المرحلة الأولى (1996-2000)، وفيها ظهرت الحركة العنصرية مموهة تحت حزب قومي روج لنفسه إعلاميا، ثم شبت عن هذا الحزب جماعات عرفت باسم جماعات حليقي الرؤوس أعلنت عن وجودها بمظهر مميز (سترات جلدية سوداء، رأس حليق، التسلح بالمدى والعصي، السير في مجموعات صاخبة) وبشعارات تصل إلى كل مكان تعلن "روسيا للروس فقط".
ثم تطور النشاط إلى إرسال خطابات تهديد بالقتل إلى نزل الطلاب ومساكن المهاجرين، ثم التحرش بالغرباء في الطرقات والجامعات والاعتداء عليهم بالسب، لتنتهي هذه المرحلة باعتماد الاعتداء الجسدي أسلوبا لترجمة الأفكار العنصرية.
المرحلة الثانية (2000-2004)، وفيها تأكد المتطرفون من غض السلطات الروسية الطرف عن نشاطهم فقويت قلوبهم وانتقلوا إلى مستوى قتل الضحايا وحرق أسواق الأجانب التجارية ونبش قبور المسلمين وحرق بعض مساجدهم.
وهكذا تمكن الفاشيون الجدد خلال هذه الفترة من قتل ما يزيد عن 100 شخص وجرح نحو ألف آخرين. وفي هذه المرحلة تكاثر عدد أفراد الجماعات الفاشية من أقل من 10 آلاف إلى 50 ألفا (جاء الرقم الأخير على لسان السفير الأميركي في موسكو أثناء نقده لتنامي العنف على أسس عرقية في روسيا).
كما توسعت الرقعة الجغرافية للمناطق التي ينتشر فيها الفاشيون الروس من أومسك في سيبيريا شرقا إلى كالينغراد في أقصى الغرب، لتمثل بهذا أكبر مساحة جغرافية ترتع فيها العنصرية في العالم.
وتطورت الأهداف من الأفراد إلى نزل الطلاب، فتمكن العنصريون –حسب شهادات الناجين- من إضرام النار في 250 طالبا مغتربا سقطوا بين قتيل وجريح في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 في حادث أعلنت السلطة الرسمية أنه تم بتماس كهربائي ولا علاقة له بالنشاط العنصري.
القومية وتفكيك الدولة الروسية
من لم يقرأ روائع دستيوفسكي عن دقائق حياة المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر ربما يعرف مقولته المعبرة عن التعددية الثقافية في روسيا بقوله إن هذا البلد دوما يبدو أوروبيا للآسيويين وآسيويا للأوروبيين.
ويمثل الشعار الرسمي للدولة الروسية بعد سقوط السوفياتية طائرا له رأسان يرنو بأحدهما نحو الشرق ويتطلع بالآخر نحو الغرب، في دلالة بليغة على قبول التعدد في دولة أوروآسيوية تحتضن أكثر من مائة عرق وتعيش بين جوانحها عشرات الألسنة والمعتقدات.
أما اليوم فالصورة جد مختلفة، إذ تفيد استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات صحفية وأكاديمية (كمؤسسة "الرأي العام" الروسي) ارتفاع نسبة الشباب المتعاطفين مع الحركة العنصرية إلى 37%، وأن 16% من الشباب الروس مستعد للمشاركة في حركة الفاشية الجديدة سواء بمقابل مادي أو اقتناعا بأيدولوجيتها.
ويجب ألا يغيب عنا ما تمثله القدوة السياسية لهؤلاء الشباب من أهمية كبرى، فأثناء حملته الانتخابية للرئاسة منافسا لبوتين في مارس/ آذار الماضي صرح نيقولاي خريتانوف بأن موسكو "يجب أن تطهر من الأغراب".
أما البرلماني الشهير جيرونيفسكي صاحب التوجهات القومية فحينما سئل في برنامج حواري على قناة RTR في الصيف الماضي عن التعددية الثقافية في روسيا والتي أفرزت شعراء عظاما مثل بوشكين، أجاب "ومن بوشكين هذا؟ ذلك الأسود الذي لا نعرف من أين جاء إلى روسيا!".
كما أن الرئيس الروسي لم يعد يوجه في خطبه للشعب الروسي أي نقد للجماعات العنصرية، وهو الذي أعلن في أبريل/ نيسان 2002 أن "تنامي الحركات المتطرفة يشكل تهديدا للأمن القومي الروسي، وأن المشتركين في إشعال العنف في البلاد وضرب وقتل الأجانب سينالون عقاباً كذلك الذي يناله أعضاء الجرائم المنظمة".
" شعار "روسيا للروس فقط" هو الفرصة التي تنتظرها عشرات القوميات للاستقلال عن دولة تنتشر بها إرهاصات التفسخ وتعلق في سمائها سحب الحرب الأهلية " |
وإذا أضفنا إلى ما سبق تقاعس الشرطة عن ملاحقة هذه الجماعات وإطلاق يدها فيما تقوم به من أعمال إجرامية، فلن نستغرب عندئذٍ جواب زعيم الحركة العنصرية في مدينة يجينفسك (وسط روسيا) على سؤال صحيفة أزفيستيا واسعة الانتشار عن موقفه من حادثة ذبح الطفلة الطاجيكية في سان بطرسبرغ، حين قال "وما الغريب في هذا؟! السؤال هو: ماذا يفعل الطاجيك على أرضنا؟".
وفي النهاية لا يمكن إلا أن نقرر أنه رغم الذروة التي وصلتها الحركة العنصرية الروسية الآن فإنه مكتوب عليها الفشل في المستقبل المنظور، فما ينادي به القوميون من جعل روسيا للروس فقط هو مطلب يغالط مسار تاريخ روسيا وجغرافيتها في آن واحد.
فتاريخ روسيا تاريخ اعتماد إن لم نقل استغلال للقوميات الأخرى التي ضمت قسرا إلى حدودها، وجل الثروات النفطية والمعدنية التي تعتمد عليها روسيا الآن هي لدى قوميات غير سلافية.
كما أن أهم المواقع الإستراتيجية لروسيا تقع في جمهوريات لا تسكنها أغلبية روسية كالقوقاز الشمالي والشرق الأقصى على الحدود الصينية واليابانية ومناطق الحدود مع فنلندا..إلخ).
إن شعار "روسيا للروس فقط" هو الفرصة التي تنتظرها عشرات القوميات للاستقلال عن دولة تنتشر بها إرهاصات التفسخ وتعلق في سمائها سحب الحرب الأهلية.