ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:21 (مكة المكرمة)، 17:21 (غرينتش)
شهود عيان: دوي انفجار وسط كابل
طباعة الصفحة إرسال المقال
مؤتمر القمة العربية وقضية العراق

محمد الدوري

أولا: تمثيل العراق في المؤتمر
ثانيا: نقل السلطة للعراقيين
ثالثا: التعذيب وإهانة كرامة العراقيين
رابعا: إرسال قوات عربية إلى العراق

تضاءل اهتمام العرب"كشعب مأزوم" في اجتماعات القمة العربية إلى حد مقلق، دون اكتراث من جانب الحكام العرب لهذه الظاهرة الخطيرة، ويبدو أن هذا الموقف اللامبالي من جانب الشعب العربي بأمر اجتماعات القمة يفرح الحكام العرب بدلا من أن يزعجهم. لكن الأحداث التي تمر بها الأمة وهي أكثر من خطيرة على وجودها ومستقبلها تجعل من الضغط على الحكام العرب من طرف المواطنين العرب أمرا واجبا.

لقد رحب العرب بسبب حالة اليأس التي تغطيهم بقرارات قمة بيروت باعتبارها قرارات الحد الأدنى في بعض جوانبها وعادت بعض الأحلام تدغدغ المشاعرالمكلومة لبعضهم، على أثر"النجاح النسبي والشكلي" لهذا المؤتمر الذي أصبح أثرا بعد عين مباشرة بعد انفضاضه.

لقد كان هذا المؤتمر، الذي لم يكن لينعقد بدون مباركة أميركية، أمرا مرغوبا فيه لتحقيق أهداف بعيدة المدى تكشفت بعد وقت قصير، ومنها التهيئة لاحتلال أميركي قريب للعراق بمباركة عربية في ظل أجواء هادئة مطمئنة و"مصالحة عربية" اتضح أن الهدف منها لم يكن غير وأد العراق الذي أنجز بمباركة "عربية" كما وضحته الأيام لاحقا.

وقد رافقت تلك "المصالحة المسمومة" والتي كانت خنجرا في ظهر العراق العربي مبادرة عربية خاصة "بالقضية" لم تلبث طويلا حتى أضيفت إلى الأرشيف العربي العتيد الذي يضم كما هائلا من المبادرات المرحلية التي تعكس حالة الضعف والانحطاط الذي وصلت إليه السياسات العربية التابعة، التي لا يمكن أن تشكل إلا مرجعية للتخاذل والتنازل عن الحقوق المغتصبة أو التي يخطط لاغتصابها.

وأعلنت الحرب على العراق وكان الصمت العربي المطبق رهيبا استفاق من هوله سكان القبور، واستمرت حرب الإبادة والمؤامرة على فلسطين.

يبدو أن قدر مؤتمرات القمة العربية أن تكون كل شيء عدا تحقيق المصلحة العربية التي يراد لها أن تكون متطابقة مع أهداف أعداء الأمة وعليه فإن أي مؤتمر قمة عربي لا يعقد ما لم تؤمن فيه أولا مصالح أعداء فلسطين وهذا أمر خطير جدا.

وهكذا كان الأمر بالنسبة لمؤتمر قمة تونس الذي لم تكن الولايات المتحدة لترضى عنه وتسمح بانعقاده ما لم تتم التهيئة له بصورة جيدة من قبلها وذلك ليحقق الرؤى والأهداف الأميركية في شرق أوسط كبير يضيع فيه العراق كما تضيع فيه فلسطين تحت راية الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون كما هو الحال اليوم.

ولما لم يتحقق ذلك فقد مورست ضغوط كبيرة جدا على عدد كبير من الرؤساء العرب باعتراف مباشر أو غير مباشر من عدد منهم لضمان عدم انعقاده واليوم بعد أن أعطي الضوء الأخضر من أولى الأمر والنهى وعلينا أن لا نستحي من ذلك فهم أولياء النعمة، فقد تم البدء في الاجتماعات التمهيدية لوزراء الخارجية العرب لمناقشة جدول الأعمال ومشروع البيان الختامي الذي وصلت بالتأكيد نسخة منه للولي الوصي ليتم التأكد من تضمينهما ما طلب تضمينه كما يتم التأكيد من عدم خروجه عن التعليمات.

أما ما نود إيراده هنا من تعليقات حول بعض النقاط الهامة في اعتقادنا والتي ستطرح أمام مؤتمر القمة بشأن العراق فتمكن الإشارة إليه كما يلي:

أولا: تمثيل العراق في المؤتمر


لم تكن الولايات المتحدة لتسمح بانعقاد مؤتمر القمة العربية في تونس ما لم تتم التهيئة له بصورة جيدة من قبلها وذلك ليحقق الرؤى والأهداف الأميركية في شرق أوسط كبير يضيع فيه العراق كما تضيع فيه فلسطين تحت راية الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون كما هو الحال اليوم

لقواعد القانونية التقليدية المتعارف عليها طبقا للقانون الدولي التقليدي التي تعالج موضوع الحكومة في الظروف غير الاعتيادية لدولة ما كحالة التمرد أو الثورة الشعبية أو وقوع حالة انفصال نتيجة عصيان مسلح والذي ينتج عنه اختفاء الحكومة تماما أو عدم تمكنها من مواجهة الأحداث والسيطرة على إقليم الدولة أو جزء كبير منه بسبب ضعف أصابها، في مثل هذه الحالة عادة ما تعترف الدول بالحكومة الفعلية التي تسيطر على كل إقليم من الدولة أو معظمه لحين عودة أو انتخاب حكومة شرعية.

لذلك فإن الاعتراف بهذه الحكومة الفعلية عادة ما يكون اعترفا بالأمر الواقع إلى أن يتم الاعتراف القانوني بها؛ في انتظار التطورات السياسية والدستورية التي ستأخذها الدول الأخرى بنظر الاعتبار لتحديد طبيعة العلاقة التي ستربطها بهذه الحكومة الجديدة مستقبلا وعلى أساس سيادي بحت.

لكن موضوع العراق أمر مختلف تماما بسبب خضوعه التام لاحتلال عسكري أجنبي قام بحل الحكومة القائمة واعتقال أعضائها وحل الجيش والمؤسسات الدستورية. وقام بتنصيب مايشبه حكومة تأتمر بأمر حاكم أجنبي تم تعيينه من قبل الدولة التي احتلت العراق.

إن ما تم خلقه من"مؤسسات" وهياكل إدارية في العراق المحتل أيا كانت مسمياتها تنقصها الشرعية الوطنية والشرعية الدولية، فالعلاقة بين قوات الاحتلال والعراق المحتل عسكريا تحكمها اتفاقيات لاهاي لعام 1907 وكذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكلين الإضافيين الملحقين بها. يترتب على ذلك أن سلطات الاحتلال سواء أكانت ممثلة بحاكم مدني أجنبي أو حاكم عسكري أجنبي أو حتى بمؤسسات يقوم عليها "عراقيون" معينون من سلطات الاحتلال، لا يمكنها أن تقوم بتمثيل العراق لا في المحافل الدولية ولا في المحافل الإقليمية ولا حتى لدى الدول في إطار العلاقات الثنائية. كما تعتبر جميع القرارات والإجراءات ذات الطبيعة السيادية والدستورية أوغيرها باطلة عدا ما يتعلق بتسيير الأمور اليومية والتي حددتها الاتفاقيات الدولية المشار إليها أعلاه.

كما لا يحق لأية جهة أو شخص يحمل جنسية البلد المحتل أو غيره معين أو مسمى من قبل سلطات الاحتلال للقيام بأي "دور سيادي" أن يمثل الدولة المحتلة وإلى أن ينتهي الاحتلال فالدولة المحتلة فاقدة لسيادتها واستقلالها وعليه فإن تصرفات مثل هؤلاء تفتقد عنصر الشرعية القانونية والدستورية في ظل غياب الدستور بسبب إلغائه أو بسبب الاحتلال ذاته.


تمثيل العراق في مؤتمر القمة العربي القادم غير قانوني لأن من سيقوم بهذا الدور لا يملك سلطة اتخاذ القرار لكونه معينا وتابعا وممثلا لسلطة الاحتلال الأميركي وليس لسلطة وطنية عراقية وهذه السلطة التي يملكها المحتل لا تسمح له بتمثيل العراق طبقا للقانون الدولي إلا في مجالات ضيقة جدا لها علاقة بموضوع الاحتلال ليس إلا

فمن الواضح أن جميع تصرفات هؤلاء الأفراد والمؤسسات تظل غير ذات قيمة قانونية ما لم توافق عليها سلطات الاحتلال التي لا يمكنها بدورها أن تسبغ عليها أي صفة قانونية لكونها سلطة احتلال لا تملك أي حق في التصرف في أي شيء يتعلق بالدولة المحتلة طبقا للقانون الدولي "وفاقد الشيء لا يعطيه" وعليه يترتب على ذلك:

أن تمثيل العراق في مؤتمر القمة العربي القادم غير قانوني لأن من سيقوم بهذا الدور لا يملك سلطة اتخاذ القرار لكونه معينا وتابعا وممثلا لسلطة الاحتلال الأميركي وليس لسلطة وطنية عراقية وهذه السلطة التي يملكها المحتل لا تسمح له بتمثيل العراق طبقا للقانون الدولي إلا في مجالات ضيقة جدا لها علاقة بموضوع الاحتلال ليس إلا.

الأمر الثاني الذي نود الإشارة إليه هنا ذو طبيعة سياسية إذ كيف يسمح لأشخاص حتى ولو كانوا عراقيين بتمثيل العراق في مؤتمر قمة "قومي" وهم لا يؤمنون لا بانتماء العراق القومي ولا بالأهداف التي ينعقد على أساسها المؤتمر وتشكل مرجعية له.

وللتأكد مما نقوله يكفي الرجوع إلى ما أشار إليه صراحة ما سمي بقانون إدارة الحكم الانتقالي في العراق الذي هو وثيقة أميركية صدرت باسم "مجلس الحكم الانتقالي" تحمل ملامح النظام السياسي المستقبلي العراقي أو كما يراد له أن يكون أميركيا والذي يتضمن مبدأ ذا مدلولات عميقة بالقول "الشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية " وليس العراق الذي ينكر عليه انتماؤه العربي.

وعليه يكون تمثيل العراق في مؤتمر القمة غير قانوني وغير مقبول سياسيا لحين استعادة العراق لسيادته واستقلاله وإلغاء جميع القرارات التي أرادت فصل العراق عن جسده العربي.

إن ما يسمى بمجلس الحكم الانتقالي المعين مباشرة من قبل الحاكم الأميركي بريمر وينفذ سياسته وأهدافه لا يملك أية صفة تمثيلية للعراق أو للشعب العراقي في انتظار إقامة الحكومة الشرعية بعد استعادة السيادة بخروج المحتل أو طرده وليس قبل ذلك.

يترتب على ذلك سؤال هام جدا هو هل يجوز لمؤتمر القمة أن يقرر الجهة التي تمثل العراق أم عليه أن ينتظر استعادة العراق لسيادته؟ المنطق والقانون يقولان بعدم جواز اشتراك العراق في مؤتمر القمة العربي طالما استمر الاحتلال وعليه فإن قبول تمثيل العراق في المؤتمر القادم للقمة العربية غير شرعي وغير قانوني وفيه كذلك انتهاك صارخ لميثاق الجامعة العربية كما يعتبر سابقة خطيرة لأن فيه مصادرة لحق سيادي وطني.

ثانيا: وبما أن موضوع التمثيل قد حسم كما يبدو بسبب ضغط الولايات المتحدة الأميركية وكذلك بعض الدول العربية المحسوبة عليها بهدف فرض اعتراف من قبل الدول العربية وإسباغ شرعية مصطنعة كما حدث بالنسبة لمنظمة الأمم المتحدة التي أقرت بصفة الاحتلال للوجود العسكري الأميركي في العراق وهو أمر صحيح لحماية حقوق الشعب العراقي في المقاومة والتحرير وتقرير المصير لكن هدفه في الحقيقة ليس هذا بل هو خلق قناعة بأن المنظمة الدولية قد اعترفت "بمجلس الحكم" لكن ذلك غير صحيح من الناحية القانونية.

إن محاولات الالتفاف هذه لم تغير من حقيقة كون الاحتلال العسكري الأميركي للعراق يعتبر عملا غير مشروع ويشكل انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ولا يعطي الاحتلال أية شرعية كما يحلو للبعض من قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين وأعضاء ما يسمى بمجلس الحكم وبعض الوزراء المعينين من قبل الحاكم المدني الأميركي للعراق والمحتلين أنفسهم أن يتمسكوا به.

إن الخطأ الفاحش الذي وقعت فيه الجامعة العربية ومؤتمر القمة بشأن تمثيل سلطة الاحتلال في أعمالهما من خلال أشخاص عراقيين تابعين لسلطة الاحتلال يجب أن يصحح بسبب غياب أية شرعية عراقية في انتظار انتخابات وطنية سليمة تتم تحت إشراف الأمم المتحدة باشتراك الجامعة العربية بعيدا عن أي تدخل من سلطات الاحتلال.

ثانيا: نقل السلطة للعراقيين


هل يجوز لمؤتمر القمة أن يقرر الجهة التي تمثل العراق أم عليه أن ينتظر استعادة العراق لسيادته؟ المنطق والقانون يقولان بعدم جواز اشتراك العراق في مؤتمر القمة العربي طالما استمر الاحتلال وعليه فإن قبول تمثيل العراق في المؤتمر القادم للقمة العربية غير شرعي وغير قانوني وفيه كذلك انتهاك صارخ لميثاق الجامعة العربية

بالرغم من الدور المتواضع جدا لدور الجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية في القضايا المصيرية للأمة العربية سواء ما تعلق منها بفلسطين أو بالعراق فإن الوقت مازال سانحا لكي يأخذ مؤتمر القمة القادم ما يستطيع أن يكفر فيه عن خطاياه من أخطاء قاتلة سوف تبقى آثارها السلبية لعقود طويلة قادمة ومنها إهماله لدوره التاريخي في قيادة هذه الأمة وعدم التمسك بثوابتها في الاستقلال والكرامة والسيادة.

قد أدت المواقف اللاقومية لمؤتمرات القمة إلى ضياع الكثير من الحقوق العربية لا بل إلى ضياع بلدان بأكملها كالعراق وقبله فلسطين بسبب استلاب أو فقدان الإرادة الوطنية المستقلة لعدد كبير من الدول التي تنتمي للجامعة العربية.

وإذا كان البعض يتعلل، ويمكن أن يكون محقا في اقتراف أخطاء كبيرة وقاتلة من قبل النظام العراقي السابق، فما الذي يمنع اليوم القمة من أخذ زمام المبادرة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه عل في ذلك ما يوقف التداعيات ويؤسس لعمل عربي مشترك يعيد الأمل إلى الشعب العربي ليستعيد بعضا من حقوقه المسلوبة على أمل استعادتها بالكامل مستقبلا، ويمكن أن يكون الطريق لتحقيق هذا الهدف النبيل المساعدة في تحرير العراق الذي أصبح على شفيرهاوية السقوط والتقسيم والحرب الأهلية إن لم يكن قد سقط فعلا في مستنقع القطرية الضيقة المقيتة التي تهدف إلى قطع أواصر العلاقة بينه وبين أمته العربية وهو هدف لا بل حلم دول جارة وقوى استعمارية متنفذة استطاعت أن تنجز الكثير من مشروعها الإجرامي بحق هذا القطر العربي خاصة خلال فترة الاحتلال البغيضة.

نحن نعتقد أن المقتضيات الوطنية والقومية ومبادئ ديننا الحنيف تفرض على جميع من يدعي الانتماء إليها بذل جهد استثنائي واتخاذ مواقف جريئة تصل إلى حد تقديم التضحيات المادية والمعنوية والسياسية والاقتصادية ونعتقد أنه مهما كانت جسامة هذه التضحيات فإنها ستعود بالنفع على مستقبل جميع الأقطار العربية دون استثناء وخلاف ذلك ينعكس وبالا عليها في المستقبل القريب. إن عودة السيادة للعراق يعني عودة السيادة والكرامة التي فقدها العرب باحتلال بغداد.

وعليه يجب أن لا يركن العرب إلى مواقف وبيانات متناقضة وإشارات مشبوهة ذات طبيعة متناقضة من جانب القيادات السياسية والعسكرية الأميركية بشأن ما سمي بإعادة السلطة للعراقيين والتي يسميها أعضاء مجلس "الحكم" المعين من قبل سلطات الاحتلال بإعادة السيادة، بل لابد من موقف واضح وملتزم يسنده قرار دولي وهو أمر ممكن جدا خاصة بعد أن استطاعت المقاومة الوطنية العراقية أن تثبت للعالم أجمع بأنها قادرة على تأدية واجبها الوطني في مقاومة الاحتلال الأجنبي وتقزيم أهدافه وجعله يتخبط في مستنقع لا يمكنه الخلاص منه إلا بالانسحاب الكامل من العراق.

لذلك تجب المطالبة بقوة بانسحاب جميع القوات الأجنبية دون استثناء ففي العراق اليوم حيث لا توجد فقط قوات احتلال أميركية- بريطانية أو ما تسمى بقوات التحالف بل أن هناك ميلشيات مرتبطة ببعض دول الجوار التي لها مطامع تاريخية معروفة في العراق وكما هو الأمر لبعض الدول العربية هذه المليشيات شكلت هي الأخرى وتشكل خطرا كبيرا على العراق والأمة العربية ولابد من أخذها في الحسبان.

إذن الموقف العربي الصحيح الوحيد الذي يجب اتخاذه هو ليس فقط المطالبة بانسحاب جميع القوات الأجنبية من العراق بل إن الواجب يدعو إلى اتخاذ إجراءات عملية لتحقيق هذا الهدف النبيل والمشروع.

لكن موقفا من مؤتمر القمة بهذا الوضوح سيكون مكلفا جدا لجميع الحكومات العربية ولذلك وكما عهدناها في الملمات ستتخذ في النهاية موقفا مهادنا يحظى برضا "السيد" كما يحظى بسخط الشعب العربي كله من المحيط إلى الخليج وبذلك تؤكد القمة مواقفها السابقة بدلا من استعادة ثقة شعوبها بها.

نحن نعتقد أن هذه فرصة تاريخية أمام القمة يمكن أن لا تعود ثانية ولكن إذا ما استغلت بصورة صحيحة من خلال اتخاذ مواقف مسؤولة فسوف تعتبر بمثابة تكفير عن أخطاء كبيرة اقترفت بحق الأمة في العقود الأخيرة.

ثالثا: التعذيب وإهانة كرامة العراقيين

معتقل عراقي يتعرض للتعذيب على يد الجنود الأميركيين في سجن أبو غريب، الصورة نشرتها الواشنطن بوست في 21 مايو/أيار 2004

لا يخفى على الجميع ومنهم السادة الحكام العرب الذين سيجتمعون أو لا يجتمعون في تونس، موضوع ما جرى ويجري في السجون العراقية، فالأمر بات فضيحة كبرى لا يسكت عليها إلا من يقترف ذات الأعمال البشعة أو مثلها ويخاف على نفسه من العقاب لكني أود أن أذكر ببعض الحقائق التي قد تغيب عن أذهان البعض بسبب ماكينة الدعاية الأنكلوأميركية التي تحاول دائما طمس الحقائق وتحقيق أهداف غير تلك التي تعلن عنها وقد تخفى على العديد حتى ولو كانوا في السلطة والمسؤولية.

من هذه الحقائق:

أن العراقيين جميعا يعيشون في سجن كبير بسبب الاحتلال وفقدان الأمن المتعمد خاصة بعد أن قامت قوات الاحتلال بحل الجيش والشرطة وتدمير البنى التحتية وتهديم وحرق مؤسسات الدولة وأرشيفها الوطني وتدمير المعامل والمصانع وتعطيل طاقات الإنتاج وخلق حالة شلل تام في المجتمع بما في ذلك نسبة بطالة تجاوزت الـ 90% وهذا يعني بالضرورة حصول فوضى عارمة على جميع المستويات في بلد محتل مدمر. لقد أعطى هذا الواقع الجديد الذي تم فرضه الفرصة لقوات الاحتلال أن تعمل ما تشاء بالشعب العراقي.

لقد قدمت قوات الاحتلال المعتدية أبشع صورة في الغدر والقتل المتعمد بسبب وبدون سبب لعشرات الآلاف من العراقيين كما قامت وتقوم باحتجاز وسجن وتعذيب عشرات الآلاف من رجال ونساء وأطفال على امتداد العراق من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، إذ لا يوجد هناك أبو غريب واحد كما يدعون ولا توجد حالات تعذيب فردية كما يقولون ويحاولون تسويقه على الرأي العام العربي والدولي بل إن هناك العشرات من السجون لا يقل فيها التعذيب والقتل وإهانة كرامة المحتجزين عن ما يجري في أبو غريب.

ناهيك عما يحدث من مداهمات واستباحة للبيوت وسرقة للممتلكات الخاصة للمواطنين وانتهاك للحرمات واجتياح للمدن والأماكن المقدسة.

العراق كله سجن كبير وإذا أراد الحكام العرب أن يكونوا في مستوى المصيبة في بلدهم العراق وإذا أرادوا أن ينتصروا له بحكم أواصر الأخوة والمحبة التي تربط معظمهم بأهلهم في العراق فعليهم المطالبة أولا بسحب قوات الاحتلال خارج المدن تمهيدا لانسحابها تماما من العراق وفتح تحقيق دولي محايد في الانتهاكات الجسيمة التي اقترفت بحق جميع العراقيين والمطالبة بمحاكمة دولية لكل من اقترف ذنبا بحق العراقيين من قوات الاحتلال طبقا للقانون الدولي الإنساني وأن تشارك الجامعة العربية في التحقيق والمحاكمة إضافة إلى المنظمات الدولية المختصة.

إن ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية من تقديم بعض الجنود للمحاكمة العسكرية لا يمكن أن يكون أكثر من مسرحية هزيلة سوف لن تختلف عن المحاكمات التي تتم لبعض الجنود الصهاينة في فلسطين بحيث يحكم على عدد قليل منهم بأحكام خفيفة لا ترقى بأي حال إلى مستوى الجرائم الكبيرة والخطيرة التي ارتكبت بحق جميع العراقيين.

إن ما تهدف إليه هذه المسرحية ليس إلا محاولة لاسترضاء الرأي العام الأميركي الذي هزته الصور المأساوية لتعذيب السجناء العراقيين، والحصول على مكاسب انتخابية. كما أن في هذه المحاكم الصورية محاولة لمساعدة الأصوات النشاز التي ظهرت في محاولات بائسة لتبرير هذه الجرائم من جانب مسؤولين أعضاء في ما يسمى "بمجلس الحكم" أو المتعاونين مع المحتل من بعض العرب من خلال إشارتهم إلى ما اقترف من جرائم خلال النظام السابق ولكن كيف يمكن تبرير جريمة بجريمة أخرى تختلف عنها تماما فجرائم الحرب تختلف عن الجرائم ضد الإنسانية والجرائم السياسية أو الجرائم العادية.

المختصون من القانونيين يعرفون جيدا أن ما اقترف بحق العراقيين خلال فترة الحرب وبعدها هي جرائم حرب اقترفهاعدد كبير من العسكريين بصورة منهجية بناء على تعليمات وأوامر من رؤسائهم، فالاتهام يطال من نفذ و من أصدر الأوامر من المراتب العليا العسكرية والمدنيين من الحكام وقطعا سيطال الاتهام الرئيس الأميركي و وزير دفاعه ورئيس أركان قواته وبعض القادة الميدانيين. فهل يستطيع الرؤساء العرب المطالبة والعمل على إنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة كل هؤلاء الذين ينتمون إلى دولة تنادي بسيادة القانون؟ أشك في ذلك.... ولكن في التذكير قطعا بعض الفائدة.

رابعا: إرسال قوات عربية إلى العراق


سوف يكون أمرا معيبا جدا أن تتعاون قوات عسكرية عربية مع قوات الاحتلال حتى وإن كان الأمر رمزيا فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمشاركة عسكرية حقيقية تهدف من جملة ما تهدف إليه إلى مساعدة المحتل والتعاون معه لمواجهة المقاومة الوطنية التي وضعت قوات الاحتلال في وضع لا تحسد عليه

لا يمكنني مبدئيا أن أتصور أن جنديا عربيا واحدا يقبل أن يعمل في العراق تحت قيادة عسكرية أميركية في ظل الاحتلال وأعتقد أن هذا هو موقف أي عربي يرفض الاحتلال الأجنبي والشعب العربي بأكمله عدا قلة قليلة يرفض الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق. كما أن العراقيين أنفسهم سيرفضون أي وجود عسكري عربي في ظل الاحتلال.

وعليه فإن مناقشة هذا الموضوع من جانب القادة العرب إذا ما طلبت منها الولايات المتحدة ذلك ستتطلب منهم الأخذ بنظر الاعتبار مجموعة من الاعتبارات العراقية والعربية والدولية ويأتي في مقدمتها عدم إعطاء أية مشروعية عربية للاحتلال الأميركي للعراق بمعنى مشاركة قوات عربية عسكرية في ظل الوضع الراهن أو ما يشبهه ولكن ذلك يكون أمرا مقبولا ومطلوبا في حالة انسحاب القوات الأميركية التي قامت بشن حرب على قطر عربي واحتلته بالقوة وهذا العدوان العسكري السافر كان من المفروض أن يفعّل معاهدة الدفاع العربي المشترك وكذلك بعض قرارات مؤتمرات القمة للوقوف مع العراق لمواجهة القوات الغازية وهو أمر لم يحصل مع الأسف الشديد وبهذا المعنى كان من المفروض أن تعتبر جميع الأقطار العربية نفسها في حالة حرب مع كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا حتى ولو لم تشارك في المعارك فعليا.

ولكن المفروض شيء وواقع الحال شيء آخر سواء بالنسبة لما حدث ويحدث في العراق أو ما حدث ويحدث في فلسطين.

ولذلك سوف يكون أمرا معيبا جدا أن تتعاون قوات عسكرية عربية مع قوات الاحتلال حتى وإن كان الأمر رمزيا فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمشاركة عسكرية حقيقية تهدف من جملة ما تهدف إليه إلى مساعدة المحتل والتعاون معه لمواجهة المقاومة الوطنية التي وضعت قوات الاحتلال في وضع لا تحسد عليه؟ وفي هذا الخصوص" نتمنى" أن يصدر قرار من مؤتمر القمة يتخذ موقفا صريحا ومبدئيا من مشاركة قوات عربية في العراق يوضح أسباب وشروط هذه المشاركة، قبل أن يقوم مجلس الآمن بمناقشة هذا الموضوع قريبا جدا خاصة وأنه بصدد التهيئة لإصدار قرار جديد بشأن العراق بناء على طلب أميركي بعد أن كانت الولايات المتحدة الأميركية تتردد كثيرا حتى في طرح الفكرة من حيث المبدأ، ولكن يبدو أن للضرورة أحكاما.

إن من شأن القرار العربي إذا سلمت النوايا أن يؤثر كثيرا بشكل إيجابي في دعم مواقف الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن (روسيا وفرنسا والصين) التي اتخذت مواقف مغايرة من الحرب والاحتلال وتريد الآن أن يكون لمنظمة الأمم المتحدة دورا محوريا في الشأن العراقي ولكن بشرط انسحاب قوات الاحتلال وإعادة السيادة الفعلية لا السيادة الشكلية للعراق.

أعتقد أن مؤتمر القمة القادم سيكون في وضع لا يحسده عليه أحد بالنسبة للشأن العراقي وبالنسبة للشأن الفلسطيني ولا أدري إن كانت الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة العربية ستسمح بأن تستعيد القمة العربية جزءا من هيبتها لكن يبدو أن قادتنا غير قادرين على أن يكونوا في مستوى التحديات لأسباب لم تعد خافية على أحد لذلك سوف يسكتون وذلك أضعف الإيمان.
______________
مندوب العراق السابق لدى الأمم المتحدة

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
قمة تونس.. الحاضرون والغائبون
المحورية أفشلت قمة تونس
القمة المؤجلة والصراع بين محوري المشرق والمغرب
القمة العربية بين التأجيل والانعقاد
مبادرة الشرق الأوسط الكبير في قمة تونس
هندوراس تختار رئيسها الجديد غدا
عباس يلتقي شافيز بكراكاس
منى تجمع الملايين لأيام معدودات
أزمة قروض دبي تثير قلقا عالميا

تحليلات|كتب|وجهات نظر|أحداث العام|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2009

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2009م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)