دراسات - فعاليات - سيناريوهات الحل والمشروع الوطني العراقي
ابحث عن
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
عن المركز تقدير موقفتقاريرملفاتقضايا للحوارأوراق الجزيرةفعالياتمنتدى المشرقعالم الكتب
الأربعاء 4/12/1429 هـ - الموافق3/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:47 (مكة المكرمة)، 8:47 (غرينتش)
مواضيع متعلقة
طباعة الصفحة إرسال المقال
سيناريوهات الحل والمشروع الوطني العراقي

 
وليد الزبيدي

تتفق جميع الأطراف العراقية والإقليمية والدولية على ضرورة إيجاد حل للقضية العراقية، لكن تختلف السيناريوهات والحلول والأفكار التي يتم طرحها وتداولها، سواء كان ذلك داخل الدوائر والدهاليز المغلقة، أو مما يجري الحديث عنه في العلن.

 

وبسبب تعقيد المأزق العراقي وكونه شائكا، فإننا نجد كما هائلا من السيناريوهات، بعضها يتم طرحه من قبل جهات وأطراف عراقية، والبعض الآخر تحاول رسمه أطراف إقليمية، وهناك ما تحاول تسويقه الإدارة الأميركية.

وقبل أن نستعرض أبرز هذه الحلول (السيناريوهات)، لا بد من الإجابة على سؤال رئيسي يتعلق بالأسباب، التي تقف وراء هذا العدد الكبير من السيناريوهات، التي يتقدم بها هذا الطرف أو ذاك لمعالجة القضية العراقية.

وليد الزبيدي

إن الإجابة على ذلك، تستدعي التوقف عند الأوضاع في العراق، وما آلت إليه، بعد ما يقرب من أربعة أعوام من الاحتلال الأميركي لهذا البلد، وعندما نعود إلى ربيع عام 2003، وتحديدا التاسع من أبريل/نيسان من ذلك العام، لا نجد داخل الإدارة الأميركية من يشك ولو بنسبة ضئيلة جدا في احتمال عرقلة المشروع الكوني الأميركي، الذي انطلق من العراق بعد غزوه، والذي يهدف إلى احتلال ما بين 40 و50 دولة، استنادا إلى ما بشر به نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، خلال مرحلة الاستعداد لشن الحرب على العراق.

 

وكان القادة الأميركيون يتحدثون عن الدول المرشحة للغزو ضمن الوجبة الأولى، على أمل أن تتهاوى دول العالم الأخرى، بين من يعلن استسلامه ويذعن للإدارة الأميركية، أو من يسارع لتقديم فروض الولاء والطاعة والدعم للمشروع الأميركي في مختلف الميادين.

 

في ذلك الوقت، لم يكن أحد يتصور، أن يوما قريبا سيأتي، ويجد الأميركيون أنفسهم في وحل لا يشبه فيتنام بكل مآسيها، ويختلف عن الذي حصل لهم في الصومال ولا يشبه أيا من التجارب التي خاضوها، خاصة أن الإمبراطورية الأميركية، قد خاضت أهم وأخطر تجاربها في العراق، بعد أن اكتملت أدوات القطبية الواحدة، بالانهيار التام للاتحاد السوفياتي أوائل تسعينيات القرن الماضي.

 

لذلك فإن الغالبية العظمى من السياسيين والمراقبين والمحللين، كانوا يرقبون صورة (الأنموذج) الذي ستبنيه الولايات المتحدة في العراق، والذي ستتسابق بقية شعوب الأرض لطرق أبواب البيت الأبيض، لشمولها بالأنموذج العراقي المرتقب.

 

هنا لابد من التأكيد على أن الإدارة الأميركية، قد اختارت في تخطيطها لبناء التجربة الأميركية في العراق، أربعة مرتكزات أساسية، وهي:

1.    القوة العسكرية المطلقة.

2.    قوة الإعلام الأميركية وسطوته المعروفة.

3.    القوة الاقتصادية.

خنوع العراقيين وقبولهم بالاحتلال، والاستسلام لكل ما تريده الإدارة الأميركية.

"
تتفق الأطراف العراقية والإقليمية والدولية على ضرورة إيجاد حل للقضية العراقية، لكن تختلف السيناريوهات والحلول والأفكار، التي يتم طرحها وتداولها
"

لقد تحقق للإدارة الأميركية المرتكز الأول، وازدادت ثقة هذه الإدارة بنجاح مخططها، عندما انهارت الدولة العراقية بسرعة مذهلة، لم تتجاوز العشرين يوميا، وتبارت وسائل الإعلام لإبراز ذلك الانتصار، لدرجة أن النشوة قد اجتاحت الرئيس جورج دبليو بوش، ليسارع إلى إعلان بيان النصر في الأول من مايو/أيار 2003، أي بعد ثلاثة أسابيع من احتلال بغداد، ودخل الجانب الاقتصادي بقوة أيضا، بتخصيص 18 مليار دولار لمشاريع الأعمار في العراق.

 

أما المرتكز الرابع، فقد وضعوه في آخر سلم الأولويات، وكأنه من البديهيات، التي لا تحتاج إلى مراجعة وتمحيص، وسارعت بعض وسائل الإعلام إلى الحديث عن استقبال العراقيين للقوات الأميركية بنثر باقات الورد، وفتح أبواب بيوتهم أمام جنود المارينز.

 

أما واقع الأمر فيقول إنه بينما كان الأميركيون يعبرون عن فرحتهم، ويعيشون نشوة الانتصار، كانت مجاميع كبيرة من المقاومين قد بدأت تضع الخطط العسكرية، وتجمع أكداس الأسلحة وتخزنها في مناطق كثيرة وواسعة في العراق، استعدادا للمواجهة الكبرى مع قوات الاحتلال.

 

ولم يدر بخلد أحد من الأميركيين أن عملا واسعا ومنظما يجري الإعداد له بسرية تامة وفي الخفاء لشن الحرب على قواتهم في العراق، والدليل على ذلك، أنهم لم يفكروا في مصير أسلحة الجيش العراقي، التي كانت المخازن الكبيرة تغص بها.

 

ولذلك يتباهى وزير الدفاع حينذاك رمسفيلد بقوله، إننا كسرنا مخازن السلاح لكي يتم نهبها من قبل العراقيين، وفعلا انتقلت تلك المخازن، التي تزخر بمختلف أنواع الأسلحة والمتفجرات من أماكنها فوق الأرض إلى مخابئ تحت الأرض في أماكن كثيرة في مختلف مناطق العراق، لتبدأ مرحلة استخدامها من قبل المقاومين العراقيين.

 

وسرعان ما انطلقت المقاومة في وقت مبكر جدا، لم يتوقعه أحد، إذ سقط أحد الجنود الأميركيين بسلاح خفيف في منطقة راغبة خاتون بعد ثلاثة أيام من احتلال بغداد.

 

وبعد أسبوع شن مقاومون هجوما على رتل أميركي في منطقة نفق الشرطة بجانب الكرخ من بغداد، (بعد صلاة الجمعة 18/4/2003)، وتقول أدبيات جيش الراشدين، وهو أحد فصائل المقاومة العراقية، إن مقاتليه هم الذين نفذوا الهجوم، حيث تم حرق دبابة أميركية وقتل جميع من كان بداخلها.

وبسرعة كبيرة، بدأت الهجمات تزداد وفي مناطق مختلفة، وبعد سبعة أسابيع، اضطر أحد أهم مهندسي الحرب على العراق بول وولفويتز الذي كان يشغل نائب وزير الدفاع، اضطر إلى الاعتراف بأن الإدارة الأميركية لم تضع في حساباتها مسألة استهداف قواتها في العراق (صرح بذلك في23/7/2003 أثناء زيارته لبغداد).

الطرق الأميركية للتخلص من المقاومة
أهم السيناريوهات المطروحة
الخلاصة

الطرق الأميركية للتخلص من المقاومة

بعد أن أدرك الأميركيون وجود قوة ذات فاعلية وانتشار تقاوم وجودهم، اتجهوا إلى البحث عن حل، بهدف التخلص من قوة المقاومة المناوئة لهم، والتي تستخدم السلاح في هجماتها، وحينذاك كانت غالبية الهجمات التي يشنها المقاومون تستخدم سلاح (RBG7) في تدمير مركبات الهمر وفي استهداف أرتال القوات الأميركية، والهاونات عيار 82 و120 ملم وصواريخ الكاتيوشا في قصف قواعد الجيش الأميركي، واختار الأميركيون طريقين للتخلص من المقاومة، هما:

الأول: الخيار العسكري

"
بعد أن أدرك الأميركيون وجود قوة ذات فاعلية وانتشار تقاوم وجودهم، اتجهوا إلى البحث عن حل، بهدف التخلص من قوة المقاومة المناوئة لهم
"

وأعطوا هذا الميدان نسبة تزيد عن الثمانين في المائة، وشنت قواتهم عمليات عسكرية أمنية واسعة ومكثفة في جميع المناطق، التي تتعرض فيها قواتهم للهجمات، ومارسوا ضد العراقيين مختلف أنواع الإهانة والإذلال، وتم قتل الكثيرين أمام عوائلهم بدم بارد، كما اعتقلت القوات الأميركية عشرات الآلاف من الرجال والشباب وحتى النساء، وجرت عمليات تعذيب لا مثيل لها، وروى للباحث الكثير من المعتقلين تفاصيل تلك الأساليب البشعة.

والهدف من كل ذلك هو الحصول على معلومات عن المقاومين، إلا أن الذي حصل، هو أن المقاومة ازدادت، ويتحدث العراقيون عن رجال دخلوا المعتقلات ولا يعرفون شيئا عن المقاومة، وخرجوا يبحثون عن فصائل المقاومة للانضمام لها، والمساهمة في حرب تحرير العراق من الغزاة المحتلين.

لم تتوقف عمليات الدهم والتفتيش والاعتقال، وعلى الطرف الآخر، لم تتمكن هذه القوات من الوصول إلى المقاومين، الذين واصلوا شن هجماتهم وتطوير نشاطاتهم، على صعد التدريب والجهد الاستخباري وتطوير الأسلحة المستخدمة في شن الهجمات.

الثاني: الخيار السياسي
لم تعط الإدارة الأميركية لهذا الخيار أكثر من عشرين بالمائة من اهتمامها، وتمثل ذلك في الإسراع في تشكيل مجلس الحكم، الذي تم الإعلان عنه في(14/7/2003) واعتقد الأميركيون، أن هذه الواجهة قد تسهم في إقناع البعض برمي السلاح والركض وراء المناصب والمغانم والفوائد الشخصية.

ولكن سرعان ما اكتشف الأميركيون، أن النقمة قد ازدادت عليهم والمقاومة اشتدت، خاصة بعد أن وضعوا البذرة السيئة الأولى بتشكيل مجلس الحكم على أسس المحاصة الطائفية والعرقية. التي تنبهت إلى خطورتها القوى الرافضة للاحتلال منذ أيامها الأولى.

اكتشف الأميركيون مرة أخرى أنهم يتخبطون، وقبل أن تنقضي تسعة أشهر على تشكيل مجلس الحكم، تعرضت قوات الاحتلال الأميركي لما يمكن تسميته "الصدمة الكبرى" عندما فشلت قواتهم في دخول مدينة الفلوجة في الأول من أبريل/نيسان عام 2004، حيث تصدى المقاومون لتلك القوات وكبدوها الكثير من الخسائر.

 

أعتقد أن مفصل "معركة الفلوجة الأولى" كان مهما، ومنذ ذلك الحين اتجه الأميركيون إلى بذل كل ما بوسعهم للقضاء على المقاومة، وبعد أن اقتنعوا بعدم جدوى مجلس الحكم، حاولوا تجريب ما أسموه "نقل السيادة" الذي جرى في (28/6/2004)، عندها غادر ما يسمى "الحاكم المدني" بول بريمر بغداد خلسة، بعد أن ازدادت هجمات المقاومة مستهدفة قواعد الاحتلال ومقراته، بما في ذلك مقر السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء.

 

إن العنوان الذي تحدثوا عنه كثيرا وهو نقل السيادة، لم يحقق شيئا يذكر بل إن أوضاعهم الأمنية ازدادت تدهورا، لهذا لجأ الأميركيون إلى طريق آخر، وهو البدء في التحضير لإجراء الانتخابات في العراق.

 

هنا، لابد من الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية تكشف حجم المأزق، الذي بدأت تغوص فيه الإدارة الأميركية، فخلال عام 2003، لم يقبل الأميركيون إجراء انتخابات في العراق، وعزوا استحالة ذلك لسببين أساسيين هما:

1.    عدم وجود إحصاء سكاني، وهذا عنصر رئيسي لإجراء أي انتخابات.

2.    صعوبة الأوضاع الأمنية.

 

إلا أن الذي حصل هو أن الأميركيين انقلبوا على طروحاتهم ومواقفهم تلك، وأخذوا يعدون لإجراء انتخابات، علما بأن أيا من الشرطين الأساسيين لم يتحقق، إذ لم يكن هناك أي إحصاء سكاني، والأوضاع الأمنية ازدادت تدهورا في عهد إياد علاوي عشرات الأضعاف عما كانت عليه عام 2003.

 

من الملاحظ، أن السلوك الأميركي في العراق اتجه إلى الاستعجال، مما يؤشر لبداية الارتباك الحقيقي في المخطط الأميركي، ومن الناحية النظرية لا تمكن إعادة بناء دولة تعرضت مؤسساتها المهمة للإلغاء التام، كما حصل في وزارات رئيسية ثلاث هي الدفاع والداخلية والإعلام، إضافة إلى المؤسسات الأمنية، باللجوء إلى اعتماد عملية سياسية، يجري الإعداد لها والانتهاء منها بسرعة مثيرة للاستغراب.

 

وفي واقع الأمر، حاول الأميركيون التستر وراء ما أسموه العملية السياسية، التي عملوا المستحيل لدخول جميع العراقيين فيها، ومارسوا مختلف الوسائل والأساليب لتحقيق هذا الهدف، والقصد من الإلحاح في هذا الموضوع، هو أن يتم إسقاط شرعية المقاومة للاحتلال، لأن المنطق يقول إن على من يختار الدخول في العملية السياسية أن يرمي السلاح.

وانطلاقا من هذا الفهم الدقيق لما يجري، فقد التزمت القوى الرافضة للاحتلال بموقفها الثابت، وهو عدم شرعية الانتخابات لأنها تجري في ظل الاحتلال، وبالتالي لا هدف لهذه الانتخابات إلا خدمة أهداف المحتل.

"
لم يتحقق الهدف الذي أرادته قوات الاحتلال من جراء إطلاق أيدي الأجهزة الحكومية والمليشيات التي أرادت إثارة الفتنة الطائفية بين العراقيين
"

أما الذين اشتركوا في العملية السياسية، فإنهم دخلوا في فرن أميركي، هدفه فصل مكونات الشعب العراقي، وفرزها على شكل كيانات وأحزاب تقسم الطائفة الواحدة إلى أجزاء، وهكذا هو الحال بالنسبة للأعراق والأديان في العراق، مما يجعل التنافس بين هؤلاء يتحرك بقوة للدفع في اتجاه الاصطفافات الطائفية والعرقية، ونتيجة لذلك يبرز دور الولاءات للطوائف والتكتلات، ويغيب الولاء للعراق، ولتحقيق ذلك فقد تم إقصاء وطرد ومطاردة وتهجير عشرات الآلاف من الكفاءات العلمية والإدارية، مما تسبب في حصول كارثة حقيقية في البنية الإدارية والعلمية في العراق.

 

كما أن الحديث في بداية الاحتلال، كان يدور عن بقاء السلطة في أيدي الأميركيين أربع سنوات أو أكثر، قبل أن يتسلم العراقيون إدارة البلاد، لكن سمة الاستعجال برزت بصورة لافتة، وكلما ازدادت قوة وفاعلية المقاومة العراقية، استعجل الأميركيون في صناعتهم للعملية السياسية، ويمكن أن ندرك حجم هذا الاستعجال، إذا عرفنا أن الأميركيين قد صنعوا ثلاث عمليات سياسية في العراق، خلال مدة لم تتجاوز عشرة أشهر ونصف شهر.

 

قد يبدو هذا مثيرا للاستغراب، لكن هذا ما حصل فعلا، فمن موقفهم الرافض لإجراء انتخابات في بداية الاحتلال، إلى هذا الركض واللهاث المتسارع لصناعة قوالب العملية السياسية، والذي حصل هو إجراء الانتخابات الأولى في 30-1-2005 التي جاءت بحكومة الجعفري وتمت عملية ترتيب الدستور وجرى التصويت عليه في 15-10-2005، وقبل نهاية ذات العام جرت الانتخابات الثانية التي تمت في 15-12-2005، والتي جاءت بحكومة المالكي، لتفرز هذه الانتخابات واحدة من أسوء وأعنف وأبشع السنوات في تاريخ العراق (هو عام 2006).

 

حيث يعرف الجميع حجم العنف وما جرى من اعتقالات شملت عشرات الآلاف، الذين تغص بهم معتقلات وزارتي الدفاع والداخلية، وإطلاق أيدي المليشيات التي تختطف بالعشرات والمئات يوميا وتتحرك بدعم وإسناد مباشر من قبل القوات الحكومية وقوات الاحتلال، وتذهب بالمختطفين إلى مناطق معينة، حيث يتم تعذيبهم وتشويه جثتهم ورميهم بعد أيام في الطرقات، ولم تعلن الحكومة عن اعتقال أي شخص واحد من هؤلاء، الذين ينفذون المسلسل اليومي في القتل والتعذيب وتشويه الجثث.

 

إن ما جناه العراقيون، لا يخرج عن إطار هذا الوصف، الذي يمكن تكثيفه بزرع بذور الفتنة الطائفية والعرقية، والعمل الدؤوب من قبل قوات الاحتلال، والذين اشتركوا في العملية السياسية على إشعال الفتنة وجر العراق إلى الاحتراب الداخلي، وضياع ثروات العراق ووارداته، بسبب الفساد الإداري والسرقات الواسعة التي تجري في العراق، لدرجة أن منظمة الشفافية الدولية وضعت العراق في مقدمة قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، التي تضم 163 دولة، كما أن العراقيين فقدوا الأمن نهائيا وجرت عمليات تهجير قسرية طالت أكثر من أربعة ملايين عراقي، بعضهم تم تهجيرهم داخل العراق، والبعض الآخر لجا إلى دول أخرى.

 

من خلال كل ذلك، لا بد من تشخيص أبرز  الأخطار، التي تواجه العراق ومستقبله، ويمكن تحديدها بالاتي:

1.    الاحتلال.

2.    الأجهزة الأمنية.

3.    العملية السياسية.

 

نعتقد أن خلاص العراق من محنته، لن يحصل دون التخلص من  الأخطار الرئيسية الثلاثة رغم وجود سيناريوهات كثيرة وأفكار ومخططات يجري الإعداد للبعض منها في الخفاء، وهناك أحاديث وتسريبات عن البعض الآخر، وهذا ما يجري تداوله.

 

لكن مهما كثرت السيناريوهات وتعددت أشكالها، فإن القوى الوطنية الرافضة للاحتلال، تدرك جيدا أن المسألة العراقية بكل ما تزخر به من تعقيدات، لا يمكن حلها بصورة سليمة وشاملة، إلا من خلال مشروع وطني حقيقي، يشخص بدقة عالية حقيقة  الأخطار التي عصفت وما زالت تعصف بهذا البلد، والعمل الجاد للتخلص منها.

ويتبنى هذا المشروع طرفإن رئيسيان في العراق،هما:

 

1.    الطرف الأول: فصائل المقاومة المسلحة، التي تعمل بقوة وبتضحية عالية في سبيل طرد المحتل والتخلص من البذور السيئة التي زرعها في العراق، وهناك العديد من الفصائل التي تعلن نفسها وتبث عبر شبكة المعلومات العالمية هجماتها ضد قوات الاحتلال.

 

2.    أما الطرف الثاني، فيتمثل في الحشد الوطني المناهض للاحتلال ويجمع الكثير من الأطراف والجهات وشيوخ القبائل والمفكرين والسياسيين، وأعلن هؤلاء منذ البداية رفضهم للاحتلال وللعملية السياسية، ومن أبرز هذه الجهات (هيئة العلماء المسلمين، التيار الخالصي، تيار السيد البغدادي، وتيار السيد الصرخي، والمؤتمر التأسيسي، وسواهم).

 

إن المشروع السياسي للأطراف الوطنية يمكن تحديده بخروج الاحتلال بصورة تامة وكاملة، والتخلص من أدرانه واقتلاعها، والحفاظ على وحدة العراق، ووضع الأسس السليمة لبناء هذا البلد، بعيدا عن التقسيمات والأمراض السياسية، والابتعاد عن الإقصاء والتهميش والانطلاق من القناعة التي تقول إن الولاء للعراق بعيدا عن الولاءات التي نشاهدها ونرى أين ذهبت بالعراق.

أهم السيناريوهات المطروحة

  1. دعم الحكومة الحالية.
  2. انقلاب عسكري بمفهوم جديد.
  3. حكومة إنقاذ وطني.
  4. إعادة احتلال العراق.
  5. تقسيم العراق إلى ثلاث دول.
  6. المشروع الوطني لبناء العراق.

"
الهدف الأول للاحتلال يتمثل في القضاء على جميع المعارضين للاحتلال وفتح الطريق من جديد أمام المشروع الأميركي في العراق والمنطقة
"

نحاول هنا إعطاء تقييم لجميع هذه السيناريوهات والمخططات التي يجري تداولها والحديث عنها في الأوساط العراقية والإقليمية والدولية، ومن خلال ذلك، يمكن لنا الوقوف عند مؤشر السهم، أين يذهب، وهل يمكن أن يتحقق للعراقيين ما يريدون، بعد أن عاشوا كل هذا العذاب والمرارة خلال ما يقرب من أربع سنوات، في ظل الاحتلال وما صنعه من عملية سياسية، وما قدمه من أجهزة أمنية، حيث يزداد الجو قتامة وتتعقد الأمور في العراق، وتضيق نافذة الأمل عند العراقيين.

 

أولا: دعم الحكومة الحالية
اعتقد الأميركيون أن اشتراك مختلف مناطق العراق في الانتخابات التي جرت في (15-12-2005) وجاءت بحكومة المالكي، ستتمكن من تقليص المقاومة العراقية بنسبة كبيرة جدا، مما يسهل عملية القضاء عليها، لكن تبين على أرض الواقع خلاف ذلك تماما، حيث ازدادت العمليات التي تستهدف المحتل عددا ونوعا.

 

ومن أهم مظاهر التطور الذي حصل عمليات استهداف المروحيات، التي تعد العمود الفقري لقوات الاحتلال في العراق، وبموازاة ذلك، انتشر القتل على الهوية وعلى الاسم والمنطقة في زمن حكومة المالكي، بينما أرادت القوات الأميركية من ذلك القضاء على المقاومة بتوظيف مباشر للأجهزة الأمنية العراقية والمليشيات التي تقوم بهذا القتل والاختطاف والتعذيب، وبدعم كامل من قوات الاحتلال، في حين تتسع النقمة والسخط العراقي على سلوكيات الأجهزة الأمنية الحكومية والمليشيات المدعومة من قبلها.

 

ولم يتحقق الهدف الذي أرادته قوات الاحتلال من جراء إطلاق يد الأجهزة الحكومية والمليشيات التي أرادت إثارة الفتنة الطائفية بين العراقيين ليتحقق للاحتلال الهدف الثاني، وهو طلب الحماية من قبل هذه المنطقة أو تلك من القوات الأميركية، بعد أن يقع عليها المزيد من القتل والتهجير والتعذيب.

 

أما الهدف الأول فيتمثل في القضاء على جميع المعارضين للاحتلال وفتح الطريق من جديد أمام المشروع الأميركي في العراق والمنطقة.

لم يتحقق أي من الهدفين، فلا المقاومة ضعفت ولا المناطق والطوائف لجأت إلى المحتل، لهذا فإن الإدارة الأميركية تحاول أن تدعم حكومة المالكي، ولكن هذا الدعم محدد بفترة زمنية، على أمل أن تحقق ما تريده إدارة الاحتلال.

 

ولذلك طلب الكونغرس من القائد الأميركي جورج كيسي تحديد الفترة التي يمكن منحها لحكومة المالكي، وتم التوصل إلى مدة لا تتجاوز ستة أشهر، وكان ذلك في يونيو/حزيران 2006، وعندما انتهت هذه المدة جاء الرئيس الأميركي جورج بوش للاجتماع مع المالكي في عمان، وهي دلالة على تراجع الدعم الأميركي.

 

وما الحديث عن أمن مدينة بغداد وحدها إلا اعتراف كامل بفشل هذه الحكومة، وعدم قدرتها على البقاء. لأنها لم تقدم أي شيء للعراقيين، بل على العكس من ذلك فإن العراقيين في ظل هذه الحكومة، عاشوا أسوء وأقسى أيامهم، كما أن القوات الأميركية هي الأخرى، تتعرض لانتكاسات ميدانية خطيرة، ومن أبرزها إسقاط المروحيات مما يجعل القوات الأميركية مكشوفة وبدون دعم ميداني.

 

ثانيا: الانقلاب العسكري بمفهوم جديد
من المتعارف عليه، أن الانقلابات العسكرية، خاصة في العالم لثالث، تحصل من خلال قيادة تنظيم يتزعمه عدد من الضباط للإطاحة بنظام يعتقدون أنه غير مقبول من قبل الشارع.

 

ومنذ البيان الأول، يتجه الخطاب السياسي إلى اعتماد سياسة بديلة تختلف عن سابقتها، لتقترب من المواطن، وتبدأ مرحلة بناء الثقة معه، على اعتبار أنها جاءت لتلبي مطالبه الأساسية، وفي مقدمتها المطالب الوطنية وتوفير الخدمات واعتماد البرامج التنموية، مما يدفع بالناس إلى الالتفاف حول قادة الانقلاب وتوفير الدعم والحماية لهم.

 

أما فيما يتعلق بالوضع في العراق، فإن الأساس الذي يمكن اعتماده في سيناريو الانقلاب العسكري غير مقبول، من قبل القوة الرئيسية الحالية في الميدان العراقي وهي "المقاومة العراقية"، لأن مثل هذا الانقلاب، إذا ما حصل، عبارة عن صياغة وصناعة أميركية، لأنه سيجري بدعم من القوات الأميركية في العراق، والهدف منه تغيير المجموعة التي لم تحقق للإدارة الأميركية أهدافها في العراق، بمجموعة أخرى، ولهذا فإن المقاومة العراقية والمعارضين للاحتلال، ينظرون إلى مثل سيناريو كهذا على أنه محاولة فاشلة، وعدم قبولها يعني استمرار الهجمات التي تنفذها المقاومة، ولن يتحقق من جراء ذلك أي شيء يذكر.

 

أما المفهوم الجديد للانقلاب العسكري، الذي يجري الحديث عنه في بعض الأوساط ، فيتمثل في صياغة شكلية واعتماد خطاب مختلف في حين تبقى الثوابت على حالها والمتمثلة في بقاء القوات الأميركية في العراق، والتمسك بالأجهزة الأمنية، التي تعمل لخدمة قوات الاحتلال الأميركي في العراق.

 

ثالثا: حكومة إنقاذ وطني
هذا السيناريو يحاول إشراك ثلاثة أطراف في هذه الحكومة:

·        أولها الطرف الذي دخل في العملية السياسية، وأعلن تردده وعدم قناعته بها، وانتقاده لهذه العملية وعدم رضاه عن أداء الحكومة التي أنتجتها العملية السياسية.

·        والطرف الثاني من الذين انغمسوا في هذه العملية ولديهم الاستعداد لانتقادها بقوة والتخلي عنها.

أما الطرف الثالث فهو بعض الفصائل المسلحة من المقاومة العراقية.

"
التخلي عن المشروع الكوني الأميركي في العراق، يشكل كارثة حقيقية لمستقبل الولايات المتحدة في العالم، لأن هزيمتها تعني نهاية هيبة أميركا وانكماش مكانتها في العالم
"

وجرت عمليات جس نبض لمعرفة مدى استعداد الطرف الثالث لقبول هذا السيناريو، لكن ما صدر من بيانات وتصريحات من فصائل المقاومة العراقية، أكد أنها ترفض بصورة قاطعة مثل هذه الخطوات، لأنها تحاول في مجملها سحب فصائل المقاومة إلى منطقة القتل الأخلاقي، وهو ما يتنافى ومبادئ المقاومة، لأن المشروع وحسب ما تراه المقاومة الذي لا يتخلص من الأخطار الرئيسية الثلاثة -وهي كما أشرنا إليه (الاحتلال والأجهزة الأمنية والعملية السياسية)- لا يمكن أن يحقق السيادة الكاملة والمطلقة للعراق، ويتنافى مع برنامج المقاومة العراقية السياسي، الذي يهدف إلى التخلص من الاحتلال، بصورة كاملة ونهائية والمحافظة على عراق واحد موحد، لذلك فإن مصير مثل هذه الحكومة، لن يكون أفضل من الحكومة الحالية أو مما سبقها.

 

رابعا: إعادة احتلال العراق
هذا سيناريو تم تدارسه، بناء على مقترحات غير واقعية تقدم بها بعض العراقيين الذين يحاولون إقناع الإدارة الأميركية بالبقاء أطول مدة ممكنة في العراق، وينطلق أصحاب هذا الرأي من الأفكار التالية:

1.    إن التخلي عن المشروع الكوني الأميركي في العراق، يشكل كارثة حقيقية لمستقبل الولايات المتحدة في العالم، لأن هزيمتها تعني نهاية هيبة أميركا وانكماش مكانتها في العالم.

 

2.    إن الحل في العراق، لابد من أن يكون حلا عسكريا وأمنيا، وإن بإمكان الإدارة الأميركية أن تزج بعشرات الآلاف من قواتها في العراق، وتمارس مختلف أنواع البطش والقتل والاعتقال، وبذلك تتمكن من القضاء على المقاومة العراقية، العقبة الكأداء في وجه المشروع الأميركي.

 

3.    الضغط على الدول العربية والإسلامية، ودول العالم لإرسال قوات بأعداد كبيرة لمساندة ومساعدة القوات الأميركية في إعادة احتلال العراق من جديد، وبذلك ستكون القوات التي تقف في مواجهة المقاومة وهي القوات العربية والإسلامية والدولية، ووفق هذا السيناريو فإنه بالإمكان إنهاك المقاومة العراقية بأقل الخسائر الأميركية، وبعد ذلك تعود الأمور إلى نقطة البداية في ربيع عام 2003.

 

هذا السيناريو، قد يكون مقبولا من قبل السياسيين الأميركيين ومقنعا لهم، لكن القادة العسكريين في الميدان، يدركون تماما، أن التفكير في الحل العسكري واستخدام القوة في العراق، يعني الانتحار والإقدام على إرسال المزيد من الجثامين إلى الأسر الأميركية، ويشاطرهم هذه القناعة القادة البريطانيون من العاملين ضمن القوات البريطانية في العراق، لذلك فإن مثل هذا السيناريو لن يجد له من يؤيده، لأن الجميع يدركون حقيقة الأوضاع في ميدان القتال، الذي يدور بين طرفي الحرب في العراق، وهما قوات الاحتلال الأميركي والمقاومة العراقية.

 

خامسا: تقسيم العراق إلى ثلاث دول
إن تقسيم العراق إلى ثلاث دول، ليس جديدا وجرى الحديث في هذا الاتجاه قبل احتلال العراق في ربيع عام 2003.

 

وعندما برزت صعوبات كثيرة أمام مشروع تقسيم العراق، اتجه أصحاب هذا الطرح إلى إيجاد بديل لا يختلف عن التقسيم وهو موضوع الفدراليات، وتضمنها الدستور الذي تم إقراره في ( 15/10/2005)، وانقسم الموقف من هذا الدستور إلى قسمين، فهناك من يحاول إجراء تعديلات على الدستور الذي جرى الترويج له وإعداده والتصويت عليه ضمن خطوات الاستعجال الأميركي في العراق، ومن أبرز النقاط الخلافية بهذا الشأن مسألة الفدرالية.

 

أما القسم الآخر من العراقيين، فقد أعلنوا رفضهم القاطع للدستور والعملية السياسية، لأن كل ذلك جرى في ظل وجود الاحتلال، ويرى هؤلاء أنه لا يمكن أن يكون شرعيا، ويؤمنون بضرورة العمل بمختلف الطرق المشروعة لإسقاط العملية السياسية، ومن بين فقراتها الخطيرة الدستور وما يتضمنه من مواد تعمل على تقسيم العراق، والدول المقترحة هي "دولة الجنوب" و"دولة الوسط" و"الدولة الكردية" في الشمال.

لكن بسبب الضغوط التي يتعرض لها الأميركيون في الميدان القتالي، وانعكاس ذلك على الوضع السياسي، فقد أعلن الأميركيون وعلى لسان أكثر من مسؤول ومن بينهم الرئيس بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، مطالبين بإجراء تغييرات على الدستور، في محاولة لتهدئة المقاومين للوجود الأميركي والمناوئين للاحتلال.

"
إن تقسيم العراق إلى ثلاث دول ليس جديدا وجرى الحديث في هذا الاتجاه قبل احتلال العراق في ربيع عام 2003
"

لكن هذه العروض لم تلق آذانا صاغية، ويصر الرافضون للاحتلال على إلغاء العملية السياسية برمتها ومن بينها الدستور الذي يعتقدون أنه يؤسس لأخطار مستقبلية كثيرة ومتشعبة، وقد وصف السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية هذا الدستور بأنه عبارة عن "وصفة للفوضى".

 

لذلك فإن مثل هذا السيناريو لا يمكن تحقيقه، وإن عمل السائرون على هذا الطريق كل ما يستطيعونه لتحقيقه، ومن أهم مستلزمات ذلك هو ممارسة التهجير الطائفي والعرقي، والوصول إلى صيغة التقسيمات التي رسموها قبل احتلال العراق، وصياغة خارطته على شكل "شيعي" في الجنوب و"سني" في الوسط و"كردي" في الشمال.

 

إن الضمان الوحيد لتحقيق هذا السيناريو، هو بقاء قوات الاحتلال وفرض سيطرتها التامة على العراق، ولأن هذا الأمر أصبح من المستحيل تحقيقه، فإن خروج القوات الأميركية، يعني انهيار جميع أشكال التركة السياسية، التي حاول الأميركيون زرعها وتثبيتها في المجتمع العراقي، وفي المقدمة منها أركان العملية السياسية، ومن أهم تلك الأركان الدستور، الذي يتبنى الفدرالية التي يعتقد الوطنيون العراقيون أنها تهدف إلى تقسيم العراق، وهذا لا يمكن تحقيقه في هذا البلد.

 

سادسا: المشروع الوطني لبناء العراق
يحاول هذا المشروع، أن يتعامل مع القضية العراقية بالكثير من الواقعية والعقلانية.

 

ومن أهم ميزات هذا المشروع، أنه يشخص بدقة متناهية الأخطار المحيقة بالعراق، وينطلق من رؤية تقول، إن نجاة العراق من واقعه المأساوي والوصول إلى مستقبل مشرق لا يمكن أن يتما من خلال المعالجات الجزئية وعمليات التخدير السياسية، كما أن المشاريع والمقترحات التي تنطلق من رؤية فئوية أو طائفية أو عرقية لا يمكن أن تحقق ما يصبو إليه جميع العراقيين، وإن السيناريوهات التي ترتبط بالاحتلال ومشاريعه لا يمكن أن تنتقل بالعراق إلا في الاتجاه السلبي الذي يعني الإيغال في الفوضى والقتل والدمار.

 

ومن هنا يأتي هذا المشروع الذي ينطلق من وجوب التخلص نهائيا من الأخطار التي تهدد العراق وهي:

1.    الاحتلال.

2.    الأجهزة الأمنية.

3.    العملية السياسية.

 

إن الحقائق التي يجب أن نضعها نصب أعيننا جميعا، تقول إن الاحتلال الأميركي للعراق، قد تسبب في كل هذا الخراب والقتل والدمار، واحتمالات جر العراقيين إلى الفتنة والاحتراب الداخلي، كما أن جميع المؤشرات والدلائل، تؤكد تخلي الإدارة الأميركية عن مشروعها في العراق، وأن الخطاب اليومي الأميركي يمهد بخطوات سريعة للانسحاب من العراق.

 

ولذلك فإن المطلوب من العراقيين، أن يقدموا مشروعا عقلانيا واقعيا، تبدأ أولى خطواته بالتخلي عن حلم الاستعانة بالقوات الأميركية، والانتقال من التفكير والتخطيط على أساس وجود مظلة الحماية الأميركية، إلى التفكير في التخلي عن ذلك، والنظر إلى مستقبل العراق بطريقة مغايرة عن الأهواء السياسية والأحلام، التي ترعرعت في ظل سطوة القوات الأميركية، التي لن يطول وجودها.

 

كما أن الوضع في العراق، لا بد أن يخضع لتقسيم علمي دقيق، ينطلق من قراءة ميدانية تعتمد مراقبة أطراف الحرب الرئيسية التي تدور رحاها في العراق، ومن المعروف أن هذين الطرفين الأساسيين هما قوات الاحتلال، والمقاومة العراقية.

 

وإذا كان الطرف الأول يعلن تراجعه وانكماشه، ويقر بصعوبة مطاولته وبقائه في العراق، فإن الطرف الثاني يتقدم بخطوات قوية وواثقة، ويتأكد في الميدان أن فصائل المقاومة تلحق المزيد من الخسائر بقوات الاحتلال، التي اعترفت بهزيمتها عندما اتجهت الإستراتيجية الأميركية الجديدة، التي أعلنها الرئيس جورج بوش إلى الحديث عن أمن مدينة بغداد فقط، بعد أن كان الخطاب الأميركي، يتحدث قبل غزو العراق عن تحقيق الأمن الكوني انطلاقا من العراق.

 

لا شك أن أي عاقل ومتابع يدرك تماما أن الأميركيين بهذه الإستراتيجية، إنما أعلنوا أمام الرأي العام العالمي شهادة وفاة مشروعهم في العراق، أما الطرف الثاني في حرب العراق، فإنه يعلن عمليا سيطرته على مناطق كثيرة من العراق وعدم إمساك المقاومة العراقية بالأرض بصورة تامة، لا يعني أنها غير مسيطرة على تلك المساحات، بل إن الأمر يرتبط بالتكتيك العسكري،والرؤية السليمة والاتجاه نحو الإنهاك التام لقوات الاحتلال، من خلال إستراتيجية قضم قطعاتها وتدمير هيبة دولة الاحتلال الأميركية أمام العالم أجمع.

 

وما مرحلة التركيز على إسقاط المروحيات الأميركية إلا تأكيد على سلامة الخطوات والمراحل التي تتبعها فصائل المقاومة في حربها الشرسة ضد قوات الاحتلال الأميركي.

 

ويعلم الأميركيون قبل غيرهم أن إنهاء دور المروحيات في ساحة الحرب في العراق يعني أن قواتهم ودبلوماسييهم حتى الذين يقيمون داخل المنطقة الخضراء سيصبحون صيدا سهلا ويقعون في أيدي رجال المقاومة إما أسرى أو قتلى، وعندها لن تتمكن عوائلهم في الولايات الأميركية من الحصول على جثامينهم.

إن اقتناع العراقيين بحتمية خروج المحتل، يمهد الطريق أمام الجميع لمناقشة المشروع الوطني العراقي والمشاركة فيه، ويمكن إدراج أهم الخطوات التأسيسية لهذا المشروع في النقاط التالية:

  • "
    إن اقتناع العراقيين بحتمية خروج المحتل، يمهد الطريق أمام الجميع لمناقشة المشروع الوطني العراقي والمشاركة فيه
    "
    أولا:
    أن يتفق العراقيون على تشخيص الأخطار التي تهدد حاضر ومستقبل العراق والتي أشرنا إليها.
  • ثانيا: أن يطالب العراقيون الإدارة الأميركية بالإعلان عن جدول زمني معقول لخروج قواتها من العراق، على ألا يتضمن ذلك أي شكل من أشكال الوجود، لا على شكل خبراء ولا مشرفين ولا مستشارين، ولا قواعد ولا قوات طوارئ على حدود العراق.
  • ثالثا: أن تتم عملية إعادة بناء حقيقي للقوات الأمنية العراقية، وأن يتولى القيادة عسكريون وطنيون مستقلون، غير مرتبطين بحزب ولا يعملون إلا للعراق ومستقبله.
  • رابعا: أن تبدأ أولى خطوات القيادة العسكرية بالإعلان عن تعليق العمل بالدستور وإعلان الأحكام العرفية.
  • خامسا: أن يتم الإعلان بصورة واضحة وصريحة عن مهام القوات الأمنية العراقية، وتنحصر في تأمين الأمن والحماية لجميع العراقيين، ولا تمارس أي شكل من الاعتقالات ودهم البيوت.
  • سادسا: أن يتم إطلاق سراح جميع المعتقلين، وإعادة محاكمة الذين صدرت أحكام بحقهم، على أن تشكل هيئات قضائية جديدة لا ترتبط بالأحزاب والكتل السياسية، لكي يشعر العراقيون بالطمأنينة الحقيقية، ولا ضير أن يصدر عفو عام وشامل.
  • سابعا: أن تبدأ فورا عملية إعادة المهجرين وبضمانات أمنية.
  • ثامنا: تشكيل مجالس محلية من أبناء المناطق، تتكفل بالتنسيق مع القوات الأمنية في عملية توفير الخدمات، والشروع في تنظيف الأحياء وإعادة تأهيل المدارس والمعاهد والمستوصفات.
  • تاسعا: أن يفرض القادة العسكريون أقسى العقوبات على كل فرد أو ضابط في الأجهزة الأمنية، يتحدث بمفردات ذات دلالات طائفية أو عرقية، والعقوبات الأقسى يتعرض لها كل من يتصرف على هذه الشاكلة المقيتة والمرفوضة من قبل جميع العراقيين، إذ إن الجميع يدركون أن الطائفية السياسية التي برزت في حياتهم هي أساس البلاء والشر.
  • عاشرا: تهيئة الأجواء المناسبة لإجراء انتخابات حقيقية، بعد استكمال جميع مستلزماتها، وفي مقدمتها أن يتم فرض الأمن، وتوفير الخدمات، وإيجاد مناخ اقتصادي يتناسب وإمكانات العراق الاقتصادية، ومحاولة القضاء على البطالة، وتهيئة الأجواء لعودة الكفاءات، وتنفيذ مشروع إعادة الإعمار على أوسع نطاق.

إن المشروع الذي يتضمن خروج قوات الاحتلال، والتخلص منها بصورة نهائية وكاملة، ووجود قوات أمنية عراقية مهمتها الأولى والأخيرة حماية المواطن وتوفير الأمن له وعائلته وممتلكاته، ووجود خطة لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات، وفوق كل ذلك تهيئة الأجواء السليمة لإجراء انتخابات عراقية لا تقبل تهميش طرف وإقصاء آخر على الإطلاق، وترفض الاعتماد على الطائفية والعرقية، وتقدم الكفاءات لخدمة العراق على الولاءات الحزبية والفئوية والطائفية والعرقية، والانتقال من الجحيم الحالي بكل أشكاله وألوانه وقسوته، التي تطال الجميع ولا تفرق بين زيد وعمرو، والشروع في مرحلة أخرى يجد فيها العراقي نافذة للأمل، بعد أن أوصدوا أمام عينيه جميع النوافذ والثغرات والأبواب، وأمطروه بوابل من أكداس الرماد الأسود.

 

إن مثل هذا المشروع يحقق لمن يرفع السلاح ضد المحتل ما يريده، ويتعهد بضمان أمن المواطن، وينزع الألغام التي زرعوها في الجسد السياسي والاجتماعي العراقي، ويبدأ مرحلة الإعمار على طريق تحقيق الرفاهية، ويضمن لأصحاب المشاريع السياسية ما يوفر السيادة والاستقلال للعراق والمحافظة على وحدة هذا البلد.

أما الذي يريد تحقيق ما هو خارج عن توجيهات كهذه، ويختلف مع هذه الأسس، التي تمثل طموحات العراقيين، فإن مكانه سيكون بعيدا عن الدائرة العراقية المعروفة بتماسكها وبعلاقاتها الاجتماعية القوية والوثيقة.

الخلاصة

إن بإمكان العراقيين أن يختاروا أيا من السيناريوهات التي يتم تداولها، ويجري الحديث عنها في الدوائر والدهاليز المغلقة.

هذا شعب هو أول من اخترع الكتابة، وأجداده هم الذين وضعوا أول مسلة للقانون، وتاريخه يزخر بالعلوم والمعرفة، وأهله يمثلون نموذج التآلف والمحبة والتعاون بين الطوائف والأديان والأعراق، وهم قادرون على تجاوز أخطر وأصعب المحن والمصاعب، وبسهولة يستطيعون تبين ما هو سيئ وما هو مفيد لهم ولمستقبل أجيالهم.
_______________
كاتب ومحلل سياسي عراقي

عودة لملتقى العراق

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
من موقع الأخبار
الرؤية والأهداف|اتصل بنا|تقدير موقف|تقارير|ملفات|قضايا للحوار|أوراق الجزيرة|فعاليات|منتدى المشرق|عالم الكتب