خليل العناني
- مأزق الانتخابات
- السنة ومخاوفهم
- الشيعة وخياراتهم المحدودة
- نحو عراق يسع الجميع
الانتخابات العراقية عنوان عريض لمرحلة عراقية مقبلة مثيرة للجدل، ولما كانت هذه الانتخابات هي الأولى من نوعها في تاريخ العراق الحديث، خاصة إذا ما أجُريت في أجواء الشفافية والمصداقية التي تتوافر في البلدان المحترمة، كان لابد لها أن تخلق كثيراً من الشد والجذب ليس داخل العراق فحسب، وإنما خارج حدوده أيضا.
وفي ظل إرث تاريخي مثقل بالقهر والاستبداد عمقته ممارسات النظام العراقي السابق مع الشعب العراقي بأطيافه المختلفة، يصبح من غير المنطقي القول بأن العراق سيتحول بفعل الانتخابات المقبلة –إن أجريت- إلي بلد ديمقراطي ينعم بحكم مقبول وعلى أساس من الرضا الشعبي، فالديمقراطية لا تأتي فجأة وإجراء الانتخابات ليس مولداً تلقائياً لها.
وتتضح هذه الحقيقة بشكل جلي من خلال التجاذب الذي تشهده الساحة العراقية بين الشيعة والسنة فيما يخص الانتخابات المزمع إجراؤها في الثلاثين من الشهر المقبل يناير/كانون الثاني 2004.
" المأزق الانتخابي قد يتجذر بعد إجراء الانتخابات خصوصاً إذا ما تبين للمواطن العراقي أن الانتخابات وحكومتها لم تكن سوى وسيلة لإبقاء الوضع على ما هو عليه " |
مأزق الانتخابات
من البديهي القول بأن الانتخابات العراقية ليست هي كل ما يطمح إليه العراقيون بعد سنوات عجاف من القحط السياسي، ولكنها قد تعد الخطوة الأولى نحو بدء العملية السياسية هناك، فأقل ما يمكن أن تقدمه الانتخابات إيجاد نوع من الإجماع "النسبي" بين العراقيين حول بديل محدد يتفقون علي اختياره لقيادة بلدهم خلال الفترة المقبلة بغض النظر عن طبيعة هذا البديل أو شكله.
كذلك فإن اختيار العراقيين لحكومة تمثلهم قد يعد حدثاً يضاهي في أهميته تلك التحولات التي حدثت في دول أوروبا الشرقية عقب انفراط العَقد الأيديولوجي للشيوعية هناك.
ورغم كل هذا يصعب القول بأن الانتخابات ستوقف حال عدم الاستقرار والفوضى في العراق، لأن هذه الحال لا ترتبط في الواقع بهذه الحكومة أو تلك ولكنها ترتبط أساساً بوضعية الاحتلال ومدى استمراريته من عدمها.
ومن هنا يأتي مأزق الانتخابات العراقية، فبعيداً عن الموقف السني والشيعي من الانتخابات الذي سنتعرض له لاحقاً، فإن علاقة الحكومة التي ستتمخض عن الانتخابات المقبلة بالاحتلال الأمريكي في العراق، ستمثل معضلة حقيقية لمدى شرعية هذه الحكومة وبالتالي قدرتها علي قيادة العراق نحو واقع جديد.
ومن السذاجة القول بأن الديمقراطية ستحل في العراق بين عشية وضحاها، لأن الولايات المتحدة تريد لها ذلك، فالولايات المتحدة تدرك جيداً أن إجراء الانتخابات بطريقة سليمة وشفافة قد يأتي بثمار غير مرضية لها، وذلك إذا ما تولت أي حكومة أخرى منتخبة مقاليد الحكم في العراق، كتيار مقتدى الصدر مثلاً.
فـ"دمقرطة" العراق في نظر الولايات المتحدة تعني ضمان الوجود الأميركي فيه، وعدم انقطاع الصلة بين واشنطن وبغداد، وما عدا ذلك يعد نكوصاً عن الديمقراطية وتراجعاً عنها.
من هذه الزاوية يمكن فهم ما تناقلته بعض وسائل الإعلام حول بدء الولايات المتحدة حملة علاقات عامة مع بعض القوى السياسية في العراق من أجل ضمان تأييد البقاء الأميركي في العراق خصوصاً إذا ما فازت هذه القوى في الانتخابات.
نقطة أخرى لا تقل أهمية عما سبق وتتعلق بمدى تقبل جماعات المقاومة العراقية لإجراء الانتخابات، فبغض النظر عما يمكن أن تمارسه هذه الجماعات من أعمال ترهيب وعنف قد تفسد الأجواء الانتخابية، فإنها أيضا لن تتورع عن إيذاء أي حكومة جديدة قد تتمخض عن هذه الانتخابات باعتبارها امتداداً للوضع القائم.
ويتجذر المأزق الانتخابي، حتى بعد إجراء الانتخابات خصوصاً إذا ما تبين للمواطن العراقي أن الانتخابات و"حكومتها" لم تكن سوى وسيلة لإبقاء الوضع علي ما هو عليه من حيث إدامة الوجود الأجنبي في العراق تحت أي مسمى، وعليه يصبح من غير المنصف اتهام العراقيين برفض الديمقراطية إذا لم يشاركوا في الانتخابات المقبلة وعزفوا عن ممارسة أي سلوك سياسي رصين قد يُفهم منه رضاهم عن الوضع القائم.
إذن جدوى الانتخابات المقبلة رهن بأمرين: أولهما أن تأتي بحكومة ذات غطاء وطني يحظى بالقبول من غالبية العراقيين. وثانيهما: أن تستطيع هذه الحكومة تحديد علاقتها بالوجود الأميركي في العراق ورسم الإطار الذي سيتم تنظيم هذه العلاقة فيه.
" يخطئ من يظن أن السنة في العراق مجرد رقم في اللعبة السياسية هناك أو يتخيل أن الانتخابات المزمع إجراؤها ستمحو وجودهم من الخارطة السياسية العراقية " |
السنة ومخاوفهم
بداية يخطئ من يظن أن السنة في العراق مجرد رقم في اللعبة السياسية هناك، أو يتخيل أن الانتخابات المزمع إجراؤها ستمحو وجودهم من الخارطة السياسية العراقية، ويُخطئ السنة أيضا إذا ظنوا أن بقية أطياف المجتمع العراقي ستظل تنتظر حتى يحسموا موقفهم من مستقبل العراق الذي قد لا يأتي في الأمد المنظور، خصوصاً في ظل عدم وجود تكتل سُني واضح يستطيع البت في المسألة.
وربما لم يتعرض السُنة عبر تاريخهم في العراق لمثل هذا الموقف التراجيدي، فمنذ تأسيس الدولة العراقية أوائل القرن الماضي والسُنة لهم وجود فعلي في دوائر السلطة والحكم.
ودون النظر لعوامل التفرقة الدينية التي يروج لها البعض حالياً، فإن عدم تقبل أهل السنة لانقلاب المعادلة السياسية لمصلحة الشيعة في العراق قد يبدو أمراً مفهوما.
وفي المقابل فإن تشبث هيئات وأحزاب السنة برفض الانتخابات أو تأجيلها أو مقاطعتها "أي السلبية" ليس هو الحل الناجع لوضعهم المستقبلي، بل ولمستقبل العراق ككل.
وتظل تبريرات بعض أهل السنة الذين أعلنوا مقاطعتهم للانتخابات (نحو 47 هيئة وجماعة) مبهمة وغير مفهومة، فعلي سبيل المثال فإن تفوه البعض بأن مشاركتهم في الانتخابات المقبلة من شأنه أن يضفي شرعية علي أي حكومة ستنبثق عن هذه الانتخابات، خصوصاً في ظل تشكك البعض في احتمالات النزاهة وتحول الكفة لمصلحة طرف على حساب بقية الأطراف.
رغم كل ذلك فإن وجود حكومة "منتخبة" سيُعد في حد ذاته إنجازاً في بلد لم يعرف لذة التصويت والاختيار من قبل، ناهيك عن عدم انتفاء البديل الآخر وهو إعلان مقاطعة هذه الحكومة إذا ثبت عدم ولائها أو تطرفها تجاه السُنة.
وفي ما يتعلق بممالأة أي حكومة جديدة للاحتلال وافتراض ذلك فيها مقدما، فإنه من غير المنطقي مصادرة حق العراقيين أصلاً في اختيار من يمثلهم، وبالتالي إمكانية محاسبته فيما بعد.
وإذا كان من حق السُنة أن يغضبوا لاحتلال بلدهم، وأن يرفضوا عمليات القتل والدمار التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق أهلهم، بل ويقاومونها، أفليس من حق بقية العراقيين أيضا أن يبرؤوا من هذه العمليات وينهوا عصراً طاحناً من الاقتتال السياسي والعسكري خلفه نظام صدام حسين، وأن يروا النور في نهاية النفق المظلم الذي طمس عيونهم طيلة أكثر من ثلاثة عقود.
معضلة السُنة ليست مع الاحتلال ولكنها بالأحرى مع الشيعة، وهناك حال من الخوف غير المبرر بأن سيطرة الشيعة علي مقاليد الأمور في العراق ستكون بالضرورة على حساب السُنة، وكأنهم ليسوا إخواناً في وطن واحد.
لذا على السُنة أن يجيبوا على التساؤل: هل يقبلون بمواجهة الشيعة بديلاً عن الانتخابات؟ وهل دحر الاحتلال رهن بوأد أي بديل شيعي يمكنه تسيير الأمور في العراق؟
استحقاق السُنة الآن هو الاختيار بين "مستقبلهم" أو مستقبل العراق، وأن يحددوا أيهما أكثر منطقية: انتخابات في ظل احتلال وحكومة موالية له، ربما تمثل بصيص أمل لهدوء الأوضاع في العراق، أم استمرار العبثية والفوضى الحالية ووصم المقاومة "الحقيقية" بعلامات استفهام كثيرة لا يفت فيها بشاعة الرد عليها.
بالطبع هذا ليس دفاعاً عن طرف مقابل آخر، وإنما محاولة لاستكشاف ما هو مطروح على أرض الواقع، وبحسابات المكسب والخسارة، يصبح من المجدي أن يحسبها السُنة بنفس المنطق، ماذا سيخسرون لو خاضوا الانتخابات وماذا سيكسبون؟
" تشبث هيئات وأحزاب السنة برفض الانتخابات أو تأجيلها أو مقاطعتها ليس هو الحل الناجع لوضعهم المستقبلي ولا لمستقبل العراق ككل " |
الشيعة وخياراتهم المحدودة
يخطئ من يظن أن الأمور ستسير على ما يرام بالنسبة للشيعة في الانتخابات المقبلة، أو أن الأمور ستُطوى لمصلحتهم، في حال انتخاب حكومة جديدة، حيث يصعب الحديث عن ضمان أن تكون هذه الحكومة ممثلة لكل التيارات الشيعية في العراق.
ناهيك عن الخلافات الموجودة حالياً بين ممثلي الشيعة سواء المرجعية الشيعية العليا أو تيار مقتدى الصدر أو حتى حزب الدعوة الإسلامية، فإن صيغة العلاقة بين الحكومة المنتظرة وقوات الاحتلال يمكن أن تصبح صخرة تتحطم عليها الآمال الشيعية في إدارة أمور العراق.
نعم، قد تعد الانتخابات فرصة تاريخية للشيعة لمعادلة الميزان السياسي في العراق الذي ظل مقلوباً أكثر من نصف قرن، إلا أنه أيضا من السذاجة وضع البيض كله في سلة واحدة، والاعتقاد بأن كل أطياف الشيعة تنظر للانتخابات من نفس المنظور.
فمن جهة ترى المرجعية الشيعية العليا ضرورة في خوض الانتخابات إلى الحد الذي هددت فيه باتخاذ إجراءات وصفت بأنها "غير مسبوقة"، إضافة إلى إصدار "فتوى تحرم دعم الحكومة الحالية التي سبق أن تعهدت بعقد الانتخابات"، بل إن المرجعية قدمت دعمها لحكومة إياد علاوي على أساس تعهدها بتنظيم الانتخابات في الموعد المقرر.
ومن جهة ثانية يناور تيار مقتدى الصدر بضرورة تمثيله في الانتخابات بما يليق بحجمه ووزنه العسكري وقدرته على الحشد والتأييد، ويراهن على تجربته الأخيرة في تعقيد الأمور من خلال تبني الخيار العسكري في المواجهة.
في حين تري الأحزاب العلمانية الشيعية أن الانتخابات فرصة لا تعوض لإقامة ديمقراطية علمانية حديثة في العراق، وهو ما يخلق صراعاً جديداً حول شكل نظام الحكم المفترض تدشينه بعد الانتخابات، ففي حين تنادي بعض التيارات الشيعية الدينية بولاية الفقيه كنظام للحكم، ترفض التيارات العلمانية هذا النموذج مبررة ذلك بمساوئه في إيران.
ورغم كل ذلك فإن هناك إجماعاً شيعياً علي ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، أي أن هناك اتفاقا على إجراء "الانتخابات" ولكن هناك اختلاف واضح على الهدف أي "نظام الحكم".
وتظل هناك مخاوف شيعية من أن يتم استغلال المشاركة في الانتخابات لإضفاء شرعية علي الحكومة المقبلة، خاصة إذا لم تكن تمثل الشيعة بمختلف أطيافهم، يعزز ذلك عدم الانسجام بين إدارة الاحتلال "الجهة الفعلية في العراق" وبعض تيارات الشيعة كتيار مقتدى الصدر مثلاً أو تيار أحمد الجلبي "المؤتمر الوطني العراقي".
وفي كل الأحوال يظل الشيعة أمام خيارين أحلاهما مر: الأول أن تكون هناك حكومة "شيعية" لا يضمن أحد هل ستوالي الاحتلال وتحقق أغراضه، أم ستعمل على تحقيق مصالح العراقيين جميعهم. والثاني: استمرار الفوضى الراهنة والاكتفاء بالانتظار حتى يحدد السُنة موقفهم من مستقبل العراق.
" يرى الشيعة العلمانيون أن الانتخابات فرصة لا تعوض لإقامة ديمقراطية علمانية حديثة في العراق وهو ما يخلق صراعاً جديداً حول شكل نظام الحكم المفترض تدشينه بعد الانتخابات " |
نحو عراق يسع الجميع
في ضوء ما سبق يتضح مدى قوة الحدث الذي سُيقبل عليه العراق بحلول يناير/كانون الثاني المقبل وهو الانتخابات، فهي على الأقل إن لم تسفر عن حكومة "شرعية" جديدة، فإنها ستحدد ملامح المستقبل العراقي بمختلف توازناته وتعقيداته.
وهنا لا يسعنا سوى القول بأنه من المفيد لكل الأطراف "المتناورة" في العراق أن تتعامل مع بعضها البعض، وفق منظور للقوي متبادل، بحيث لا تخرج المسألة عن مجرد اختلاف وجهات نظر وليس خلافا على الهدف الذي هو وفق المعطيات الحالية استقرار العراق وبعثه من جديد، وطي صفحة صدام حسين للأبد، وأن تدرك الأطراف جميعها مدى حاجة العراق لجبهة "وطنية" موحدة تعوضه مرارات ما فات.
دعونا ننظر للانتخابات باعتبارها آخر حِيل الساحر الأميركي، وإن لم تحقق مصالح العراقيين جميعاً وفي مقدمها إنهاء الاحتلال، حينئذ يصبح من حق الشعب العراقي -سُنة وشيعة وأكرادا- شد حبال المقاومة.
_________________
كاتب مصري