ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
الفردوس والقوة.. أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
روبرت كيغان واحد من منظري الفكر المحافظ الأميركي الجديد, ويقدم في كتابه هذا تنظيراً لأسباب الإنفصال الأميركي-الأوروبي, ويأمل أن تحتل أطروحته في هذا الكتاب الأهمية التي احتلتها أطروحات سابقة شهيرة في مقدمتها "صدام الحضارات" لصموئيل هينتغتون و"نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما. وهذا "الطموح" عند كيغان لا يتأتى من فراغ, فقد تنبأت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن تكون أطروحاته "الحدث" البارز الجديد في عالم الفكر والسياسة.

غلاف الكتاب

-اسم الكتاب: الفردوس والقوة.. أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد
-المؤلف: روبرت كيغان
-عدد الصفحات: 112
-الطبعة:
الأولى 2003
-الناشر: اتلانتيك بوكس، لندن، 2003 (الطبعة الأميركية: نوف، نيويورك،2003)

صدام حضارات أم تفاوت قدرات
في هذه الأطروحة، يسعى كيغان المتخرج من أروقة وزارة الخارجية الأميركية إلى تحطيم أسطورة الغرب الموحد، وإلى دراسة مواقف الولايات المتحدة وأوروبا الحالية من بعضهما البعض.

ويضمن كيغان في هذه الصفحات رأيين أساسيين يعتبر أولهما أن اختلاف أميركا وأوروبا (القديمة) في مواقفهما من القضايا الجيوبوليتيكية لا ينبثق من صدام حضارات جوهري بينهما، إنما هو نتيجة التفاوت في قدراتهما العسكرية. فقد كانت أوروبا تتمتع بالقوة (في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر اللذين لا يتجاوزهما التحليل التاريخي الذي يقدمه كيغان) لكنها اليوم ضعيفة. وكانت أميركا في نشأتها ضعيفة (وكان ذلك أيضا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) لكنها اليوم فائقة القوة.

والطريقة التي تتصرف بها أوروبا اليوم, من تمسك بالمؤسسات الدولية، والتلويح بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، والإصرار على الإجماع الدولي ودور الدبلوماسية، هي بالضبط الطريقة التي انتهجتها الدول الضعيفة على الدوام ومن ضمنها الولايات المتحدة في أيام فتوتها.

يقابل ذلك أن دبلوماسية المدافع، والتصرف كما لو كان المرء شرطيا للعالم، وعدم الركون إلى التقييدات التي يفرضها القانون الدولي، وكل التوجهات التي أظهرتها الولايات المتحدة مؤخرا، كانت وما تزال سبيل الدول القوية، وينطبق ذلك على دول أوروبا أيام مجدها تماما كما ينطبق الآن على أميركا. فأوروبا الراهنة، التي تملك القدرة على أن تكون قوية لكنها لا ترغب بذلك، ليس لها أن تتذمر عندما يمارس الآخرون الدور الطبيعي الذي تهبهم إياه القوة.


التجربة التاريخية تفيد بأن القوي الجبار يمكن أن ينتهي إلى الضعف والاستكانة لذا فعليه أن يتمسك بوجود قوانين دولية تحمي حقوق الضعيف

إلى هنا والكلام واضح ومفهوم. إلا أن ثمة أمورا زائفة في هذه التقريرية التاريخية. قد يكون الأمر الأول عرضيا لكنه مهم، فكيغان ليس بالمؤرخ الجيد. إذ أنه يدعي بأن الدول الأوروبية قبل عام 1945 كانت قد تمتعت "بأكثر من خمسة قرون من الهيمنة الإمبريالية" على بقية أنحاء العالم.

ولا شك أن هذا القول يتعارض مع الحقيقة التي تفيد بأن القسطنطينية كانت قد سقطت بيد العثمانيين عام 1453 بعد أن أجهدت الحروب المتوالية الأوروبيين المنهكين، وأن المسلمين كانوا في ذلك الحين موجودين في الجنوب الإسباني، وأن موسكو كانت تحت رحمة خانات المغول. فأوروبا الكولونيالية والإمبريالية لا تذهب بعيداً في التاريخ لمدة خمسة قرون, بل أقل من ذلك بكثير. ويقودنا هذا النوع من المغالطة إزاء حقبة تاريخية كبرى لا تحتاج لمؤرخ أو مثقف متميز لالتقاطها إلى التشكيك في بقية الأسس التي يوردها كيغان لبناء أطروحته عليها, وعلى سبيل المثال تأكيده على أن حصة أميركا بوش من "الضمير الحي" تزيد على حصة انجلترا جورج الثالث منه.

يضاف إلى ذلك أن كيغان يستخدم الإطار التاريخي من أجل أن يحصن نفسه ضد الحاجة إلى اتخاذ موقف أخلاقي أو قانوني واضح، متهربا من مواجهة الإجابة على السؤال عما يجب على الدول أن تفعله بالاكتفاء بالإشارة إلى ما تقوم بفعله فحسب. فهذه المعالجة التي تذكرنا بفجاجة الفكر الواقعي السياسي الذي كان الأميركيين رواداً في تعميمه على العالم، وهو الفكر الذي يحيد المعايير الأخلاقية في السياسة الدولية, ويعلي من شأن القوة وما تفرضه.

لكن المتمعن في تحليلات كيغان يستطيع أن يقرأ فيها ضمنا أن أوروبا قد تعلمت من تجاربها التاريخية ما لم تتعلمه أميركا. فالتجربة التاريخية تفيد بأن القوي الجبار يمكن أن ينتهي إلى الضعف والاستكانة بما يجب أن يحمله على التمسك بضرورة وجود قوانين دولية تحمي حقوق الضعيف.

إلا أن كيغان لا يلتفت الى ذلك وهو يكتفي بالإشارة إلى وجود ما يدعوه بـ "سيكولوجيات القوة والضعف"، دون أن يقر بأن بعض تلك "السيكولوجيات" يمكن أن تتعارض مع مبادىء السلوك الحميد. بل إنه يقر ضمنا بمبدأ الحق للقوة عندما يشير بأكثر من طريق إلى أن أوروبا قد تمكنت من "الاحتفاظ بقسط من التأثير والاحترام الدوليين يتجاوز بكثير ما تتيحه لها قدراتها العسكرية الفعلية." وبهذا فإن كيغان يرى أن "الاحترام والتأثير" الذي يجب أن تحظى بها الأمم في العالم يجب أن تكون متوازية بالضبط مع قدرتها العسكرية وقوتها من دون أن تكون تلك القوة مقادة ببوصلة أخلاقية.


كان صدام خطرا حقيقيا وداهما هدد سلامة "الغرب"، وما يراه الأوروبيون خلاف ذلك ليس سوى رد طبيعي اقترن بالضعفاء الذين دأبوا عبر التاريخ على دفن رؤوسهم في الرمال كلما برز لهم خطر على الطريق
سيكولوجية القوة والضعف
يفيد الرأي الثاني، وهو أكثر تعقيدا من الأول، بأن "سيكولوجية الضعف"، مضافة إلى تجربة أوروبا الفريدة في التعاون في فترة ما بعد الحرب، قد أكسبت أوروبا سذاجة أيديولوجية وحملتها إلى حالة من الرضى المطلق عن الذات. فالأوروبيون الذين يعيشون في جنة "ما بعد التاريخ" تحت الحماية الأميركية، لم يعودوا على استعداد للاعتراف بأن القوة الغاشمة ما تزال نافذة في العالم الذي يمتد خارج حدودهم. وقد استراحوا للعيش الهانىء، منصرفين إلى تجميع الثروات، ومهملين قدراتهم العسكرية، ومقتنعين بأن بوسع بقية العالم أن يحصل، عن طريق الإجماع وحكم القانون، على ما تسنى لهم الحصول عليه من خلال تلك الطريق.

وهناك مواضع يبدو أن كيغان يلمح فيها إلى أن أوروبا تحصد، وهي مستريحة، المكاسب الاقتصادية التي تتحقق من خلال تصدي أميركا للقيام بالأعمال "القذرة" وتخليص العالم من "الأشرار" الذين يهددونه. وهو يرى أن على أوروبا أن تصبح واقعية، وأن تتدرع بالقوة العسكرية، حيث يتوجب عليها إما أن تتكيف مع الظرف الجديد أو أن تغلق فمها. لكنها، في جميع الأحوال، يجب أن لا تتوهم بأن قوانين قريتها الناعمة يمكن أن تنطبق على بقية العالم.

وإزاء هذه النقطة بالذات يمكن أن يتفق خصوم كيغان الأوروبيون مع ما يدعو إليه من ضرورة اهتمام أوروبا ببناء قوتها العسكرية. إذ لا بد للاتحاد الأوروبي من الاستثمار في الميدان العسكري، إن لم يكن من أجل معادلة القوة الأميركية فمن أجل التعامل مع المشاكل التي قد تقع على مقربة منه، ومن أجل تقليل اعتماده على الحماية الأميركية.

وتبعا لما يقوله كيغان، فإن واشنطن ترغب هي الأخرى في أن تنهض أوروبا بعبء الإنفاق العسكري، لكن واشنطن تريد أن يتم ذلك تبعا لشروطها الخاصة. فقد أثارت جميع الخطط الدفاعية التي وضعتها أوروبا مؤخرا غضب واشنطن ومقاطعة المملكة المتحدة بدعوى أنها تهدد سلامة حلف الناتو، الذراع الأميركي الفائض عن الحاجة في الكعكة الأوروبية. ولا يعنى كيغان كثيرا بمناقشة هذه النقطة، إنما يكتفي بإثارتها على النحو الذي يروق له قبل أن يتجاوزها على عجل.

المشكلة في الرأي الثاني الذي يسوقه كيغان هي احتوائه على كم كبير جدا من التأكيدات غير المسندة التي يطلب من القارىء أن يتقبلها "على ذمته". فالعالم خارج أوروبا ما زال، حسب تعبير كيغان، يعيش "في التاريخ". وهذه اللغة المتحذلقة تعني بالكلام اليومي أن العالم ما يزال "مليئا بالإرهابيين" و "الدول المارقة". ويؤكد كيغان على أن صدام الذي أسقط لتوه كان خطرا حقيقيا وداهما هدد سلامة "الغرب"، وأن ما يراه الأوروبيون خلاف ذلك ليس سوى الرد الطبيعي الذي اقترن بالضعفاء الذين دأبوا عبر التاريخ على دفن رؤوسهم في الرمال كلما برز لهم خطر على الطريق.

ويرى كيغان أن الموقف الأوروبي كان دافعه الجبن لأن الأوروبيين حسبوا أن المخاطر التي كانوا سيتعرضون لها في حالة تصديهم لإزاحة صدام تفوق المخاطر التي تنجم عن تركه وشأنه. ولا يتوقف كيغان لحظة لتفحص القناعة التي جمعت بين رئيس لجنة التحقق والمتابعة والتفتيش (أنموفيك) هانز بليكس والغالبية في أوروبا والكثيرين في بلاده، والتي تفيد بأن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش قد بالغت كثيرا في تقديرها للتهديد العراقي، وأن تلك المبالغة كانت ناجمة عن خطأ في المعلومات في حالة توفر حسن النية، أو عن سبق إصرار وترصد في حالة غيابها. فالاعتراضات الأوروبية على تفرد أميركا بهذا الموقف كانت، في نظر كيغان، نابعة من المصالح الذاتية، أو "السيكولوجيا"، أو "الأيديولوجيا" أو أي شيء آخر غير التقدير المغاير، والأقرب إلى الدقة، لحقيقة الاخطار التي تصورها أميركا.

يتهرب كيغان من التصدي للقضايا الكبرى، فتراه يمتنع عن التفكير في أن أخلاقيات السلوك الدولي يمكن أن تستند الى أرضية أكثر صلابة من "السيكولوجية" التي يشير اليها، أو في كون الرأي الأوروبي حول طبيعة الأخطار التي تواجه العالم يصدر عن منطلقات تتجاوز مجرد اختلاف المنظورات أو سوء تطبيق الأيديولوجيا. لكنه يقدم لنا بدلا عن ذلك نوعا من الاعتذار المبطن عن توجهات السياسة الخارجية الحالية للولايات المتحدة، مغلفا بالكثير من الموضوعية الزائفة وتفلسف التلامذة المبتدئين.

أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أنه في الوقت الذي يرى فيه كثيرون بأن روبرت كيغان لا يستحق أن يعد من بين المفكرين, إلا أنه من الواضح أن كيغان ليس غبيا على الإطلاق، وهو بكل الأحوال كاتب دعائي يعمل الآن لجورج دبليو بوش ويوازي في أهميته فرانسيس فوكوياما في دوره كدعائي لرونالد ريغان.

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
العلاقات الأوروبية الأميركية.. إلى أين؟
الإمبراطورية: محاولة حول تفكك النظام الأميركي
الدول المارقة.. حكم القوة في الشؤون الدولية
الكل أميركيون ؟.. العالم بعد 11 سبتمبر 2001
هل تحتاج أميركا إلى سياسة خارجية؟
البرلمان يواصل نقاش نقض الهاشمي
القسام تنفي اتفاقا بوقف الصواريخ
مبارك لبيريز: القدس مشكلة كل مسلم
مسؤول بفتح: السلطة الفلسطينية عبء

تحليلات|كتب|وجهات نظر|أحداث العام|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2009

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2009م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)