خدمة كمبردج بوك ريفيو
هل القناعة بالديمقراطية عند الإسلاميين العرب مترسخة أم صورية؟ وهل تبني كثير من الإسلاميين للحل الديمقراطي كمنهج للتعامل بين الأطراف السياسية والاجتماعية المتنافسة والمتصارعة داخل كل وطن من الأوطان هو تبن حقيقي أم مدفوع بضرورات ظرفية ومصلحية ومن أجل تخفيف الضغط عليهم؟ وبعيدا عن الجدل السياسي والمصلحي, ما هي حقيقة الموقف النظري للإسلاميين حيال الديمقراطية؟ وهل الشكوك التي يثيرها كثير منهم حول مضامين الديمقراطية وتعارضها مع الشرعية الدينية والسياسية التي جذرها الإسلام تبرر المخاوف التي يرددها خصوم الإسلاميين من أن هؤلاء سينقضون على الديمقراطية فور وصولهم إلى الحكم ويحولونه إلى استبداد إسلامي منافس لأنواع الاستبداد الأخرى التي شهدتها المنطقة العربية؟ وأين تقف الدول والأنظمة السياسية والنخب المقربة منها بما فيها شرائح ليبرالية متعاظمة من هذا الجدل كله؟ وما هي حقيقة موقف الكثيرين المتلخص بالاستشهاد الذي أورده علي فخرو في مقدمة الكتاب عن أحد الليبراليين الجزائريين المتعلمين في فرنسا والذي يقول في سياق رأيه حول طريقة تعامل نظام الحكم هناك مع جبهة الإنقاذ الإسلامية "إنني أؤمن بالديمقراطية دون شك, لكنني سأرفضها بشدة إذا كانت ستؤدي إلى استلام الإسلاميين الحكم" (ص 20)؟ ثم قبل هذا كله ما هي الديمقراطية حقاً من وجهة النظر الإسلامية, وهل هي نموذج جاهز قابل للاستنساخ عن الغرب وتطبيقه في كل مكان؟
|
- اسم الكتاب: الحركات الإسلامية والديمقراطية: المواقف والمخاوف المتبادلة - المؤلف: علي الكواري (محرر) - عدد الصفحات: 225 - الطبعة: الأولى 2000
- الناشر: دار قرطاس- الكويت | |
هذه هي بعض الأسئلة التي يحاول الإجابة عليها المساهمون في هذا الكتاب (الذي هو في الأصل أوراق ندوة عقدت في أكسفورد ببريطانيا بإشراف من قبل ورشة أعمال الديمقراطية في الوطن العربي التي يشرف عليها علي الكواري ورغيد الصلح, وتنظم ندوة سنوية هناك متخصصة بجانب من جوانب الدمقرطة في العالم العربي).
يتضمن الكتاب ورقتين هامتين, الأولى كتبها وليد نويهض بعنوان "الإسلاميون والدولة والصراع على المسألة الديمقراطية", والثانية كتبها زياد أحمد بهاء الدين بعنوان "مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي". وعقب على الورقة الأولى عبد الحسن الأمين ومحمد محمود ويوسف الشويري, وعلى الثانية عزام التميمي وأمهند برقوق, كما شارك في المداخلات والنقاش عدد مهم من المثقفين العرب من الإسلاميين وغيرهم, منهم راشد الغنوشي وبشير نافع ومضوي الترابي وعبد الحسين شعبان ورغيد الصلح ومحمد جابر الأنصاري وشفيق أبو زيد وآخرون.
والواقع أن الردود والتعقيبات والملاحظات الواردة من قبل هؤلاء المتداخلين لا تقل أهمية عن الورقتين الأصليتين, وهي إذ ترفع درجة حرارة النقاش في الكتاب فإن أهميتها لا تقتصر على مضامينها النظرية بل الاستشهادات العملية خاصة من قبل الإسلاميين المنخرطين في مشروعات حركية على أرض الواقع في مجتمعاتهم.
” يحاول نويهض نزع الهالة العقدية عن الديمقراطية التي هي في النهاية كما يقول "مجرد آلة لا واعية لتنظيم خلافات الناس سلمياً وترتيب اختلاف وجهات نظرهم ومصالحهم في سياق لا عنفي, فهي ليست دولة ولا نظام حكم ولا تشريعا ولا تمت بصلة للعلمانية والليبرالية ” |
في ورقته الاستعراضية لمواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية يقسم وليد نويهض الحركات الإسلامية لجهة موقفها من الديمقراطية إلى فريقين: "الأول يشارك بنسب متفاوتة في برلمانات بعض الدول العربية وحكوماتها، والثاني يناهض الأنظمة العربية ويحاربها سياسياً في بعض المناطق وعسكرياً في مناطق أخرى" (ص 25). ويحصر نويهض بحثه في الفريق الثاني ويهمل عن عمد الفريق الأول بسبب عدم الحاجة للنقاش طالما أن هذا الفريق مقتنع بالديمقرطية بل ويمارسها. ثم يعالج نويهض مواقف الإسلاميين الرافضين للديمقراطية في ضوء ثلاث نقاط: تطور الفكرة واختلافها داخل كل تنظيم, والتنازع بين التنظيمات الإسلامية واختلاف تفسيراتها للمسألة الديمقراطية, وعلاقة تلك التنظيمات بالسياسة وعلاقة السياسة بها.
لكن قبل الانخراط في نقاشات الإسلاميين للديمقراطية يؤسس نويهض لمداخلته بتفكيك النظرية الديمقرطية نفسها ونسبها في البداية إلى سياق نشوئها الأوروبي وكحصيلة تطور اجتماعي وتاريخي آل إلى تنظيم العلاقة بين الفئات المتصارعة في المجتمعات والدول الأوروبية بطريقة سلمية. وهو يرفض سلخ تطور الديمقراطية عن سياقاتها التاريخية والواقعية تلك, ويرى في الجدل النظري حول تطبيق أو عدم تطبيق الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية بل والعالم الثالث ترفاً فكرياً عندما ينظر إلى الديمقراطية كـ"حل معلب" جاهز للاستيراد والتطبيق الفوري ومن ثم منوطة به مهمة سحرية هي حل كل الإشكالات والمعضلات التي تواجه المجتمعات النامية.
غير أن "تخصيص" الديمقراطية بالغرب هي بالذات التي انتقدها ضمناً يوسف الشويري في تعقيبه على نويهض, إذ لا يوافق الشويري على "إضفاء صفات دائمة على المجتعات الغربية في مقابل الجماعات الإسلامية, وتصبح الديمقراطية والرأسمالية -مثلا- صفتين ملازمتين للدول الأوروبية منذ تكوينها التاريخي, في حين تلجأ المجتمعات العربية إلى نظام مختلف كماً ونوعاً تختزنه الذاكرة الشعبية وحافظت على وجوده بين ظهرانيها منذ أكثر من ألف عام" (ص 143). أي أن الملاحظة التي تحتاج إلى توقف هنا هي النظرة إلى المجتمعات العربية والإسلامية على أنها مكتفية بذاتها وتاريخها ولا تتأثر أو تستوعب التطورات التاريخية والاجتماعية التي تنشأ في فضاءات أخرى.
على أن الشيء الأساس الذي تنطوي عليه ورقة نويهض هو نزع الهالة العقدية عن الديمقراطية التي هي في النهاية كما يقول "مجرد آلة لا واعية لتنظيم خلافات الناس سلمياً وترتيب اختلاف وجهات نظرهم ومصالحهم في سياق لا عنفي, فهي ليست دولة ولا نظام حكم ولا تشريعاً ولا تمت بصلة للعلمانية والليبرالية (ص 32).
ويتساءل نويهض بعمق عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الديمقراطية, وهل يمكن أن تصل إلى حد إلغاء نفسها ديمقراطياً؟ أي ماذا لو صوتت الغالبية في مجتمع ما على إلغاء الديمقراطية واختيار نظام حكم آخر؟ ويحشد عدداً من الأسئلة الافتراضية مثل ماذا لو أن 51% من مجتمع ما صوتوا لصالح قتل الـ 49% المتبقين؟ ألا يعتبر هذا قراراً ديمقراطياً؟ ومن هنا فهو ضمناً يتفق مع علي الكواري بأن الديمقراطية مقيدة وغير مطلقة ويجب أن يضبطها دستور فوقي يراعي منظومة القيم الأساسية للمجتمع ويحفظ مصالح الشرائح الكبرى فيه. ويتفاقم السؤال الديمقراطي في الحالات أو البلدان التي تشهد تعدداً إثنياً وعرقياً, ففي مثل هذه الحالات قد تؤدي الديمقراطية إلى استبداد إحدى الأقليات بالمجموعات الأخرى.
غير أن الملاحظ في بحث نويهض أنه ركز في معظمه على تجارب الحركات الإسلامية التي تؤمن بالديمقراطية وتمارسها, رغم أنه ذكر أنه سيركز على الفريق الآخر الذي يعارضها ويرفضها. فالجزء الأكبر من النقاش يحوم حول تجارب وأفكار الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في السودان والجزائر. وثمة إشارات متفرقة لمواقف رافضة من ناحية مبدئية للديمقراطية مثل أبو قتادة وأبو عبد الله. لكن هناك شبه غياب لرأي التيارات السلفية المنتشرة في الخليج العربي رغم أهميتها.
أما زياد أحمد بهاء الدين فهو يحلل في الورقة الأساسية الثانية في هذا الكتاب مدى دقة وحقيقة "المخاوف والتحفظات الموجودة لدى قطاع كبير من الرأي العام العربي من احتمال مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي" (ص 153). وهو يقرر ابتداء أن هذه المخاوف بعضها صحيح وبعضها الآخر بعيد عن الصحة (ص153). لكن عزام التميمي ينتقده بشده بسبب استخدام تعبير "قطاع كبير من الرأي العام العربي" ويقول بأن الباحث لا يقدم أدلة تذكر على ما يقول, بل مجرد انطباعات شخصية (ص 179).
ويناقش بهاء الدين الاتهام الموجه للحركات الإسلامية بأنها تميل إلى استخدام العنف عند وقوع خلاف مع الأطراف الأخرى, وأنها تستخدم الديمقراطية مطية للوصول إلى السلطة وحالما تستولي عليها فإنها تلغي الديمقراطية. وللوقوف على حقيقة تلك الاتهامات والمخاوف يعمد بهاء الدين إلى تقديم تحليل يعتمد على الملاحظة والمشاهدة وليس على الانخراط في الكتابات الأكاديمية والبحثية التي كتبها الإسلاميون أو خصومهم أوغيرهم حول الموضوع, وذلك لأن التجربة العملية والممارسة على الأرض هي في نهاية المطاف الشيء الأهم. وهو في النهاية يحاول "اقتراح مواقف عملية ومبدئية محددة يمكن جمع الرأي العام العربي عليها للخروج به من حالة التمزق والتشرذم والقطبية البالغة", وهو هدف بالطبع ليس باليسير تحقيقه. لكن مشكلة هذا النوع من القراءات أنه محكوم بالنظرة الشخصية والتجربة الذاتية التي تكون في معظم -إن لم يكن كل- الأحوال جزئية وليست كلية وقاصرة عن الإحاطة بكافة جوانب الموضوع المعني.