عرض/ إبراهيم غرايبة
يستمد المؤلف رؤيته لنهضة الأمة العربية الإسلامية وخروجها من التراجع الحضاري الذي تعاني منه من العمل على إخراجها من نموذج الدولة الغربية الذي أدى إلى هيمنة مؤسسات الدولة على الأمة وحركتها وبناءاتها بالقوة، ويحاول أن يقدم نموذجا معرفيا يفسر حقائق الماضي والحاضر ويطرح تصورات مستقبلية قابلة للتحقق.
|
-اسم الكتاب: الأمة والدولة -المؤلف: رفيق حبيب -عدد الصفحات: 229 -الطبعة: الأولى 2001 -الناشر: دار الشروق، القاهرة | |
الجماعة: أساس النهضة العربية
ارتبطت فكرة التقدم والحداثة بمفردات مهمة مثل الفرد والمجتمع والقانون والدولة، وأصبح التحدي الذي يواجه الأمة العربية يرتبط بتغير نمط بنائها الاجتماعي كما حدث في الغرب، وراجت مقولات ترى في نموذج التقدم الغربي موضعا للاقتباس والاقتداء، والمطلوب وفق هذه الرؤية ليس فقط بناء أنظمة قانونية لتحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن أيضا تفكيك البناءات الاجتماعية التي تعتبر متعارضة مع الحداثة وتغيير بنية الأمة لتنسجم مع المشروع السياسي للحداثة الغربية.
وقد اقتبست الدول العربية من الغرب نموذج الدولة القومية الحديثة، ولكن قوانين الدولة الحديثة لم تقو البنية الاجتماعية للأمة، وكانت التعديلات المؤسسية والتشريعية منقطعة الصلة بالبناء الاجتماعي الموروث، وترتب على ذلك حدوث ازدواجية بين البنية الاجتماعية وبنية الدولة الحديثة فكانت المحصلة إلحاق الضرر والتشوه بالدولة والبنية الاجتماعية معا في آن واحد، وأجهضت احتمالات النهضة فلم تعد الدولة قادرة على حملها ولا الأحزاب السياسية ولا البنية الاجتماعية التقليدية التي فقدت أدواتها وفاعليتها.
” اقتبست الدول العربية من الغرب نموذج الدولة القومية الحديثة، ولكن قوانين الدولة الحديثة لم تقو البنية الاجتماعية للأمة، وكانت التعديلات المؤسسية والتشريعية منقطعة الصلة بالبناء الاجتماعي الموروث، وترتب على ذلك حدوث ازدواجية بين البنية الاجتماعية وبنية الدولة الحديثة ” |
والبديل برأي المؤلف هو أن تكتشف الأمة ذاتها الحضارية الممتدة في التاريخ وتتعلم من الأمم والتجارب الأخرى دون أن تتخلى عن ذاتها، وأن تميز بين الأصل والفروع لتقدر بماذا تتمسك وماذا تغير.
الأسرة
رغم أن الأسرة ككيان موجودة لدى الشعوب والأمم كلها، فإنها تختلف في ما بينها في دورها ومسؤولياتها، والأسرة في الحضارة العربية هي رابطة دم تنقل القيم وتشكلها من جيل لآخر، والأسرة قادرة على إحياء الأمة وهويتها.
الجماعة
تقوم البنية الاجتماعية للأمة العربية الإسلامية على البناء الجماعي، وكان الانتماء القبلي فاعلا ومسيطرا في النسيج العربي الاجتماعي قبل الإسلام، ثم أضافت الحضارة الإسلامية لهذا النظام فكرا مشتركا يجمع بين القبائل ويوحدها دون إخلال بالانتماءات الفرعية.
الحالة الجماعية الراهنة
تشهد الساحة العربية حركية ظاهرة في المجال الديني وتطورا تلقائيا في الجانب الديني من البنية الاجتماعية للأمة، وتعد الحركات والجماعات الدينية نماذج جماعية وحركية تواكب المعطيات المعاصرة للحياة.
ويلاحظ أن الجماعات الودية التي تقع في مساحة الحياة الاجتماعية والعلاقات والزمالة تأخذ دورا أكبر من الجماعات العلمية والعملية والمهنية، وقد غيرت القوانين المعاصرة من وضع البنية الاجتماعية للأمة فأخذت بعض الجماعات صفة التنظيم الرسمي وأخرى كانت خارج هذا التنظيم، وكانت مساحة الرسمي تبدو خارج اهتمام جمهور الأمة، ولكنها تملك القوة دون نفوذ وقرار على حياة الناس وأفكارهم وعقائدهم، وقسمت حياة الأمة بين مؤسسات وفعاليات تتحرك في سياق الدولة والأمة ويفترقان بعضهما عن بعض بدلا من أن يتكاملا. فإخراج البناء الاجتماعي من البناء الرسمي لم يوقف تأثيره النافذ وإن كان يؤثر على فاعليته في التأثير على المسار التاريخي للأمة، ويضعف فاعليتها ويعرضها للجمود وعدم التطور.
وعندما نأخذ الأسرة مثالا على ازدواجية الرسمي والعرفي نجد أن الأسرة لم تعد كيانا معترفا به من ناحية الدور الاجتماعي العام، بل هي مؤسسة خاصة ينحصر دورها في الحياة الخاصة بأفراد الأسرة، ودور العائلات والقبائل في الانتخابات ليس دورا معترفا به، بل هو دور غير مرغوب فيه رسميا، ويؤدي غياب الأسرة عن التغيير والتطوير المستقبلي إلى انعزالها عن السياق الرسمي ثم مقاومة أفكار الحداثة لأنها تهدد وجودها فيتحقق الكيان الأسري في التقليدية دون أن يتطور من داخله.
ويمكن بالأسلوب نفسه فهم التطور والحركية الحادثة في المجال الديني، فالنظام الرسمي يفقد السيطرة على المجال الديني، وعندما يحاول السيطرة تنتهي المحاولة بأشكال مشوهة تفتقد المصداقية والتأثير، فغلب على الأمة التنازع الديني مع البناء الرسمي أي الدولة.
ورغم أن الجماعات والحركات الدينية ليس لها وضع رسمي فإن تأثيرها في الفضاء الديني لا يحتاج إلى الرسمية، وهذا التأثير يمتد إلى مجمل نظام الحياة، وأما المؤسسات الدينية الرسمية فإنها تعمل دون أن يكون وضعها الرسمي متحكما في توجهاتها، وحين تجند الدولة رجالها في المجال الديني فإن جمهور الأمة يتعامل مع هؤلاء كجزء من النظام الرسمي ويخرجهم من الفضاء الديني.
وهكذا فالوضع هو نظام رسمي يحتكم إلى القوة القاهرة التي يحتكر استخدامها، ويقابله نظام عرفي مستقل ذاتيا ويفتقد فرص التفاعل والتأثير العام، وبينهما كيانات دينية تعد جزءا من البنية الاجتماعية للأمة ويتاح لها الحركية في مجالها المستقل مما يجعلها النموذج الفاعل والمتطور للأبنية الموروثة، ويجعلها القوة الأولى في النظام الرسمي.
” كشفت الانتخابات النيابية التي جرت في مصر عام 2000 عن ضعف الأحزاب السياسية، ما يدفع إلى التساؤل عن مدى ملاءمة الفكرة الحزبية ومدى فاعليتها في بلورة روح الأمة وتحريك إمكاناتها ” |
ويرى المؤلف هنا أن فهم التكوين الجماعي وأسسه وأدواره هو أساس تصور العمل النهضوي، ويمكن اعتبار الجماعة هي المناظر لمؤسسة القانون التي تمثل حجر الزاوية في الفكر الروماني ثم في الحضارة الغربية المعاصرة.
ويتراوح تكون الجماعات بين أشكال أولية غير اختيارية مثل رابطة الدم والقرابة وأخرى اختيارية كالدين والعقيدة وعلاقات اجتماعية وعلمية ومهنية، وكلما تطورت الروابط على البعد العملي والفكري تطورت النماذج الاجتماعية الحياتية لتعالج المعطيات الحديثة ونمت الجماعة المستحدثة لتعضد الجماعات الأولية لا لتناقضها.
وترتبط النهضة بالحالة الجماعية للأمة، فمسؤولية النهضة تقوم بها مؤسسات الأمة وكيانات النشاط الأهلي المختلفة والتي تكون حاضنة لجماعات الأمة، وتكون حالات الضعف التي تعاني منها الجماعات تعبيرا عن حالة التدهور الحضاري التي تمر بها الأمة، وتكون هذه الحالة مسؤولة عن تأخر فرص النهضة، وربما يشرح لنا ذلك لماذا لم تؤد فكرة الدولة الحديثة القوية إلى النتائج المرجوة منها.
الجماعة والحزب
كشفت الانتخابات النيابية التي جرت في مصر عام 2000 عن ضعف الأحزاب السياسية، مما يدفع إلى التساؤل عن مدى ملاءمة الفكرة الحزبية ومدى فاعليتها في بلورة روح الأمة وتحريك إمكاناتها، فالأحزاب بمعنى أنها مؤسسات سياسية تعمل في المجال السياسي تتحرك في مجال تخصصي وليس جماهيريا يحرك الناس ويدعوهم إلى تأييد الحزب ومناصرته، وما يجمع الناس هو المؤسسات الاجتماعية السياسية التي تقوم بدور اجتماعي سياسي من أجل توجيه السياسة المعبرة عن الأمة في قيمها وعقائدها وتوجيه السياسات الرسمية ذات الأثر الاجتماعي والديني في الاتجاه الذي يعبر عن رأي الشارع.
وثمة فرق أساسي ومهم بين الحزب والجماعة، فالحزب مؤسسة سياسية تسعى للوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه أو معارضة الحكومة القائمة ليكون بديلا لها، ويقدم نفسه بالشكل الذي يقنع الناخبين لانتخابه في المرة التالية، فالحزب لا يوجد بمعزل عن محاولة الوصول إلى الحكم، ويتجدد وجود الحزب واستمراره بقدرته على البقاء بديلا يمكنه الوصول إلى الحكم. وأما الجماعة السياسية فهي بنية لها دورها السياسي الذي تقوم به في كل الحالات، فهي كيان يمارس السياسة العامة الاجتماعية والشرعية، ويتمحور هدفها الأساسي في القدرة على التأثير على التوجه العام للأمة والدولة والحكم، وهي بذلك نموذج حياتي تمارسه أولا وتدعو الناس إليه ثانيا ثم تنادي المؤسسات المعنية بتحقيقه.
فالحزب يكون مجال عمله محدودا في إطار الممارسة الفعلية للسلطة، والجماعة السياسية تمثل نموذجا حياتيا لا يكون تطبيقه من خلال السلطة الحاكمة فقط، وتتجه إلى مجمل جمهور الأمة ومؤسساتها، ويكون هدفها الأول هو نشر مبادئها وتطبيقها.
وتعد الحركة الإسلامية نموذجا مهما في هذا المجال، فهي تمثل جماعات دينية واجتماعية وسياسية، فهذه الجماعات التي لم تصل إلى الحكم تركت الكثير من التأثيرات على مجمل أوضاع الأمة الحياتية والسياسية والاجتماعية وأثرت على القضايا المطروحة والتوجهات السياسية الأخرى، وأسهمت في كثير من الأحيان في توجهات الحراك السياسي والاجتماعي الراهن والمستقبلي رغم أنها لم تكن في الحكم.
ولهذا فإن الجماعة السياسية لا يجوز لها أن تمارس الحكم أو المعارضة مثل الحزب، فالجماعة وهي في المعارضة تدعو الأمة إلى مبادئها وتطبقها في حدود وجودها العملي في الوقت نفسه، وعندما تكون في الحكم أو قريبة منه أو متحالفة معه يكون عليها أيضا أن تستمر في الدعوة العامة، فالجماعة لا تكون في السلطة كجماعة بل يخرج منها من يشكل الحكومة أو يصل للسلطة أو يشارك فيها وتكون الجماعة هي إطار المرجعية والشرعية الذي يعضد ويساند أو يراجع ويحاسب.
فمكانة الجماعة لا يحددها قربها من السلطة أو بعدها عنها، وقد ترى الجماعة الابتعاد عن السلطة لسبب أو لآخر دون أن يؤثر ذلك على فاعليتها أو مكانتها، وقد تختار بدلا من ذلك التأثير في السياسة العامة لتكون من القوى السياسية التي تحدد توجهات الرأي العام، ويمكن أن تحدد دورها الأساسي في المشاركة الفاعلة والمؤثرة في التشريع وليس في ممارسة الحكم أو تشكيل حكومة.
والجماعة ليست مجرد برنامج سياسي يعبر عن قطاع من المجتمع، بل هي بناء اجتماعي فرعي داخل الأمة، وكلما استطاعت الجماعة أن توسع دائرة تعبيرها الاجتماعي عن مفردات الثقافة والاجتماع داخل الأمة يزداد حضورها القيادي والمؤثر. فالأحزاب يتحدد وزنها السياسي بالانتخابات، وأما الجماعة فبدورها الحياتي العملي وحيويتها وتماسكها.
وقد كشف التطبيق العملى عن أوجه وقصور للتجربة الحزبية في البلدان العربية، فقد عجزت الأحزاب عن استيعاب حركة الشارع السياسي، وتأكد أن الأسس التي يتم عليها الانتخاب ليس من بينها الأساس الحزبي، فقد احتلت جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة السياسية الشاملة الوحيدة في الوطن العربي، والعائلات والقبائل والكيانات الجغرافية الجماعية مركزا مهما في التأثير على العملية الانتخابية.
وكان التميز الأساسي لأداء جماعة الإخوان المسلمين في مصر نابعا في جانب منه من كونها كيانا جماعيا يجمع بين الانتماء الاجتماعي والدور السياسي، ورغم عدم اعتراف الدولة بالجماعة فإن أداءها كان متميزا، وعبر عن قدرة البناء الجماعي الذي يلعب دورا سياسيا.
” كلما استطاعت الجماعة أن توسع دائرة تعبيرها الاجتماعي عن مفردات الثقافة والاجتماع داخل الأمة يزداد حضورها القيادي والمؤثر ” |
ويشير الواقع الاجتماعي الراهن وكذلك الوضع في الماضي إلى أن الميل السائد لدى عامة الناس لا يدفع أغلبهم إلى العمل السياسي، ولذلك فإن الجماعات غير السياسية سوف تستحوذ على أغلبية الناس، وهذا التصور ينتج عنه تطوير لفكرة جماعات المصالح التي تعرفها النظم الغربية، ولكن من خلال مفهوم تحل فيه فكرة الجماعة ذات العقيدة السياسية محل المصالح.
ويخلص المؤلف إلى أن المشروع النهضوي هو في استلهام حركة الشارع العربي وآليات الفعل فيه من أجل الوصول إلى التصور السياسي والإطار التنظيمي القادر على استيعاب الحركة الجماهيرية التلقائية ووضعها في سياق يدفع نحو المزيد من الفاعلية السياسية، والخروج من القالب السياسي التحديثي الوافد الذي سيطر على مجمل المحاولات الإصلاحية السياسية التي تبنتها بعض النخب، سارت نحوها بدرجات محدودة بعض الأنظمة.
فالمحصلة النهائية للتجارب القائمة على المشروع الغربي السياسي كانت المزيد من السلبية السياسية والمزيد من نزع السياسة عن الاجتماع البشري، ويعتقد المؤلف أن تطوير البناءات الموروثة الفاعلة في حياة الناس وتطوير أشكال جديدة لها لتأتي معبرة عن نمط الحركة الجماهيرية سيكون سببا لإعادة إحياء السياسة من جديد وسببا في تقوية الحراك الاجتماعي للنهوض.