكدونالدز" فإن عددها قد فاق الثلاثين ألف مطعم في 47 دولة وموقعا ” |
يقول لنا فيرغسون إن "مجموع الناتج الإجمالي المحلي الأميركي عام 2002، محسوبا بالسعر الدولي للدولار ومعدلا تبعاً للقوة الشرائية المتناظرة، قد قارب ضعفي الناتج الإجمالي المحلي للصين، وتجاوز نسبة الخمس (21.4%) من مجموع الناتج العالمي، وزاد على الناتج الياباني والألماني والبريطاني مجتمعين. وهذا يتجاوز بما يزيد على الضعفين النسب العليا التي حققتها حصة بريطانيا العظمى من الإنتاج العالمي عندما كانت إمبراطورية تهيمن على الأسواق العالمية, وبقدر تعلق الأمر بكل من الإنتاج والاستهلاك، فإن الولايات المتحدة تعتبر إمبراطورية أغنى بكثير مما كانت عليه الإمبراطورية البريطانية في أي يوم من أيامها".
أما سيادة الثقافة الأميركية فأمر لا يكاد يوجد من يشكك فيه. وكفى بـ"استعمار الكوكا كولا" شاهدا عليه. أما إذا أردت الاستشهاد بمطاعم "ماكدونالدز" فإن فيرغسون يخبرك بأن عددها قد فاق الثلاثين ألف مطعم تعمل في 47 دولة وموقعا على امتداد العالم، وأن أقل من نصف هذا العدد فقط موجود داخل الولايات المتحدة.
الأميركي الكسول؟
على صعيد آخر يتناول فيرغسون مسألة أخرى. فمنذ زمن طويل والمبشرون الأميركيون ينشطون في أميركا اللاتينية. وقد بدؤوا مؤخرا التفكير في الخروج من الإطار الأميركي. ويخبرنا فيرغسون بأن أولئك المبشرين صاروا يوجهون اهتمامهم إلى الملايين "غير الإنجيلية" التي تشغل الأراضي الممتدة ما بين خطي العرض العاشر والرابع عشر والتي يطلق عليها المبشرون اسم "نافذة الفرصة".
وتشير معلومات مركز دراسة المسيحية العالمية في معهد غوردون-كونويل للاهوت في مدينة ساوث هاملتون بولاية ماساشوستس الأميركية إلى أن عدد المبشرين المسيحيين الذين يتوجهون إلى الدول الإسلامية قد تضاعف منذ عام 1982، حيث ازداد هذا العدد من 15 ألفا في ذلك العام إلى 27 ألفا، وأن نصف هؤلاء من الأميركيين.
لكن الغالبية العظمى من المواطنين الأميركيين الذين لا يعانون من حمى الحماس التبشيري يفضلون البقاء في موطنهم. فمعظم الأميركيين لا يتطلعون أبدا إلى مغادرة بلدهم والسفر إلى الخارج.
فهم شعب مهاجرين وقد تحملوا هم أو آباؤهم الكثير من أجل الوصول إلى الأرض الموعودة. وهم بعد أن وصلوها واستوطنوا فيها لا يفكرون في مغادرتها أبدا. ولهذا السبب بالذات فإن أميركا تنفرد في كونها الإمبراطورية التي ليست لديها وجهة تقصدها. وبالمقارنة مع الإمبراطورية البريطانية، نجد أن الأخيرة قد أرسلت صفوة أبنائها لتطوير البلاد التي حكمتها.
أما اليوم فإن النخبة من المتخرجين من الجامعات الأميركية يركزون طموحهم على المناصب اللامعة في مجالات العمل داخل الوطن، ولا يتطلعون إلى الاضطلاع بمهام الحاكم الإمبراطوري في أي جزء من العالم.
يقول فيرغسون "قبل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الإرهابية بقليل، أخبرني موظف سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بأن الوكالة قد لا تملك ضابطا واحداً يجيد التكلم بالعربية وينحدر من أصول شرق أوسطية يمكنه أن يلعب على نحو مقنع دور الأصولي الإسلامي ويكون مستعدا للتضحية بسنوات من عمره يقضيها بدون نساء في جبال أفغانستان يعيش على طعام منفر". ثم استدرك ذلك الموظف قائلا "إن معظم ضباطنا يعيشون في ضواحي ولاية فرجينيا. ونحن بحق المسيح لا نقوم بذلك النوع من الأعمال".
في كتابه "العباءة الخضراء" (1916) يضع جون بوكان -كاتب روايات الصبيان المثيرة عن الإمبراطورية البريطانية- مليونيرا أميركيا بدينا وميالاً للنوم إزاء ساندي أربوثنوت المستشرق الناشط القادر على أن يقدم نفسه كمراكشي في مكة وكهندي من الباثان في بيشاور. وتبعاً لما نقرؤه في الكتاب، فإن "الأميركي لم يكن قد عرف في حياته ما هو أكثر إثارة وعنفا من مشهد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة". لكن وجهة نظر فيرغسون هذه خاضعة للجدل ولا تبدو عميقة بما فيه الكفاية.
” لم تكن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 كافية لإثارة شهوة الأميركيين لبناء إمبراطورية, ولن يتحقق ذلك إلا إذا غيّر الأميركيون على نحو جذري موقفهم من العالم الذي يقع خارج حدودهم الجغرافية ” |
فالأميركي في عهد إمبراطوريته, ليس بحاجة بالفعل لأن يجوب العالم الخاضع مباشرة أو غير مباشرة لحكمه, كما كان يفعل الإمبراطوري البريطاني أو الفرنسي. فالحال قد تغير ووفرت التكنولوجيا الحديثة والمواصلات والاتصالات قدرة هائلة للإمبراطورية الأميركية للتمكن من السيطرة عن بعد, ومن دون الاحتياج الملح للسفر والوجود الفعلي في المناطق النائية كما كان الحال في السابق.
إضافة إلى ذلك فإن البلدان والشعوب الخاضعة للفضاء الإمبراطوري الأميركي هي التي تتوجه إلى العنوان الرئيسي للإمبراطورية بحثا عن الفرص والمال والشهرة, وبالتالي تكريسا للإمبراطورية وخدمة لها.
ربما جاز القول إن عكس الملاحظة التي ذهب إليها فيرغسون هو بالضبط ما يشير إلى البعد الإمبراطوري في حاضر الولايات المتحدة. فهي المكروهة عالميا لكنها في الوقت ذاته الحلم الذي يداعب مخيلات مئات الملايين من البشر ويتمنون الوصول إليه.
شهية نحو الإمبراطورية أم عزوف عنها؟
لا شك أن الأميركيين قد شهدوا منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ما هو أكثر إثارة وعنفا من انتخاباتهم الرئاسية، ولكن هل ما شهدوه يكفي لإثارة شهيتهم لبناء إمبراطورية على الطراز البريطاني؟ يجيب فيرغسون بالقول "لا يبدو ذلك محتملا إلا إذا غيّر الأميركيون على نحو جذري موقفهم من العالم الذي يقع خارج حدودهم الجغرافية".
وما لم توجد أعداد أكبر من الأميركيين المستعدين بل المتلهفين لحمل عبء بناء الدولة، فإن مشاريع مثل احتلال العراق ستظل في حاجة إلى واحد من مكوناتها الأساسية.
ذلك أن الدرس الذي تقدمه الإمبراطورية البريطانية واضح وصريح: فأنت بكل بساطة لا تستطيع أن تقيم إمبراطورية بدون إمبرياليين يندفعون إلى إدارتها حيث ما هي بعيدا عن الوطن الأميركي". لكن هذه الخلاصة, وكما هي معالجة الكتاب الرئيسية تظل هي نفسها محل نقاش وخلاف.