ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة|تواصل معنا
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
ماتينيون الضفة اليسارية: 1997-2001

كامبردج بوك ريفيوز
أوليفيي شراماك هو مدير ديوان رئيس الحكومة الفرنسي ليونال جوسبان السابق منذ يونيو/ حزيران 1997. وسبق له أن عمل مديرا لديوانه لما كان جوسبان وزيرا للتربية (1988-1991). وقد كان يعمل قبل ذلك في المجلس الدستوري وهو أعلى مؤسسة دستورية في البلاد مهمتها مراقبة مدى قانونية القوانين الصادرة ومدى دستوريتها.

غلاف الكتاب
- اسم الكتاب: ماتينيون الضفة اليسارية: 1997-2001
- المؤلف: أوليفيي شراماك
- عدد الصفحات: 189
- الطبعة:
الأولى 2001
-الناشر: ساي، باريس

وقد أثار هذا الكتاب جدلا سياسيا في فرنسا، لكون شراماك من كبار الموظفين السامين في الدولة ومن العادة في هذا البلد ألا يتخذ الموظفون السامون (المكلفون بإدارة دواوين الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة هم موظفون فيها) مواقف سياسية.

وقد هاجمته المعارضة اليمينية بحجة خروجه عن الصمت الذي يجب أن يلتزمه موظف سام في الوظيفة (مازال يتقلد منصبه). وهو ما أزعج المعارضة اليمينية، لا سيما حزب "التجمع من أجل الجمهورية" الذي ينتمي إليه الرئيس جاك شيراك.

فقد وجه شراماك في كتابه هذا انتقادات لاذعة لشيراك الذي اتهمه بإحباط أكبر مشاريع إصلاح الدولة التي أرادت حكومة جوسبان تطبيقها، كما انتقد نظام التعايش (رئيس من تيار سياسي ورئيس حكومة من تيار آخر)، أما الأغلبية البرلمانية الحاكمة -حينها- وهي يسارية فقد رحبت بهذه المبادرة واعتبرتها مناسبة حسنة لإثراء النقاش حول نظام التعايش في فرنسا (الكتاب مركز أساسا على نقد التعايش).


إن مختلف حكومات التعايش منذ الستينيات كانت قاسية لجهة العلاقة المتوترة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. وكانت طبيعة هذه العلاقة في أغلب الأحيان رهينة مزاج كل منهما
سيرة مهنية

بدأ المؤلف حديثه بعمله ومهامه في "مجلس الدولة" بداية من عام 1981، ثم في مختلف الوزارات (التعليم العالي، التربية...) في الحكومات اليسارية، وكيف تم إبعاده بطريقة غير لائقة من منصبه (بوزارة التربية) بعد وصول اليمين إلى الحكم عام 1986 (أول حكومة تعايش ترأسها شيراك في حين كان فرنسوا ميتران رئيسا للجمهورية). وعام 1988 عاد من جديد إلى وزارة التربية ليعمل هذه المرة مع ليونال جوسبان (وزير التربية).

ويروي أنه كان قد تعرف على بعض المسؤولين في الحزب الاشتراكي لكنه لم يسبق له أن التقى السكرتير الأول لهذا الحزب ليونال جوسبان. ويضيف أن هذا الأخير عينه نائبا لمدير ديوانه ثم مديرا رغم أنه لم يسبق وأن التقاه، بل اكتفى بخبرته وسمعته. ثم يتحدث عن أبرز الإصلاحات التي قادها مع جوسبان في وزارة التربية آنذاك. ويتحدث عن شخصية هذا الأخير قائلا إنه كان يولي عناية خاصة بخبرات وكفاءات الموظفين، حيث رفض في العديد من المرات تعيين أشخاص كان يدعمهم رئيس الجمهورية آنذاك (ميتران).

بعد ثلاث سنوات قضاها مع جوسبان في وزارة التربية، عاد شراماك من جديد إلى "مجلس الدولة" عقب تعيين ميتران حكومة جديدة. ويقول إنه رغم تردي العلاقات بين جوسبان وميتران بسبب عمل هذا الأخير على تهميشه، فقد كنت أشعر بأن جوسبان، صاحب الإمكانات الهائلة، سيكون يوما في قصر ماتينيون رئيسا للحكومة، وهذا ما تأكد في ما بعد على حد قوله.

بعد مجلس الدولة عين شراماك عام 1993 سكرتيرا عاما "للمجلس الدستوري". بعد حل شيراك للبرلمان في مايو/ أيار 1997 وفوز اليسار بقيادة جوسبان في الانتخابات النيابية، أصبح جوسبان رئيسا للحكومة وعين شراماك مديرا لديوانه.

مديح لجوسبان وحكومته
قبل طرح أفكاره حول التعايش والحديث عن أهم الإصلاحات التي قادتها حكومة جوسبان وتلك التي تعثرت بسبب معارضة رئيس الجمهورية لها، تطرق شراماك إلى عمل حكومة جوسبان مؤكدا على عملها كفريق كامل ومتجانس، يتولى فيها كل وزير مهامه بالكامل، حيث فرض جوسبان على وزرائه التخلي عن وظائفهم الأخرى (رئيس بلدية، محافظ، رئيس إقليم...) للتفرغ كلية لوزاراتهم.

كما تحدث عن منطق الحوار والنقاش داخل الحكومة قبل اتخاذ القرارات وعن التحكيم العقلاني وسياسة التوازن لجوسبان داخل الائتلاف الحاكم (الحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي، والخضر، وتشكيلات سياسية يسارية أخرى). كما تحدث عن جهود الحكومة لإعطاء البرلمان مزيدا من الثقل في الحياة السياسية الفرنسية وعن وضعها مصالح الدولة، والدولة فقط، فوق كل اعتبار.

ويقول من خلال الإشارة إلى عدة أمثلة إن حكومة جوسبان احترمت استقلالية العدالة ولم تتدخل يوما في عمل القضاة حتى لما تعلق الأمر بوزراء في الحكومة حيث التزمت عدم التدخل في سير شؤون العدالة في البلاد واحترمت قوانين الدولة. كما يثني على الحكومة في علاقتها المتوازنة مع الصحافة بغض النظر عن توجهات هذه الأخيرة ومواقفها منها.

نقد لاذع للتعايش
يوجه شراماك نقدا لاذعا للتعايش ويعطي صورة قاتمة عن عمل نظام التعايش في فرنسا. "لا يوجد وضع أسوأ بالنسبة لبلادنا من سلطة منقسمة ضد نفسها إذا كان يجب أن تكون السلطة محدودة، فلا يجب أن تكون بهذا الشكل، بتناقض ثابت"، حسب قول شراماك.

ويرى أنه منذ عام 1986، أي خلال الـ15 سنة الماضية عاشت فرنسا أكثر من نصف حياتها السياسة في تعايش، بمعنى أنه يحكمها رئيس جمهورية ورئيس حكومة من تيارين سياسيين متعارضين. وهذا التعايش قرره الشعب الفرنسي من خلال انتخابات متتالية. ويظهر جليا أن الرأي العام يقبل مثل هذا التعايش في أعلى هرم السلطة. لكن يقول شراماك، بغض النظر عن هذا الإدراك الشعبي، فإن مؤسسات الجمهورية الخامسة (الجمهورية الحالية منذ دستور 1958) لها سلطة تنفيذية ذات ممثلين، كل واحد منهما له شرعية انتخابية رئاسية للأول وبرلمانية للثاني.

ويضيف شراماك أن مختلف حكومات التعايش منذ الستينيات كانت قاسية لجهة العلاقة المتوترة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. وكانت طبيعة هذه العلاقة في أغلب الأحيان رهينة مزاج كل منهما.

ويرى أن تعايش عام 1997 متميز عن غيره كونه جاء عقب حل البرلمان (الذي كان من أغلبية يمينية) من قبل رئيس الجمهورية اليميني، إلا أن الفرنسيين صوتوا لصالح اليسار ففقد الرئيس شيراك الأغلبية في "الجمعية الوطنية" ولم يبق لليمين إلا الأغلبية الرئاسية. وحول هذه النقطة ينتقد شراماك موقف الرئيس الفرنسي من خلال التذكير ببعض السوابق السياسية الفرنسية قائلا بطريقة ضمنية إنه كان من المنطقي أن يستقيل شيراك لأن الناخبين لم يتبعوه. ويلاحظ أنه على العكس من ذلك أكد هذا الأخير على دوره في مجال صنع القرار وحتى في الشؤون التي هي من صلاحيات الحكومة، وعن رغبته في أن يكون صاحب "الكلمة الأخيرة". فكان رد جوسبان بطريقة هادئة ولكن فعالة عبر عرض، تم خلال مجلس الوزراء الذي ترأسه شيراك، حول القانون الدستوري مذكرا بالمادة 20 من الدستور والتي تقول إن تحديد وقيادة سياسة الأمة من صلاحية الحكومة.


بغض النظر عن الاختلافات في وجهات النظر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، فإن العمل يتم دائما سويا للخروج بموقف موحد حتى تتحدث فرنسا بصوت واحد في ما يخص قضايا دولية (أوروبا، اجتماعات مجموعة الدول الثماني، الحلف الأطلسي...)
رأسان للسلطة التنفيذية
ويقول شراماك إذا كان رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة حسب نص الدستور فإن رئيس الحكومة هو المسؤول عن الدفاع الوطني، كما أن التصويت على قانون البرمجة العسكرية، الذي يحدد الإطار العام وتوجهات سياسة الدفاع، يعود إلى الأغلبية البرلمانية. في ما يخص العلاقات الدولية، الرئيس هو المسؤول عن السياسة الخارجية وهذا من باب التمثيل الشخصي الواضح لسياسة البلاد. أما في ما يتعلق بالشؤون الأوروبية، فيقول إن معظم الجوانب تندرج ضمن صلاحيات الحكومة والبرلمان.

ويستنتج شراماك من كل هذا أنه يوجد "رأسان للسلطة التنفيذية"، أو ما يسميه خبراء الدستور بـ "الازدواجية". لكن كيف يمكن لهذه الازدواجية أن تعمل، يتساءل؟ الذي يرى أن سير التعايش تحكمه طبيعة العلاقات بين الأشخاص القائمين عليها. ويقول في هذا الخصوص إن الاتصال المستمر بين قصر الإليزيه (رئاسة الجمهورية) وقصر ماتينيون (رئاسة الحكومة) يتم عادة بينه (شراماك كونه مدير ديوان رئيس الحكومة) وبين مدير ديوان رئيس الجمهورية.

ويقول شراماك إنه بغض النظر عن الاختلافات في وجهات النظر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، فإن العمل يتم دائما سويا للخروج بموقف موحد حتى تتحدث فرنسا بصوت واحد في ما يخص قضايا دولية (أوروبا، اجتماعات مجموعة الدول الثماني، الحلف الأطلسي...).


في مجال العلاقات الدولية لم يلتزم شيراك التضامن الرسمي المطلوب، إذ لم يساند جوسبان لما تعرض لقصف بالحجارة في بيرزيت، بل ركز على صلاحية رئيس الجمهورية في إدارة السياسة الخارجية
يقول شراماك إن موقف شيراك من الحكومة يتأرجح بين القبول الإرادي المشوب بالتحفظات، والاستباق، والنقد الصريح. وهنا يشير إلى استغلاله لإحدى التقاليد الجمهورية لضرب الحكومة. إذ جرت العادة أن ترسل الحكومة إلى رئاسة الجمهورية مختلف التقارير والملخصات عن عمل الحكومة، برنامجها ومواقفها حول مختلف القضايا قيد الدراسة، وبالتالي فالأخبار والمعلومات تصل الرئيس بانتظام عبر مختلف القنوات الرسمية. وهذا يسمح له ولمعاونيه معرفة ما يجري واختيار "زوايا الهجمات القادمة" على الحكومة والتحضير لها.

ويورد مثالا كان قد أثار حينها غضب الحكومة، فقد أعلن شيراك أنه من المستعجل تدمير الدقيق الحيواني (الذي تتغذى به الأنعام –والذي يدخل في صناعة بقايا لحوم الحيوانات– والمسؤولة عن ظهور مرض جنون البقر). وبتصريحه هذا استبق شيراك الحكومة.

والحقيقة أنه كان قد اطلع من خلال التقارير والمعلومات التي تحولها له مختلف مصالح الحكومة والوزارات بأن الحكومة ستتخذ قرار تدمير الدقيق الحيواني. ويقول شراماك على عكس تدفق المعلومات من ماتينيون باتجاه الإليزيه، فإن رئاسة الحكومة لا تعلم شيئا عن تنقلات رئيس الجمهورية داخل الوطن مما أدى في بعض الأحيان إلى تزامن زيارة رئيس الحكومة لمنطقة ما مع زيارة رئيس الجمهورية للمنطقة نفسها.

ويقول إن شيراك عمل على عرقلة عمل الحكومة ومعارضة مشاريعها مثل تخفيض ساعات العمل الأسبوعية من 39 إلى 35 ساعة، لكن دون جدوى. ويضيف أنه في مجال العلاقات الدولية لم يلتزم شيراك التضامن الرسمي المطلوب، إذ لم يساند جوسبان لما تعرض لقصف بالحجارة في بيرزيت، بل ركز على صلاحية رئيس الجمهورية في إدارة السياسة الخارجية.

حرب خنادق بين الضفتين
وفي حديثه النقدي حول التعايش، يتحدث شراماك عن "حرب خنادق"، بين الضفتين (ضفتي نهر السين الذي يعبر باريس) اليمينية (التي يوجد عليها قصر رئاسة الجمهورية) واليسارية التي يوجد عليها قصر الحكومة. كل واحدة منهما تراقب الأخرى، الضفتان تتبدلان العبارات الفظة بواسطة الناطقين الرسميين بطريقة صريحة أو غير صريحة، كل طرف يحاول أن يباغت الآخر في انتظار انتخابات 2002.

ومن بين مظاهر "حرب الخنادق" هذه الصراع على تعيين كبار المسؤولين في أجهزة الدولة. فرغم تقاسم التعيينات ودخول البعض منها تحت صلاحية إما الرئاسة أو الحكومة، إلا أن الطرفين يدخلان في مساومات حول بعض المناصب. لكن باستثناء تعيين القضاة الذي أخضعته رئاسة الجمهورية لمعايير سياسية واضحة، فإن مسألة التعيينات لم تسبب حتى الآن أزمة بين ماتينيون والإليزيه.

بالنسبة للقارئ بصفة عامة والباحث بصفة خاصة تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يعطي صورة من الداخل عن كيفية صناعة القرار واتخاذ القرارات السياسية من قبل الحكومة الفرنسية، خاصة أن المؤلف من بين أبرز صانعي هذه القرارات بحكم منصبه كمدير لديوان رئيس الحكومة. ويعطينا صورة أكثر وضوحا عن بعض جوانب نظام التعايش.

لكن ما يعاب عليه هو دأب كاتبه على وضع نفسه في مركز معظم القرارات وكأن كل شيء يمر ولا بد عبر يديه. كما يفتقر الكتاب إلى أي قراءة نقدية لعمل الحكومة ولو بطريقة ودية، حيث غابت أي إشارة إلى سلبيات بعض قرارات الحكومة وبعض إصلاحاتها. مثل تخفيض ساعات العمل الأسبوعية التي لم تؤد كما كان منتظرا إلى تخفيض نسبة البطالة. في نقده للتعايش ذكر شراماك أمثلة عديدة عن التجارب التعيسة في هذا المجال حتى بين رئيس جمهورية ورئيس حكومة من التيار السياسي نفسه. وهذا يعني أن التعايش بين ممثلين لتيارين مختلفين لا يقود حتما إلى المواجهة المستمرة.

رغم هذه العيوب وسلبيات أخرى لا يسعنا سردها هنا، يبقى هذا الكتاب نصا مهما وصورة تشريحية لعمل النظام السياسي الفرنسي الحالي، وفيه الكثير والكثير من القيم والممارسات الديمقراطية المفيدة لأمم الجنوب التي تعيش تحولا ديمقراطيا.

المصدر: الجزيرة
طباعة الصفحة إرسال المقال
شارك
شارك
الانتخابات الفرنسية
الانتخابات الرئاسية في فرنسا
الجولة الثانية من الانتخابات الفرنسية
الانتخابات الرئاسية في فرنسا
قتلى سوريا تجاوزوا ثمانية آلاف
حماة محاصرة وقصف حمص متواصل
رفض عربي لتعديلات موسكو بشأن سوريا
واشنطن تقلل من التقدم النووي إلإيراني

تحليلات|كتب|وجهات نظر|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2010

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2012م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)