بقلم/ د. صباح نعوش*
- التأسيس والأعضاء
- مراحل تطبيق اليورو
- عوامل قوة اليورو
- تأثير السياسة في اليورو
- وظائف استخدام اليورو عملة دولية
- آثار استخدام اليورو أوروبيا
- آثار استخدام اليورو عربيا
يمثل الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي أعلى درجات الاندماج على صعيد التكتلات الإقليمية في العالم، فقد بلغ آخر مرحلة من مراحل تطوره وهي تداول العملة الموحدة "اليورو". ترى ما هي انعكاسات هذا التطور على الساحة الدولية وبلدان الاتحاد والأقطار العربية؟
التأسيس والأعضاء
تأسس الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي (منطقة اليورو) بموجب اتفاقية ماستريخت عام 1992. ويتطلب الانتماء إلى هذا الاتحاد الموافقة على الاتفاقية بالاقتراع العام كقاعدة عامة، كما يتعين أن تستجيب الدولة لمعايير التقارب الأربعة:
- ألا يكون معدل التضخم مرتفعاً بحيث يهدد استقرار أسعار السلع والخدمات.
- تقليص أسعار الفائدة حتى يمكن للقطاع الخاص زيادة استثماراته.
- ألا يتعدى الحجم الأقصى للديون 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
- ألا يزيد عجز الميزانية على 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
وحسب ميثاق الاستقرار والنمو الذي وافق عليه مؤتمر قمة دبلن عام 1996 بات من الضروري احترام هذه المعايير بصورة مستمرة وإلا تعرض البلد المخالف لغرامات مالية كبيرة.
وتطبيقاً لهذه المعايير واستناداً إلى نصوص الاتفاقية تم قبول جميع البلدان المرشحة لعضوية الاتحاد الاقتصادي والنقدي باستثناء اليونان، فأصبح عدد أعضاء الاتحاد 11 دولة. أما الدول التي لم تتقدم بطلب العضوية فهي السويد والدانمارك وبريطانيا وتعامل عملاتها معاملة العملات الأخرى كالدولار من حيث أسعارها التعادلية مقابل اليورو، أي حسب السوق.
ورغم أن بريطانيا خارج منطقة اليورو فإن اتفاقية ماستريخت منحتها حق الانضمام عندما تزول الأسباب التي تحول دون ذلك. وحسب تقدير المعارضين البريطانيين تتضمن العملة الموحدة عدة مساوئ، فهي تحول الاختصاصات النقدية إلى جهاز أوروبي مركزي، وبالتالي تفقد الدولة مظهراً أساسياً من مظاهر سيادتها. كما يقود الانتماء للمنطقة إلى فقدان سلاح خفض قيمة الجنيه الإسترليني الذي يستخدم لتنمية الصادرات وتحسين مستوى العمالة. ومن زاوية أخرى لا يوجد استعداد لتعديل نظام صنع القرارات النقدية، فلا يتمتع بنك إنجلترا بصلاحية تغيير أسعار الفائدة على الجنيه بل يقدم مقترحاته للحكومة التي تتخذ القرار بهذا الشأن، ويتناقض هذا النظام مع اتفاقية ماستريخت التي تؤكد ضرورة عدم تدخل الحكومات في القرارات النقدية. ونجاح إطلاق اليورو يجعل بريطانيا أمام خيار صعب، فمن ناحية لا ترغب في الانتماء للاتحاد الاقتصادي والنقدي للأسباب المذكورة، ومن ناحية ثانية سيتعذر عليها تحقيق مكاسب اقتصادية كان من المؤكد تحقيقها لو كانت داخل منطقة اليورو.
مراحل تطبيق اليورو
” تعتبر منطقة اليورو أكبر قوة تجارية في العالم لا تنافسها أية دولة أو مجموعة. من هذا الجانب ومن الزاوية المنطقية سيصبح اليورو العملة الدولية الأولى ” |
يمر اليورو بفترتين:
الفترة الأولى: بدأت في مطلع عام 1999 واستمرت لغاية نهاية عام 2001، وفي هذه الفترة يعتبر اليورو عملة رسمية لكنها حسابية، أي غير متداولة. وقد كان من اللازم في بداية هذه الفترة تحديد سعر نهائي لا يقبل المراجعة لتعادل العملات الوطنية مع العملة الجديدة، وباتت هذه العملات "التعبير الفرعي لليورو"، فالمارك الألماني ليس سوى 0,511 يورو والفرنك الفرنسي ليس سوى 0,152 يورو وهكذا.
الفترة الثانية: بدأت اعتباراً من مطلع عام 2002 ليصبح اليورو عملة متداولة بشكل أوراق نقدية بسبع فئات من 5 إلى 500 يورو، وبشكل قطع معدنية بثماني فئات من سنت واحد -وهو الجزء المئوي للعملة الموحدة- وإلى 2 يورو. ويتزامن طرح اليورو مع سحب العملات الوطنية تدريجياً لغاية اليوم الأخير من شهر يونيو/حزيران 2002، ولكن يمكن اختصار هذه المدة، ففي فرنسا مثلاً سيختفي الفرنك من التداول في 17 فبراير/شباط المقبل. وبعد انتهاء الأجل المحدد للسحب يصبح اليورو العملة الوحيدة المتداولة في الاتحاد الاقتصادي والنقدي، أما العملات الوطنية التي لم تسحب فلا يمكن استبدالها إلا في البنوك المركزية، وتسقط بعد مضي عشر سنوات بالنسبة للفئات الورقية وسنة واحدة للقطع المعدنية.
عوامل قوة اليورو
تعتبر منطقة اليورو أكبر قوة تجارية في العالم لا تنافسها أية دولة أو مجموعة. من هذا الجانب ومن الزاوية المنطقية سيصبح اليورو العملة الدولية الأولى تحت شرط واحد وهو موافقة الدول خارج الاتحاد على استخدامه في مبادلاتها. الموافقة آتية لا ريب فيها بسبب الاستقرار الذي سيتمتع به اليورو مقارنة بالدولار، ويتأتى الاستقرار من وضع الموازين الخارجية ومن السياسة النقدية، فالموازين التجارية لدول الاتحاد تتسم بالفائض البالغ 61 مليار دولار الأمر الذي يعزز قيمة اليورو، في حين يعاني الميزان التجاري الأميركي من عجز مزمن بلغ 476 مليار دولار، كما يعتمد البنك المركزي الأوروبي على سياسة صرف مستقرة.
يشترط البعض الوحدة السياسية لنجاح العملة الدولية، فالدولار صادر عن سلطة مركزية وبالتالي لا تقع خلافات بين الولايات الأميركية بشأن السياسة النقدية، ولا يتصور انفصال ولاية ما بسبب أزمة نقدية أو تجارية. وبالمقابل يصدر اليورو عن سلطة نقدية لا تجمعها وحدة سياسية، كما أن الخلافات بين الدول الأوروبية ممكنة الحدوث وقد تؤدي إلى انفصال دولة أو أكثر عن الاتحاد الاقتصادي والنقدي، وفي النتيجة النهائية سيعاني النظام النقدي العالمي من عدم الاستقرار إن ارتكز على اليورو.
تأثير السياسة في اليورو
في الواقع تعتبر التجربة النقدية الأوروبية فريدة من نوعها، فهي تدعو إلى عدم الخلط بين الوحدة السياسية والسلطة النقدية المركزية.
أثر الوحدة السياسية
لا تشكل الوحدة السياسية -رغم مزاياها العديدة كاتباع برامج اقتصادية متجانسة- شرطاً لنجاح العملة الموحدة، في حين لا يمكن إحداث هذه العملة إلا تحت إشراف جهاز مركزي، ومن هذا الجانب لا تختلف كثيراً مركزية السياسة النقدية الأميركية عن مركزية السياسة النقدية الأوروبية، ففي الحالتين يتمتع البنك المركزي بالاستقلال عن السياسة الحكومية. والبنك المركزي الأوروبي هو الجهاز الوحيد المختص بالسياسة النقدية في منطقة اليورو حيث ينفرد بتحديد أسعار الفائدة والمحافظة على معدلات التضخم واستخدام الاحتياطيات النقدية المتوفرة لديه، ولا يجوز استخدام الاحتياطيات الرسمية للمصارف المركزية الوطنية إلا بموافقته.
اليورو والعملات الأخرى
أما سعر صرف اليورو مقابل العملات خارج المنطقة فهو الاختصاص النقدي الوحيد الذي يسهم فيه مجلس الوزراء إلى جانب البنك المركزي الأوروبي، ولكن تقتصر مهمة المجلس على التوجيهات العامة ولا تتناول المعطيات الرقمية، كما يجب ألا تقود إلى التضخم. وحتى في هذا المجال الضيق يبدي المجلس توجيهاته في الحالات الاستثنائية المتمثلة بالأزمات الحادة فقط. وفي التحليل النهائي يقود البنك يومياً عمليات الصرف ويتدخل متى شاء. وفي جميع الميادين النقدية لا يمكن لأجهزة المجموعة الأوروبية (مجلس الوزراء والمفوضية والبرلمان) وللحكومات اتخاذ قرار إلا بعد استشارة البنك المركزي الأوروبي. وحتى تكون الصلاحيات النقدية الواسعة فاعلة يتمتع هذا البنك باستقلال تام عن تلك الأجهزة والحكومات، فلا يجوز له ولأي عضو فيه طلب أو قبول تعليمات من أية جهة كانت. وأوجبت المادة 107 من معاهدة ماستريخت على الأجهزة والحكومات الالتزام بهذا المبدأ وعدم محاولة التأثير في أعضاء البنك، وبالتالي تسري قراراته حتى لو رفضتها دولة ما.
وظائف استخدام اليورو عملة دولية
العملة دولية إن استخدمت بشكل واسع في المبادلات المالية العالمية بمقتضى ثلاث وظائف:
- تتجلى الوظيفة الأولى باعتماد الدول عليها في تكوين احتياطياتها الرسمية. يشكل الدولار 56,4% من احتياطيات البنوك المركزية في العالم مقابل 13,7% بالمارك الألماني و8,3% بالعملات الأوروبية الأخرى و7,1% بالين.
- وتنصرف الوظيفة الثانية إلى تسوية المبادلات التجارية الخارجية، حيث إن 47,6% من المبادلات العالمية تتم بالدولار يليه المارك بنسبة 15,3% ثم الفرنك الفرنسي بنسبة 6,3% وعملات تسع دول أوروبية أخرى داخل منطقة اليورو بنسبة 5,0%.
- أما الوظيفة الثالثة للعملة الدولية فتتمثل بمدى استخدامها كوسيلة حسابية، وتعكس هذه الوظيفة أيضاً سيطرة العملة الأميركية حيث تحرر 50% من القروض الخارجية للدول النامية بالدولار مقابل 18,1% بالين و16,1% بجميع العملات الأوروبية بما فيها المارك.
” يشكل الدولار 56,4% من احتياطيات البنوك المركزية في العالم مقابل 13,7% بالمارك الألماني و8,3% بالعملات الأوروبية الأخرى و7,1% بالين ” |
يصل إذن مجموع نسب العملات الأوروبية في الاحتياطيات الرسمية للبنوك المركزية في العالم إلى 22% مقابل 56,4% بالدولار. ويبلغ مجموع نسب تسوية المبادلات التجارية بالعملات الأوربية 26,6% مقابل 47,6% بالدولار. يعطي هذا المجموع وذاك فكرة عامة عن المركز المرتقب لليورو، أما موقعه الدقيق تجاه الدولار فسوف يتوقف على عدة عوامل.
بتقديرنا ستتراجع أهمية الدولار في المستقبل القريب لأن الدول الأوروبية التي كانت تستخدم العملة الأميركية في بعض مبادلاتها التجارية البينية باتت مجبرة على تسويتها باليورو، كما سيحرز تقدماً خارج المجموعة الأوروبية نظراً لاستقرار أسعار صرف العملة الموحدة ولأهمية منطقة اليورو في التجارة العالمية. ومن التقرير السنوي الأخير لمنظمة التجارة العالمية نستنتج أن الصادرات السلعية لهذه المنطقة بلغت 1839 مليار دولار أي 29% من الصادرات العالمية وبلغت وارداتها 1778 مليار دولار أي 27% من الواردات العالمية، ووصلت تجارتها الخارجية درجة من الأهمية بحيث باتت تشكل حوالي ضعف التجارة الخارجية الأميركية وأربعة أضعاف التجارة الخارجية اليابانية. فألمانيا وحدها تعتبر ثاني دولة مصدرة ومستوردة في العالم مباشرة بعد الولايات المتحدة، وتعادل صادراتها السنوية ثلاثة أمثال صادرات جميع الأقطار العربية.
لكن الهدف الأساسي لليورو لا يتجلى بإنشاء عملة للآخرين بل عملة تحقق مكاسب اقتصادية داخل المنطقة الأوروبية. أما كونها تؤثر بصورة إيجابية أو سلبية في الاقتصاديات الأخرى فهذا أمر جانبي لا يحتل حيزاً كبيراً في التحليلات الأوروبية.
آثار استخدام اليورو أوروبيا
تسهيل التبادل التجاري
يقود تداول اليورو إلى تسهيل التبادل التجاري بين دول الاتحاد الاقتصادي والنقدي، فتحت ظل العملات المحلية تصعب المقارنة بين أسعار سلعة معينة تباع في عدة دول لأنها مسعرة بالمارك في ألمانيا وبالفرنك في بلجيكا وبالليرة في إيطاليا وهكذا. فإذا أراد إيطالي مقارنة سعر سلعة معينة في إيطاليا وألمانيا وبلجيكا كان عليه إجراء عملية حسابية لتعادل الليرة مع المارك وعملية أخرى لتعادل الليرة مع الفرنك.. في حين لم يعد بحاجة إلى هذه الحسابات بسبب ظهور اليورو، وهذا الوضع يخلق منافسة شديدة نظراً لشفافية الأسعار.
إلغاء عمولات المصارف
نتيجة لإلغاء صرف العملات الوطنية بسبب العملة الموحدة اختفت العمولات التي تتقاضاها المصارف لقاء استبدال عملة بأخرى، وهذا أمر على درجة كبيرة من الأهمية خاصة للشركات الصغيرة التي لا تسمح لها قدراتها بمفاوضة المصارف لتقليص العمولات. كما يحقق هذا الإلغاء مكاسب مهمة للسياح، فقد تبين أن من يزور 15 دولة أوروبية (على افتراض أنه يستبدل فقط في كل دولة بعملته عملتها دون أن يشتري سلعة أو خدمة) يخسر نصف أمواله. وحسب المفوضية الأوروبية فسوف يوفر اليورو للمبادلات البينية بسبب إلغاء العمولات 27 مليار يورو سنوياً أي ما يعادل 0,4% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي. لكن هذه المكاسب هي في الوقت ذاته خسائر للمصارف التي فقدت مصدراً مهماً من مصادر إيراداتها ناهيك عن الاعتمادات الإضافية المخصصة لتكييف معداتها وبرامجها الإلكترونية.
إلغاء مخاطر الصرف
لا يقتصر اليورو على حذف العمولات بل يلغي كذلك مخاطر الصرف، فلا يمكن لأية شركة التعامل مع بلد ما دون دراسة جدية لتذبذب عملته، فإذا كانت العملة ترتفع وتنخفض خلال فترة قصيرة تتردد الشركة بل ترفض التعامل معها. فاليورو يلغي هذه المخاطر لعدم وجود عدة عملات بل عملة وحيدة تتمتع بدرجة عالية من الثبات يضمنها ميثاق الاستقرار والنمو. ويشجع هذا الوضع على الاستثمار واتخاذ قرارات التصدير والاستيراد. أضف إلى ذلك أن الشركات ستوفر الأموال والجهود اللازمة لحساب مخاطر الصرف، وتنتفي بذلك الحاجة إلى توظيف مختصين بالشؤون النقدية والأسواق المالية الأوروبية.
اختفاء التخفيضات التنافسية
” نتيجة للمكاسب الاقتصادية لليورو تتحسن معدلات النمو والاستثمار والعمالة في الاتحاد الاقتصادي والنقدي، وسيتوسع نتيجة لذلك السوق الأوروبي من حيث حجم أنشطته الأمر الذي يتطلب زيادة الواردات من داخل وخارج الاتحاد ” |
يشجع اليورو إذن التبادل البيني لكنه يمنع منعاً تلقائياً أن يكون هذا التبادل لمصلحة دولة على حساب أخرى نظراً لاختفاء "التخفيضات التنافسية" لعملات المنطقة. والتخفيض التنافسي إجراء يقرره البنك المركزي لدولة ما بهدف تحسين المركز المالي لشركاتها المنتجة والمصدرة ودعم مركز ميزانها التجاري. وتعد التخفيضات التي أجرتها بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا على قيمة عملاتها مقابل العملات الأوروبية الأخرى في 1992 و1995 خير مثال على ذلك، فعن طريقها أصبحت سلع هذه البلدان في تلك الفترة رخيصة الثمن فزاد الإقبال عليها وارتفعت صادراتها، وبالمقابل باتت السلع المماثلة للدول الأوروبية الأخرى غالية الثمن فانخفض الطلب عليها. بمعنى آخر إن هذا الإجراء قاد إلى الإضرار بالدول التي تتعامل مع بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا إذ هبطت صادرات فرنسا وألمانيا وتفاقمت معدلات البطالة فيهما.
وهكذا فإن خفض القيمة التعادلية لدولة أوروبية لا بد وأن يضر بمصالح دول أوروبية أخرى خاصة إذا علمنا أن الجزء الأكبر من التجارة الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي بينية، واتضح بأن المكاسب التي حققتها الدول التي لجأت إلى التخفيضات التنافسية كانت أقل بكثير من الخسائر التي تحملتها الدول الأخرى. والدليل على ذلك أن هذه التخفيضات أدت حسب تقديرات المفوضية الأوروبية إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي بنسبة 0,5%. أما اليورو فلا يسمح إطلاقاً بتحقيق مكاسب للبعض على حساب البعض الآخر، فهو عملة وحيدة ذات قيمة ثابتة تسري على جميع البلدان المنتمية إليه. وعلى هذا الأساس واعتباراً من مطلع عام 1999 يتعين على الدولة التي تعاني من ضعف صادراتها وزيادة البطالة اللجوء إلى وسائل غير نقدية. لكن خفض قيمة اليورو مقابل العملات الأخرى كالدولار ممكن إن قرر البنك المركزي الأوروبي ذلك. ولم تعد المنافسة بطرق نقدية بين الأوروبيين بل أصبحت بين هؤلاء وغيرهم.
آثار استخدام اليورو عربيا
هبوط أسعار الفائدة على رؤوس الأموال الأوروبية
تؤثر العملة الجديدة في الالتزامات المالية العربية بفعل هبوط أسعار الفائدة على رؤوس الأموال الأوروبية. ومقارنة بالفترة السابقة على عام 1996 تراجعت أسعار الفائدة في جميع دول منطقة اليورو بموجب معايير التقارب، فكلما هبطت هذه الأسعار انخفضت خدمة الديون الخارجية الأمر الذي يفضي إلى توفير أموال للدول المدينة فيتحسن مركز ميزان مدفوعاتها. لكن حجم هذا التوفير يتوقف على أهمية القروض الخارجية المقومة باليورو (أو بإحدى العملات الوطنية الأوروبية). لذلك تستفيد الجزائر والمغرب ومصر من اليورو بسبب الأهمية النسبية لقروضها الأوروبية، في حين لا تحقق الدول العربية الأخرى مثل هذه الاستفادة لأن القسط الأكبر من ديونها مقوم بالدولار.
تحسن معدلات النمو والاستثمار والعمالة
ونتيجة للمكاسب الاقتصادية لليورو تتحسن معدلات النمو والاستثمار والعمالة في الاتحاد الاقتصادي والنقدي، وسيتوسع إذا السوق الأوروبي من حيث حجم أنشطته الأمر الذي يتطلب زيادة الواردات من داخل وخارج الاتحاد. من هذا الجانب يرتفع الطلب على السلع غير الأوروبية بما فيها العربية. لكن تحقق هذا الأثر الإيجابي يتوقف على درجة مرونة الأجهزة الإنتاجية العربية في تلبية ذلك الطلب وعلى مقدرتها التنافسية للسلع المماثلة الأوروبية والآسيوية والأميركية. ومما لا شك فيه أن هذه الأجهزة تحتاج إلى إصلاحات وجهود كبيرة لبلوغ تلك الدرجة والمقدرة. وعلى المدى القصير لا ينتظر إذا تحسن الصادرات العربية بشكل ملحوظ، وبات من اللازم تمتين التعاون الاقتصادي العربي البيني بغية تطوير حجم الإنتاج وتحسين نوعيته في الميدانين الصناعي والزراعي. ولا تقتصر ضرورة التطوير والتحسين على تأثير اليورو بل تمتد لتشمل النظام التجاري العالمي الجديد المبني على تحرير المبادلات الخارجية والمنافسة الشديدة.
الموازين التجارية العربية
من الزاوية النقدية البحتة وبغض النظر عن الأجهزة الإنتاجية يؤثر اليورو في الموازين التجارية العربية تبعاً للقيمة التعادلية للعملة الأوروبية الموحدة أمام العملات الرئيسية الأخرى كالدولار من ناحية وتبعاً لأهمية المبادلات من ناحية أخرى.
ففي حالة هبوط قيمة اليورو فإنه إذا كانت صادرات دولة عربية تعتمد على الأسواق الأوروبية (البيع باليورو) وإذا كانت وارداتها تتأتى بصورة أساسية من بلدان غير أوروبية (الشراء بالدولار أو بالين) يتضرر الميزان التجاري لهذه الدولة العربية نظراً لهبوط قدرتها الشرائية. والعكس بالعكس، أي إذا كانت أغلب صادرات دولة عربية تتجه إلى الأسواق غير الأوروبية في حين تحتل وارداتها من الدول الأوروبية مرتبة مهمة يتحسن مركز الميزان التجاري. أما في حالة ارتفاع قيمة اليورو مقابل العملات الأخرى يحدث العكس تماما في الافتراضين السابقين.
تأثير صعود وهبوط اليورو عربيا
على الصعيد العملي فقد اليورو خلال ثلاث سنوات فقط 21% من قيمته أمام الدولار، فقد كان يعادل 1,12 دولار في بداية عام 1999 وأصبح يعادل 0,88 دولار في بداية عام 2002. ويلاحظ أن 27% من صادرات الأقطار العربية تتجه إلى أوروبا في حين أن 61% من وارداتها تتأتى من آسيا والولايات المتحدة. وعلى هذا الأساس تتحمل البلدان العربية خسائر تجارية نتيجة لتراجع قيمة اليورو.
” على الصعيد العملي فقد اليورو خلال ثلاث سنوات فقط 21% من قيمته أمام الدولار، فقد كان يعادل 1,12 دولار في بداية عام 1999 وأصبح يعادل 0,88 دولار في بداية عام 2002 ” |
ولكن لا بد من إبداء ملاحظتين:
الأولى: لم ينجم تقهقر قيمة اليورو في الفترة المذكورة عن سياسة نقدية أوروبية بقدر ما كان نتيجة لاتجاه أميركي برفع القيمة التعادلية للدولار. واستفادت الشركات الأوروبية من هذا الوضع بسبب تحسن مقدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، لذلك لم يتدخل البنك المركزي الأوروبي عن طريق أسعار الفائدة والاحتياطيات الرسمية لرفع قيمة اليورو مقابل الدولار.
الثانية: لم تتحمل الدول العربية في نهاية المطاف خسائر ناجمة عن هبوط اليورو تتناسب وحجم مبادلاتها التجارية مع أوروبا لسبب واحد وهو أن الشطر الأول من الافتراض الأول المذكور أعلاه لم يتحقق كلياً أي البيع بعملة البلد المستورد، لأن 68% من الصادرات العربية الكلية نفطية. ومن المعلوم أن أسعار النفط الخام تحدد بالدولار لا باليورو حتى عند تصديره إلى أوروبا.
اليورو والنفط
يتحمل المستهلكون الأوروبيون ارتفاع أسعار المنتجات النفطية علماً بأن أسعار الخام تتسم بالاستقرار وأحياناً بالهبوط. ومن الناحية المبدئية يمكن تصور ثلاثة حلول لمعالجة هذه المشكلة:
الحل الأول هو رفع قيمة اليورو مقابل الدولار لأن ارتفاع تلك الأسعار نجم عن ارتفاع القيمة التعادلية للدولار، ويتطلب هذا الحل تكاليف مالية عالية من حيث الاحتياطيات الرسمية ويعيق تطور الصادرات الأوروبية. وتغيير قيمة اليورو ليس من صلاحيات الحكومات بل من الاختصاصات الأساسية للبنك المركزي الأوروبي.
والحل الثاني هو تقليص الضرائب غير المباشرة المفروضة على استهلاك المنتجات النفطية، وهذا من اختصاص الحكومات لا البنك المركزي الأوروبي، لكنه يعني هبوط إيرادات الميزانية العامة، وهذا يؤدي إلى قبول العجز المالي والتمويل بالقروض أو تقليص النفقات العامة.
الحالة الأولى تؤدي إلى فقدان مصداقية الاتحاد الاقتصادي والنقدي الذي يقوم على أساس معالجة العجز المالي للمحافظة على استقرار الأسعار.
وتؤثر الحالة الثانية في الاعتمادات المالية المخصصة لعدة مرافق كالتعليم والصحة فتتضرر فئات عريضة من المجتمع وينعكس الوضع على المركز الانتخابي للحكومات.
والحل الثالث هو مطالبة البلدان المصدرة للنفط بتبني اليورو عملة لتقويم الخام بدلاً من الدولار، عندئذ تتجنب الدول الأوروبية خسائر ومخاطر الحلين السابقين، وبهذه الوسيلة تستفيد أوروبا من جميع جوانب عملتها الموحدة وتلقي على الآخرين جوانبها السلبية، فارتفاع ثقل الضرائب على استهلاك المنتجات النفطية وتقويم أسعار الخام باليورو وهو في حالة هبوط مقارنة بالدولار يحققان مصالح الدول الأوروبية ويضران بالموازين التجارية للبلدان المصدرة للنفط. وتحقيق المصالح الذاتية عمل مشروع شريطة ألا يقود إلى الإضرار بالآخرين.
يتعين إذن على الأوروبيين بذل الجهود لتقليص تلك الضرائب والدفاع عن عملتهم عند هبوطها، عندئذ يمكن للدول النفطية إعادة النظر في عملة التقويم. والحكمة تستوجب في المستقبل تثبيت أسعار النفط بسلة من العملات مكونة من الدولار واليورو والين، وهكذا تتخلص الدول المصدرة والمستوردة للخام من مخاطر تقلب أسعار صرف عملة واحدة.
بذل الأوربيون جهوداً كبيرة للتوصل إلى عملة موحدة تستخدم داخل منطقتهم لما لذلك من مكاسب قصوى لهم، لكنهم لا يهتمون كثيراً بمدى استخدامها خارج منطقتهم لأن ذلك لا يجلب لهم سوى مكاسب ضئيلة. وبالتالي فالغاية المباشرة من اليورو اعتماد دول المنطقة على عملة خالية من مخاطر الصرف على الرغم من أن العملة الجديدة ستقود حتماً إلى مزاحمة الدولار على الساحة الدولية.
________________
باحث اقتصادي / فرنسا