أستهل مختصر بحثي بمقدمة تشخيصية للمشكلة العراقية لتكون مفتاحا لما نقترحه من إجراءات عملية قد تسهم في حلها، فالبحث يتساءل بمشروعيته عن عناصر المشكلة العراقية وتحديدها ومدى إمكانية اقتراح الحلول المناسبة لإمكانية إجراءات التعايش السلمي بين مكونات المجتمع بعد الاحتلال الأميركي له.
وإلغاء مؤسساته المدنية والعسكرية إلى الحد الذي خلق فوضى واضطرابات في جميع مناحي الحياة المختلفة وعلى كافة الصعد السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والتي أدت إلى تأزيم الواقع العراقي.
إن المسألة المركزية في المشكلة العراقية وجوهرها هو حصول ما يمكن أن نطلق عليه (المدافعة والمزاحمة) ونقصد بها التدافع والتصارع والتنافس بين إرادتين (طرفين) والمشهد يشير إلى صراع مشروعين سياسيين, الأول مشروع سياسي غير مدني, والثاني مشروع سياسي مدني, والدين يوظف لتثويب المشروعين (سني وشيعي).
وهذا يعني أن طرفا دفع وأزيح عن السلطة بفعل خارجي وتعاون داخلي ونقصد بذالك الطرف (السني), وهذا الأخير يؤمن بأن طريقة إزاحته عن الدولة ومؤسساتها تمت بطريقة غير شرعية وخارج الأطر القانونية وهذا الطرف لا يزال متمسكا ومدافعا عن حقه التاريخي وإرثه السياسي، وأصحابه مؤمنون بأنهم أصحاب خبرة ودراية وأهل للحكم والرئاسة.
أما الطرف الثاني فقد دفع صوب السلطة متربعا عليها, متمترسا بالمظلومية وبحق الأغلبية. ومؤمنا بأن معرفته السياسية في ألقيادة والحكم إذا لم يعرفها اليوم فسوف يكتسبها غدا.
فالطرف الأول بكل فصائله وأشياعه وأتباعه وعشائره ومذاهبه وطوائفه يريد العودة إلى السلطة التي أزيح عنها عنوة وفي تقديره أنها حالة طارئة وغير سليمة، ومؤمنا في العمل بضرورة تصحيحها وإعادة مسيرتها الأولى. وأما الطرف الثاني فلا يزال متشبثا بالسلطة ومدافعا عنها ومتمسكا بالشرعية الانتخابية والعملية الديمقراطية.
" المدافعة والإزاحة عن السلطة وفعل الحفاظ عليها بين الطرفين خلق حاله تنافسيه حادة وقاتلة، يحيط بها ضباب كثيف من الشك والريبة والخوف من الأخر, فانعدمت الثقة كل الثقة بين كل الأطراف " |
فالمدافعة والإزاحة عن السلطة وفعل الحفاظ عليها بين الطرفين خلق حالة تنافسية حادة وقاتلة، يحيط بها ضباب كثيف من الشك والريبة والخوف من الأخر, فانعدمت الثقة كل الثقة بين كل الأطراف، وتأسيسا على ذلك يستحضر كل طرف في هذا الصراع نوايا وأهداف الطرف الأخر في سلوكه ومواقفه وفي رؤياه لكل حدث أو قضية، وبها تتصاعد أزمة الثقة بين الطرفين, لاعتقاد الطرف الثاني بأن الطرف الأول يعمل وبكل جدية للعودة للسلطة سواء شرعا أوغصبا.
أما الطرف الأول فمؤمن أو على أقل تقدير يراوده أمل العودة إذا كان اليوم غير ممكن فغدا أكيد. والطرف الثاني القابض على السلطة يعيش كابوس الخوف من سرقة السلطة منه فإذا تم الأمر فلن تعود إليه.
وفي هذه الأجواء المشحونة بالشك والخوف وعدم الثقة أخذ كل طرف يحشد الأتباع والأشياع والمناصرين وحتى المتعاطفين معه في نصرته على الطرف الأخر لاسترجاع أو تثبيت حقه أو استمرار حكمه.
وهذه المناصرة والمؤازرة لم تكن داخلية محلية فقط بل إقليمية ودولية، تارة باسم المذهبية وتارة أخرى باسم المصالح ألاقتصادية والقضايا ألإستراتيجية والأمنية. فكان العامل الخارجي سببا مركزيا آخر في تصعيد وتناقض وتصارع الأطراف السياسية العراقية والأطراف الخارجية العربية منها والإقليمية التي استنهضت همتها على خلفيه مخاوف مذهبية أو حسابات إستراتيجية أو أمنية.
إن مخاوفهم تلك مصدرها التوجس من إقامة ما يعرف بالهلال الشيعي المؤلف من (العراق وسوريا ولبنان) والمدعوم من إيران (الدولة الشيعية).
وما كانت تخشاه تلك الأطراف ونجحت في إفشاله عام 1991 هو (وصول الشيعة إلى السلطة) نجد نفس الأطراف عام 2003 فشلت في إيقافه أو إفشاله، ومما عمق وزاد من المخاوف الإقليمية والعربية تلك أن تجد لأول مرة العراق لا يحكم من قبل أغلبية شيعية فقط وإنما يأتي على رأس السلطة والشؤون الخارجية من غير العرب (الكرد).
فقد تعودت الأطراف العربية نفسيا وتاريخيا أن تجد العراق دائما وأبدا ضمن محيطه العربي ودائرته السنية. والحصيلة النهائية أن كل طرف سعى ويسعى لتحقيق أهدافه في المدافعة والإزاحة عن السلطة عبر طريقين، طريق شرعي عبر الدولة ومؤسساتها الدستورية (مجلس نواب حكومة ودوائر أخرى) وطريق آخر غير شرعي عبر إنشاء وإقامة تنظيمات مسلحة مدعومة من قبل أطراف متصارعة.
متمترسة خلف واجهات سياسية ودينية ومسندة من طابور من القنوات الفضائية والمحطات الإعلامية والصحف اليومية والخطب السياسية, كل يحمل المسؤولية للطرف الآخر دون الاعتراف بخطاياه وأخطائه متناسيا أن الاعتراف بالخطأ ليس فضيلة فقط ولكنه الخطوة الأولى نحو الحل وسلوك الطريق الصحيح.
وسوف أسرد عليكم مختصرا لما أرتئيه من إجراءات وحلول قد تسهم في خلق التعايش السلمي بين مكونات المجتمع العراقي.

- العمل الجاد والفعلي لاستعادة السيادة وتأكيد حكم القانون واستقلال القرار السياسي في جانبه المدني والعسكري وهذا الأمر يتضمن بسط سيطرة الدولة وفرض إرادتها القانونية التي لا تقبل التنازع في الاختصاص والتطبيق حيث لا سلطة إلا سلطة الدولة ولا سلاح إلا سلاح الدولة.
ولتكتمل السيادة يجب أن يكون القرار السياسي عراقيا مستقلا وعبر مؤسساته الدستورية والسياسية لإكسابه الصفة الشرعية وبعكسه لا يمكن الحديث عن وجود سلطة ولا حتى عن دولة، وهذا يشترط المطالبة الرسمية من قبل الحكومة بجدولة انسحاب جميع القوات الأجنبية من العراق بغض النظر عن جنسيتها وأسباب تواجدها بشرط اكتمال إعداد الأجهزة العسكرية والأمنية العراقية لتقوم بدورها الوطني المنشود.
" لتكتمل السيادة يجب أن يكون القرار السياسي عراقيا مستقلا وعبر مؤسساته الدستورية والسياسية لإكسابه الصفة الشرعية " |
- الأخذ بالتعديلات الدستورية على أن يتم الإبقاء عليه مع إعادة قراءته من جديد لإجراء تعديل على بعض نصوصه وفقراته محل الخلاف وضرورة إعادة صياغته تقتضي اعتماد الصيغ والعبارات الدستورية والقانونية على أن يتم بعد تقديم المقترحات إجراء الاستفتاء عليها من أجل خلق حالة من التوافق في الرؤى والمواقف الدستورية والقانونية وأهم تلك التعديلات الدستورية التي يجب إعادة النظر فيها وهي في محل خلاف بين الأطراف السياسية المتنافسة (الاستثمارات النفطية وتوزيع عائداتها والمسألة الفدرالية وقضية ازدواج الجنسية).
- إعادة النظر في قانون الانتخاب على أن يكون الانتخاب مزدوجا يعتمد النظام الفردي في الترشيح ونظام القائمة المفتوحة بدلا من القائمة المغلقة. لأن أغلبية أعضاء البرلمان حاليا والذين تم انتخابهم على أساس القائمة لم يكونوا من المعروفين لناخبيهم وهذا يعني الإخلال بأهم صفة في العملية الانتخابية لخلق المعرفة والتواصل بين الناخب والمنتخب.
- البحث عن القواسم المشتركة لمؤتمرات المصالحة الوطنية السابقة والأخذ بها وإقرارها باعتبارها تمثل وجهات نظر عشائرية ودينية وسياسية فهي لا تمثل قواسم مشتركة لكل أطراف العملية السياسية بل حتى من هم خارجها وحصل شبه إجماع على تلك المشتركات، منها إعادة النظر في قانون اجتثاث البعث, وإعادة المفصولين من العسكريين والمدنيين وتعويضهم, لغرض الاستفادة منهم كخبراء ومستشارين في مجال اختصاصهم.
والضرورة تقتضي قطعا إعادة حقوقهم القانونية والمالية أي إلغاء قراري (بريمر) بحل الجيش والشرطة، لأن بعض من حمل السلاح ووقف بوجه السلطة كان يدافع عن حقوقه ولقمة عيشه، وبتطبيق ما ذهبنا إليه سوف تحيد بعض الجماعات المسلحة عن مواقفها إذا ما أعيدت لها حقوقها وضمنت مصالحها.
- بما أن أوضاع العراق الداخلية غير مستقرة بل متفجرة وملتهبة فهي لا تتحمل مزيدا من التصدع والخلافات الجديدة ولاسيما التي تمس العراق ومستقبله السياسي والاقتصادي، لذا نقترح تأجيل البت في المواضيع الساخنة والمختلف بشأنها إلى فترة لاحقة (استقرار الأوضاع وتحسن الحالة الاقتصادية والاجتماعية) ومنها (موضوع كركوك وفدرالية الجنوب) ونحن نسأل أين الخوف من تأجيل البت بهذه المواضيع إذا كان الدستور قد نص عليها وحدد الطريقة التي تحل بموجبها.
- الإكثار من اللقاءات وفتح الحوارات بين الكتل والجماعات والقيادات من منهم في السلطة أو خارجها، وكل لقاء هو اقتراب وكل اقتراب يفتح حوارا وكل حوار يؤدي إلى تفاهم ولقاء، وبغية إنجاح تلك اللقاءات فمن الضروري التفتيش عن القواسم المشتركة التي تجمع عليها القوى السياسية، فالقواسم المشتركة وليست الخلافات وسيلة تفضي إلى حل بعض الإشكالات.
- إصدار قانون تنظيم الأحزاب، ففي ظل الفوضى السياسية فإن الأمر يقتضي أن يتضمن هذا القانون المبادئ العامة الأساسية التي تعزز الوحدة الوطنية. والأمر يقتضي منع الأحزاب من الإشارة في أهدافها وشعاراتها إلى كل ما يدعو إلى التعصب الديني والمذهبي والقومي والعنصري، ويشترط كذلك إخلاء الأحزاب من التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية وأن تؤمن الأحزاب بمبدأ التداول السلمي للسلطة. وشريطة أن تكون تلك الأحزاب مدعومة ماليا من قبل (ألدولة) وليس (السلطة) وما عداها أمر مرفوض.
- الإسراع في إجراء انتخابات لاختيار مجالس المحافظات والتي على ضوئها يتم تشكيل الحكومات المحلية على صعيد المحافظات، لأن التجربة السابقة إذا لم تكن فاشلة فهي متعثرة، أثبتت النتائج العملية لأغلب أعمالها أنها بعيدة جدا عن الأهداف التي أنشئت من أجلها والتي حددها الدستور مما خلق ردود فعل سلبية إزاءها.
ففي استبيان أجرته مؤسسة آفاق للدراسات والأبحاث/ مركز النجف في ديسمبر/كانون الأول عام 2006 في بعض ولايات الجنوب الشيعي (القادسية والنجف وبابل) والاستبيان تمحور في سؤال افتراضي (لو تم إجراء انتخابات الآن لاختيار مجالس المحافظات هل ستختار نفس الأحزاب والأشخاص) بعد أن وزعت 300 استمارة كانت النتيجة في محافظة القادسية (183) بنعم، بذلك فهم يشكلون نسبة 78% أما الرافضون فقد بلغ عددهم (52) وبذلك فهم يشكلون ما نسبة 22% من مجموع الأصوات (مع وجود 65 استمارة غير صالحة).
أما في محافظة النجف (مركز التشيع ومقر المرجعية) فقد وزعت 315 استمارة (14) منها لا تصلح للاستبيان والذين أجابوا بنعم 160 عنصرا وبذلك فهم يشكلون ما نسبته 53% من مجموع العناصر أما الرافضون فقد بلغ عددهم 141 وبذلك فهم يشكلون ما نسبته 47% من مجموع العناصر أما في محافظة بابل فقد وزعت 400 استمارة، منها (15) استمارة غير صالحة للاستبيان والذين أجابوا بنعم 214 عنصرا وبذلك فهم يشكلون ما نسبته 59% أما الرافضون فقد بلغ عددهم 151 وبذلك فهم يشكلون ما نسبته 41% من مجموع العناصر.
هذه الحقائق دعتنا إلى ضرورة الإسراع في إجراء انتخابات جديدة لمجالس المحافظات، هذا من جانب أما من جانب أخر فإن بعض الأطراف والجماعات والأفراد الذين لم يساهموا في اختيارها هم على استعداد الآن للمساهمة في الانتخابات القادمة، وهذا الأمر يزيد من شعبية تلك الحكومات وفعاليتها من خلال العملية ألانتخابية والمراقبة الجماهيرية.
- على كل الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في السلطة (مجلس النواب والحكومة والدوائر المهمة) ومن يروم الاشتراك فيها مستقبلا أن يرشحوا لشغل هذه المناصب شخصيات معتدلة وواعية ومثقفة إذا أريد للعملية السياسية أن تنجح وعلى الحكومة اتخاذ الإجراءات الكفيلة لتمكين القوى العلمانية والعقلانية للوصول إلى السلطة, ونظرا لأهمية هذا الأمر يفضل أن ينص الدستور على ذلك. وبنفس الوقت نجاح هؤلاء المرشحين في مناصبهم سوف يكون بالضرورة كسبا شعبيا للأحزاب والقوى السياسية التي ينتمون إليها.
- تشجيع ودعم المؤسسات غير الحكومية (مؤسسات المجتمع المدني) لمراقبة سلوك وأعمال الحكومة ومؤسساتها لخلق وتعميق روح المواطنة.
- وبعد ما ذهبنا إليه في المحور السياسي من أفكار وطروحات إذا ما تم إقرارها والعمل بموجبها فالضرورة تقتضي أن يحل مجلس النواب الحالي وأن يصار إلى انتخابات جديدة لمجلس تشريعي وبالتالي تشكيل حكومة جديدة.
وتأسيسا عليه فسوف تتاح الفرصة للمساهمة في العملية السياسية ليس فقط للأطراف التي ساهمت فيها سابقا، وإنما حتى للأطراف والجماعات التي امتنعت من المساهمة في التجربة السابقة، وسوف يتوقف أمر نجاح هذا المشروع السياسي أو فشله على مدى جدية ومصداقية الأطراف والجماعات العراقية المتآلفة فيما بينها، هذا من جانب.
كما سوف يعتمد كذلك على حجم ومدى الحرية التي توفرها المؤسسات الرسمية والشعبية للأفراد والجماعات وبالذات من هم خارج ألعملية السياسية (مسيسين أو مستقلين) كون هؤلاء أكثر تحررا من ضغوط السلطة والتزاماتها, شريطة توفير الضمانات والحصانات القانونية والأخلاقية.

- إصدار قانون بشأن الثروات الطبيعية ولاسيما النفط, حيث يمثل هذا الأمر قلب الجدل الدائر حول مستقبل العراق وخصوصا مسألة وجود حكومة مركزية قوية في مواجهة حكومات إقليمية نشيطة وفاعلة، وكانت هذه مسألة قد أثارت توترا إثنيا ومذهبيا.
فالعراقيون السنة الذين يقطنون في المناطق الوسطى والغربية من العراق التي يشح فيها النفط تمسكوا بخيار توزيع منصف للعائدات النفطية بواسطة الحكومة المركزية فيكفي أن نشير إلى أن نسبة احتياط نفط الجنوب لوحده يشكل حوالي 65% من جملة احتياطي البلاد والذي يقدر بحوالي 115 مليار برميل.
" الضرورة تقتضي إصدار قانون تحصل الحكومة المركزية بموجبه على سلطة توزيع عائدات النفط العراقية حاليا ومستقبلا " |
وعليه فإن الضرورة تقتضي إصدار قانون تحصل الحكومة المركزية بموجبه على سلطة توزيع عائدات النفط العراقية حاليا ومستقبلا اعتمادا على عدد سكان كل محافظة.
- إلغاء الوظائف على أساس طائفي أو حزبي، بما أن أغلب المناصب الوظيفية والإدارية لم يتم إشغالها واختيار أشخاصها طبقا للشهادة والاختصاص والكفاءة. والضرورة تقتضي إعادة العمل بمجلس الخدمة المدنية، وهو مجلس مؤلف من مجموعة من القضاة والمختصين شريطة أن يملك الحق والحرية في البت في أمر المتقدمين لنيل الوظيفة العامة بعيدا عن النتائج الانتخابية والمسألة المذهبية والقومية، أي جعل الكفاءة الوسيلة الوحيدة للحصول على الوظيفة.
- ولتحقيق التوافق والاستقرار الاجتماعي ينبغي بناء مجمعات سكنية في المحافظات والأقضية تحتوي على كل مستلزمات العيش الكريم وتوزع تلك الوحدات السكنية حصرا على الشباب من الجنسين الذين تتراوح أعمارهم بين (20 و35) مما يضمن مستقبلهم.
- أن يخصص لكل عراقي بالتساوي جزء من واردات البترول أو من خزينة الدولة ويوضع في حساب خاص للاستثمار، بحيث لا يحق للمستفيد السحب من رأس المال إلا في الحالات الضرورية كالزواج أو بناء دار مثلا، وبعكسه يحق للمستفيد سحب ما يشاء من فوائد رأس ماله وهذه الفقرة والتي سبقتها سوف تسهم في تنشيط الاقتصاد العراقي من خلال توفير فرص عمل ووظائف جديدة.
- تفعيل قانون مكافحة الفساد الإداري بصيغ جديدة وذلك بتخصيص هيئة قضائية لهذه الغاية وأن تخصص برامج تربوية اجتماعية ونفسية ودينية لمناقشة الأمر من حيث المحرمات الدينية والقيم الاجتماعية والحالة النفسية والمخالفة القانونية وضرورة محاسبة المفسدين قضائيا دون تمييز.
والأمر يقتضي وضع قانون شامل وعام يتناول كل تفاصيل تلك الجريمة وتحديد العقوبة إزاءها على أن تسبقه قبل إقراره مناقشات وحوارات ليس على صعيد المؤسسات الدستورية والرسمية فقط وإنما عبر حوارات إعلامية وثقافية لاستشراف أراء المواطنين إزاءها
بغية إنجاح عمليه إعادة الإعمار والقضاء على سوء استخدام المال العام, نقترح أن يتم إحالة تلك المشاريع المقترحة من قبل العراقيين على شركات عالمية معروفة بالنزاهة ودقة العمل على أن يتم التنفيذ من قبل شركات ومؤسسات عراقية معروفة بالخبرة والنزاهة.

إن تباين المعتقدات الدينية يحول دون انسجام فئات المجتمع الواحد وصهره في بوتقة الولاء السياسي المشترك، إضافة إلى ما يمكن أن يثيره من مشكلات اجتماعية وسياسية التي تنجم عن عمق الإحساس بالتمييز والاختلاف بين أبناء المجتمع الواحد دينيا ومذهبيا وطائفيا مما يؤدي إلى صراع سياسي بينهم.
ومما يزيد الأمور خطورة انقسام أفراد المجتمع إلى طوائف متعددة داخل الدين الواحد، حيث أن الانقسامات الطائفية تعمل على زرع التناقض والتطاحن والصراع وإقامة محاور متعاكسة ومتناقضة، ينجم عنها انتقال الولاء السياسي للفرد إلى الطائفة التي ينتمي إليها.
على رغم ما ذهبنا إليه يبقى للدين تأثيره الفعلي على الدولة ومؤسساتها وعلى الحكومة وأدائها، وتأسيسا عليه فمعرفة الشخص لدينه ومذهبه له أهمية كبيرة للاستدلال على كيفية حكم هذا الشخص على الأمور السياسية وطبيعة العمل السياسي، من هنا جاءت أهمية نشر ثقافة ومعرفة الأخر ولاسيما في المسائل الدينية والمذهبية وهذا ما ينطبق على الحالة العراقية وعليه نقترح:
- إدخال أصول المذاهب الفقهية والشرعية في المناهج الدراسية بغية الاطلاع عليها, لأن المعرفة بأصولها سيساهم في التقريب بين المذاهب، ويضاف إلى ذلك تخصيص برامج إعلامية عبر الفضائيات والقنوات والصحف للتعريف بالمذاهب الإسلامية شريطة أن تكون اللقاءات تمثل فيها كل الأطراف عبر حوارات واستفسارات مباشرة، يضاف إلى ذلك أن يتم نشر وتوزيع كراريس وكتيبات توضح هذه الأمور.
- تخصيص برامج ثقافية تربوية إعلامية هدفها التوعية والإرشاد وفهم الأخر، تعتمد على ذوي الاختصاص في الدين وفي السياسة وفي علم النفس وفي الشؤون الاجتماعية والعسكرية, وحتى في علم الإجرام، يحاورون الناس مباشرة لمعرفة آرائهم ورؤاهم بخصوص القضايا المطروحة، ولا يستهدف من تلك البرامج المواطنون فقط وإنما المسؤولون في السلطة كذلك لمعرفة أفكار الناس وطروحاتهم والاستفادة من أفكارهم ومعرفة هواجسهم.

- إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية كمحاولة للحد من ظاهرة التمييز الطائفي والعرقي والقومي في مستوى المراتب والجنود وكي تنجح هذه العملية يجب تحديد فترة الخدمة الإلزامية على أن لا تتجاوز ثلاثة أشهر لخريجي الجامعة وستة أشهر لمن هم دون ذلك ولا يجوز تمديدها أو تجديدها ألا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب بعد اقتراح الحكومة، وإذا تم ذلك يجب أن يمنح الجنود مكافئات مجزية.
" على جميع الأطراف وبالذات من هم في السلطة اتخاذ مواقف وإرسال إشارات تعزز الثقة بين الأطراف وتخلق روح الطمأنينة بينهم " |
- تأسيس دائرة الرقابة العسكرية الغرض منها التأكيد على مبادئ حقوق الإنسان واحترام الدستور وتطبيق القانون والالتزام بقواعد المهنة والشرف العسكري.
إن المراهنة على عامل الزمن سوف يسهم في خلق تصورات خلاقة ويخلق ويرسخ قناعات جديدة يفرزها الواقع ونتائجه، وهذه القناعات المتوقعة سوف تشمل القطبين المتصارعين (السني والشيعي) فمع الوقت سوف تقتنع الأغلبية الشيعية بأنها غير قادرة وليس في مصلحتها استبعاد أو تهميش الطرف السني، والأخير قادر على عرقلة أعمال السلطة وشل فعاليتها وبث الفوضى بين جنباتها ليس اعتمادا على قدراته الذاتية فقط وإنما على دعم القوى الإقليمية السنية وهذا ما هو حاصل فعلا.
والسنة سوف تقتنع مع الوقت وتقر وتقبل واقعيا ونفسيا بأن الشيعة يشكلون الأغلبية وأن أمر السلطة ومؤسساتها قد آلت إليهم وهذه القناعة سوف تزداد وتتعمق من قبل النخب الواقعية والمثقفة من السنة, وإن الاستمرار في عملية رفض الواقع واتخاذ مواقف سلبية من السلطة ومؤسساتها ومن الطرف الأخر سوف يسهم أكثر فأكثر بتهميش دورهم ويقلص مصالحهم.
وأفضل وسيله للحفاظ على حقوقهم وتكريسها وزيادتها هو العمل من داخل مؤسسات الدولة وهيئاتها بغية إسباغ صفة الشرعية على ما يتم من إقراره في داخل تلك المؤسسات التي تعزز وتصون حقوقهم ومستقبلهم.
وما ذهبنا إليه يشترط على جميع الأطراف وبالذات من هم في السلطة اتخاذ مواقف وإرسال إشارات تعزز الثقة بين الأطراف وتخلق روح الطمأنينة بينهم شريطة أن تكون تلك الإجراءات فعلية وتلك الممارسات واقعية، ولا يمكن الركون إلى تلك الواقعية التي طرحناها والشروط التي اقترحناها على تلك الأطراف المتصارعة, ما لم يتم إجراء تعداد سكاني حتى يتسنى لكل الأطراف معرفة حجمها وعددها السكاني, وبالتالي دورها في السلطة ومؤسساتها.
وعليه يجب أن نقر ونعترف أن المشكلة العراقية معقدة وصعبة أكثر مما نتصور، ولكل قضية جوانب متعددة ومشاكل مختلفة فمن يسعى لحلها عليه أن يعمل على لم أطرافها وإيجاد الحلول لكل أجزائها ليس داخليا فقط وإنما إقليميا ودوليا.
فدول الجوار فاعلة وقادرة على أن تحدث الشيء الكثير سلبا وإيجابا في الشأن العراقي ويجب أن نقر بأنها تتوجس من الإرهاصات المذهبية والعرقية والأجنبية ولا سبيل إلى (حل أو تخفيف أو تبديد) هذه المخاوف إلا عن طريق الحوار والتفاهم وإقامة العلاقات الحسنة لخلق حالة من الأمان والاطمئنان بين العراق وتلك الأطراف.
ونحن نقر أن كل لقاء أو حوار يؤدي إلى تعارف والتعارف يفضي إلى التفاهم ويفترض بتلك اللقاءات والحوارات الاعتراف المتبادل بحق الأخر ومخاوفه والبحث عن قواسم ومصالح مشتركة بعيدا عن الضجيج الإعلامي والصحفي.
_______________
جامعة بغداد/ كلية العلوم السياسية