ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
العلاقات الإيرانية الأميركية بين التوتر والحلحلة

صالح السيد باقر*

- أميركا ولعبة المبررات
- ما وراء الذرائع الأميركية

- خيارات طهران

- رهان أميركي

- مؤشرات الحلحلة

أميركا ولعبة المبررات


إذا كانت الحكومة الأميركية قادرة على افتعال المبررات فما المانع من أن تمارس ذات الأسلوب مع الحكومة الإيرانية للضغط عليها ومن ثم إسقاطها؟
أثبتت الأزمة العراقية أن الإدارة الأميركية ليست بحاجة إلى جهد كبير لاختلاق مبررات للخطوات التي تقوم بها لتحقيق أهدافها، فلا تزال الأزمة العراقية طرية وماثلة أمامه. ولو رجعنا بالذاكرة إلى ما قبل شهر واحد من اندلاع الحرب فسنرى كيف أن واشنطن تجاوزت مجلس الأمن وأصرت على أن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وكيف أنها غيّرت هدفها من السعي إلى تدمير أسلحة العراق إلى السعي إلى إسقاط دكتاتور بغداد، وذلك عندما اصطدمت بعدم حصولها على أدلة تثبت أن العراق يمتلك تلك الأسلحة.
فإذا كانت الحكومة الأميركية قادرة على افتعال المبررات فما المانع من أن تمارس ذات الأسلوب مع الحكومة الإيرانية للضغط عليها ومن ثم إسقاطها؟

تتجه أنظار المحللين السياسيين إلى طهران بمجرد أن يُسألوا "ما هو الهدف التالي؟". ولا يجمع المحللون العرب والأجانب لوحدهم على هذا الرأي وإنما يشاطرهم الخبراء الإيرانيون ذلك أيضاً، فيقول الأستاذ الجامعي ومستشار الرئيس الإيراني محمد رضا تاجيك في هذا الصدد "بالتأكيد ستضاعف أميركا ضغوطها السياسية والنفسية والاقتصادية ضد إيران بعد انتهاء الحرب".

وبالفعل فقد بدأت واشنطن تلوح لطهران بتهديداتها, ففي الأيام الأولى لسقوط بغداد اتهمتها بالتدخل في شؤون العراق وإثارة الفوضى فيه, كما لم يستبعد مساعد وزير الخارجية الأميركي جون بولتون في مؤتمر صحفي عقده بداية الشهر الحالي طرح قضية المنشآت النووية الإيرانية على مجلس الأمن.

ولكن من جهة أخرى نلمس مؤشرات الحلحلة بين طهران وواشنطن, وسنتعرض في الختام لهذه المؤشرات التي طفت على السطح تزامناً مع جولة الرئيس الإيراني في المنطقة.

ما وراء الذرائع الأميركية


لدى أميركا وإسرائيل قناعة بإمكانية وقف نشاط المنظمات الجهادية العاملة ضدها عبر الضغط على إيران وسوريا
إذا قررنا أن الاتهامات الأميركية مجرد تبريرات فالاستنتاج الطبيعي لهذا التحليل هو أن واشنطن تخفي بعض البنود في أجندتها, وتسعى إلى تسويتها مع طهران, وفي مقدمة هذه البنود الأمن الإسرائيلي الذي أخفته واشنطن وراء اتهام طهران بدعم الإرهاب.

لو وضع ألف دليل على شرعية المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي فلن يثني ذلك واشنطن وتل أبيب عن اتهام حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله بممارسة الإرهاب. ويبدو أن لدى أميركا وإسرائيل قناعة بإمكانية وقف نشاط المنظمات المذكورة عبر الضغط على الدول التي تدعمها (سوريا ولبنان وإيران).

هذه نصف الحقيقة التي لم تشأ واشنطن التصريح بها واكتفت بالإيماء لها عبر تصريحات مسؤوليها. أما النصف الآخر فهو سحق كافة الذين يقفون في طريق أميركا ويهددون مصالحها, ولذلك فهي لا ترضى بوجود علاقات متكافئة واحترام متبادل بينها وبين العواصم التي تضعها في خانة المتمردين, وإنما تسعى إلى إذلالها عن الطريق التعهد بتنفيذ الالتزامات من دون نقاش.

خيارات طهران

ملايين الإيرانيين يعتقدون بوجوب الدفاع عن حكومتهم (أرشيف)
لا شك في أن طهران التي تحرص على أن تبدو أنها مستقلة لا ترضى بهذا النوع من الإذلال خاصة وهي ترى أنها تمتلك بعض الخيارات التي تجعل واشنطن تتريث وتفكر بعقلانية قبل أن تقرر شن هجوم عليها. ومن هذه الخيارات:

أولاً: أن أميركا لا تمتلك معلومات دقيقة وكاملة عن القدرة التسليحية الإيرانية, لذلك ستقوم بمجازفة كبيرة إذا شنت الهجوم دون أن تحصل على المعلومات, لذلك من المستبعد أن تشن أي هجوم قبل أن تطلب من مجلس الأمن إجراء عمليات تفتيش في إيران كما فعلت في العراق.

ثانياً: ستواجه أميركا -خلافا لما جرى في العراق- عشرات الآلاف من الإيرانيين الذين يرون أن الواجب الديني يوجب عليهم الدفاع عن حكومتهم, بل ويؤمنون أن أبواب الجنة ستفتح لهم إذا قاتلوا الأميركيين واستشهدوا, وعلى هذا المبدأ يربي الحرس الثوري الإيراني قواته سواء المنتسب منهم أو قوات البسيج (المتطوعين).

ثالثاً: لقد تبين أن تصريحات مسؤولي النظام العراقي المتعلقة بامتلاكه آلاف الاستشهاديين مجرد ادعاءات فارغة, ولكن إيران لديها بالفعل مثل هؤلاء الاستشهاديين, ففضلاً عن قوات حزب الله اللبناني التي تعتبر لوحدها قنبلة انشطارية تنفجر ضد المصالح الأميركية في كل مكان إذا تعرضت إيران للخطر؛ فإن لإيران فضلاً عن ذلك مؤيدين في كل دولة فيها تجمع شيعي, وبعض هؤلاء لديه استعداد كامل للتضحية بنفسه من أجل إيران.

وكمثال بسيط على قدرة الامتدادات الإيرانية على تهديد المصالح الأميركية وعرقلة خططها نشير إلى ما حدث في اجتماعي الناصرية وبغداد. فقد صرّح زلماي خليل زاده ممثل الرئيس الأميركي في القضية العراقية قبل اجتماع الناصرية الذي عقد في 15 من الشهر الماضي أن الاجتماع سيلغي كافة ما توصلت إليه فصائل المعارضة العراقية في اجتماعاتها السابقة, وكان يقصد بالتحديد تشكيل المجلس القيادي للمعارضة العراقية الذي انبثق عن اجتماع أربيل في 29/2/2203.

وعلى خلفية تصريح خليل زاده قاطع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية اجتماع الناصرية, ومنذ ذلك الوقت وحتى اجتماع بغداد تضمنت كافة تصريحات محمد باقر الحكيم رئيس المجلس تهديدات مبطنة لأميركا بإثارة الفوضى والاحتجاجات الشعبية إذا لم ترضخ للمطالب الشعبية, وكان مراده قبول أميركا بالمجلس القيادي الذي كان عبد العزيز الحكيم أحد أعضائه. ولم تمض فترة طويلة على اجتماع الناصرية حتى شارك عبد العزيز الحكيم في اجتماع بغداد, كما جلس المجلس القيادي على طاولة رؤساء الاجتماع.

البعض يرى أن حلقات سلسلة تطويق إيران تكاملت بوجود القوات الأميركية في العراق, وفي الوقت الذي لا يختلف فيه أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي مع هؤلاء فإنه يرى في خطاب ألقاه في طهران قبل أسبوعين أن وجودهم في العراق وأفغانستان يمثل نقطة قوة لإيران.

ولم يوضح رضائي كيف أن وجودهم يمثل نقطة قوة لإيران, واكتفى بالقول "لدينا مؤيدون في العراق وأفغانستان", وقد فُسر كلامه هذا على استعداد إيران لتحريض أنصارها إذا استشعرت الخطر.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن بإمكان إيران التأثير في الرأي العام العراقي عبر قناتي العالم وسحر العربيتين فالعراقيون يلتقطون هاتين القناتين بهوائي عادي.

هل هذا يعني أن التهديدات الأميركية هواء في شبك وأن الإيرانيين لا يكترثون بها؟

طهران بالتأكيد تحمل التهديدات الأميركية على محمل الجد, ولو لم تكن كذلك لما قام "آغا زاده" بزيارة فيينا ولقاء رئيس الوكالة الدولية للطاقة محمد البرادعي تزامناً مع التهديد المبطن لجون بولتون بعرض قضية المنشآت النووية الإيرانية على مجلس الأمن.

كما أن تغيير مسار الإعلام الإيراني الناطق باللغة العربية 180 درجة من التركيز على الاحتجاج على الوجود الأميركي في العراق إلى التركيز على الجرائم التي ارتكبها نظام صدام بحق الشعب العراقي؛ يوحي أيضاً بأن طهران تحمل التهديدات الأميركية على محمل الجد.

رهان أميركا


الولايات المتحدة تعلم جيداً أن أبرز عامل يوحد صفوف الإيرانيين وخاصة تياراتهم السياسية هو شعورهم بالتهديد الأجنبي أيا كان مصدره
رغم ذلك فمن المستبعد جداً أن تقوم أميركا بشن هجوم عسكري على إيران خاصة على المدى القريب, والحقيقة أن ما تراهن عليه الولايات المتحدة في تغيير الحكم في إيران هو تفاقم الخلاقات بين التيارات السياسية الإيرانية لتتطور فيما بعد إلى حرب أهلية أو احتجاجات شعبية.

الولايات المتحدة تعلم جيداً أن أبرز عامل يوحد صفوف الإيرانيين وخاصة تياراتهم السياسية هو شعورهم بالتهديد الأجنبي أيا كان مصدره, وإذا كانت هناك إمكانية لانهيار الحكومة الإيرانية من الداخل فما الداعي للهجوم العسكري الذي لا يُمكن توقع نتائجه بالإضافة إلى الكلفة الباهضة له؟

أضف إلى ذلك أن بذور الخلاف التي قد تؤدي إلى احتجاجات ومن ثم قد تتطور إلى حرب أهلية موجودة, إذ يسعى كلا التيارين الإصلاحي والمحافظ إلى بسط نفوذه على السلطة, وهناك عدة عوامل تؤثر بشكل مباشر في نفوذ التيار أو انحساره, منها عامل التهديدات الخارجية.

وكما نعلم فإن أهم آلية يتبعها خاتمي في سياسته الخارجية هي إزالة التوتر التي حققت نجاحاً في هذا الصدد, لكن النجاح اقتصر على الدول الإقليمية وإلى حد ما على علاقات إيران مع الاتحاد الأوروبي, ولكنها لم تحقق أي تقدم في العلاقات مع الولايات المتحدة بل تزايدت الضغوطات الأميركية منذ مجيء خاتمي إلى السلطة عام 1997 ووصلت إلى ذروتها بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول حينما صنف الرئيس الأميركي إيران ضمن محور الشر.

إن إخفاق خاتمي في الحد من التهديدات الأميركية بعد إخفاقه في تحسين الوضع الاقتصادي في البلاد لا يؤدي إلى تقوية نفوذ التيار المحافظ فحسب، وإنما إلى انحسار شعبية التيار الإصلاحي أيضاً, وهذا بالتحديد ما حدث في انتخابات مجالس البلدية في 29 فبراير/ شباط الماضي, فإحجام 85% من الشعب عن المشاركة في الانتخابات يوحي أن الشعب ناقم على أداء التيار الإصلاحي الذي كان يهيمن على مجالس الدورة الأولى.

وإضافة إلى إخفاق التيار الإصلاحي في السياسة الخارجية وتحسين الوضع الاقتصادي؛ فإنه لم ينجح أيضاً في وضع حد للعراقيل والمضايقات التي يمارسها التيار المحافظ ضد الصحف والشخصيات الليبرالية, مما يعني فشل التيار في تكريس سياسة الانفتاح والتعددية التي بشر بها منذ مجيئه للسلطة.

ليس من المستبعد تطور التنافس والخلاف بين التيارين إلى نزاع نتيجة سياسة إثبات الوجود التي يسلكها كلا التيارين خاصة وقد ظهرت بوادر ذلك في الآونة الأخيرة, فقد صعد التيار الإصلاحي من هجومه على المحافظين وذلك عندما تُلي قبل أسبوعين وبشكل علني في البرلمان التقرير الذي يتهم مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التي يسيطر عليها التيار المحافظ بالفساد المالي.

ويبدو أن أجواء المستقبل السياسي ستتلبد بمزيد من الغيوم السوداء إذا نفذ نواب التيار الإصلاحي تهديدهم بالاستقالة من البرلمان احتجاجاً على عدم تصديق مجلس الرقابة الدستورية على اللائحتين اللتين قدمهما الرئيس خاتمي للبرلمان لبحثها والتصديق عليها.

كل هذا لا يعني أن الحرب الأهلية قدر محتوم لا تستطيع السلطات الإيرانية تجنبه, بل على العكس من ذلك فكلما تضاعفت الخلافات ظهرت مؤشرات الحلحلة.

مؤشرات الحلحلة

لقاء الرئيس الإيراني مع محمد البرادعي (أرشيف)
فبالإضافة إلى الإعلان عن تشكيل لجنة لحل الخلاف بين البرلمان ومجلس الرقابة الدستورية بشأن لائحتي رئيس الجمهورية؛ أثبتت التجربة أن المرشد آية الله السيد علي خامنئي يتدخل لتهدئة الوضع كلما وصل إلى حد الانفجار.

وبإزاء الحلحلة الداخلية ظهرت مؤشرات ترطيب الأجواء بين طهران وواشنطن. فعلى الرغم من إصرار الإعلام الإيراني على أن زيارة خاتمي لسوريا ولبنان تأتي في إطار تحدي طهران لتهديدات واشنطن للدولتين ودعماً لهما؛ فإن الإعلام الغربي ركز على أن خاتمي دعا حزب الله إلى الكف عن المقاومة وتسليم سلاحه للسلطات المحلية.

وفي الوقت الذي يصعب فيه التأكد مما جرى خلف كواليس الزيارة ظهرت على الأرض مؤشرات الحلحلة ومبادرات أميركية في هذا الصدد كسماح القوات الأميركية لمحمد باقر الحكيم بدخول العراق بالطريقة التي نقلتها وسائل الإعلام, وكذلك تجريد المعارضة الإيرانية (مجاهدي خلق) من سلاحها.

وبطبيعة الحال لا يمكن القول إن المياه عادت إلى مجاريها وإن العلاقات عادت بين البلدين إلى ما كانت عليه قبل انتصار الثورة عن طريق خطوة أو خطوتين يبادر إليهما هذا الجانب أو ذاك، فمن المؤكد أن واشنطن ستطلب من طهران تقديم المزيد لو أرادت عودة العلاقات.
___________________
* خبير في الشؤون الإيرانية

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
شارك
شارك
أسئلة المستقبل في إيران
لماذا يصر الإصلاحيون على ترشيح خاتمي؟
الأزمة العراقية - الأميركية والمواقف الدولية
الخليج العربي: محاور الهموم والمستقبل الغائم
اتهام أممي لدمشق بجرائم ضد الإنسانية
مواقف متباينة من القرار العربي تجاه سوريا
43 قتيلا بقمع الاحتجاجات في سوريا
إيران تنفي استهداف سفارات إسرائيل

تحليلات|كتب|وجهات نظر|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2010

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2012م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)