لم تكن فكرة تأسيس تكتلات اقتصادية إقليمية بالفكرة الجديدة في المحيط العربي، فقد كانت فكرة إنشاء سوق عربية مشتركة وليدة العقد الخامس من القرن الماضي لكنها قبرت في المهد بسبب انعدام الوعي الحقيقي بشروط التكامل.
إن المحددات الموضوعية للتكامل الاقتصادي في العالم العربي تبدو متوافرة إلى حد بعيد، فدول الخليج تتوفر على أهم المدخرات النفطية في العالم، في حين أن دول منطقة المغرب العربي مثلا تتوفر هي الأخرى على الموارد الإنتاجية الضرورية لتحقيق الأمن الغذائي، وبالمقابل فإن منطقة الشرق الأوسط وتحديدا دول الشام لديها هي الأخرى ما يكفي من الموارد البشرية المدربة. وبفعل انعدام المجال الأمثل لإبراز
مؤهلاتها اضطرت للهجرة القسرية إلى حين ظهور بدائل.
إن هذا التقسيم الإجرائي للدول العربية يقود إلى تأسيس قناعة راسخة، هي أن "الشراكة الاقتصادية العربية مضمونة النتائج إن تحققت عملية الخروج من الإطار النظري إلى الفعل الاقتصادي القائم على المصلحة المشتركة وتبادل المنفعة".
الواضح أن تباين الأنظمة الاقتصادية من بلد إلى آخر وتنامي مصلحة القوى الاقتصادية العالمية في الدول العربية عجلت بقتل مشروع السوق العربية المشتركة ليتم البحث عن بدائل جهوية أخذت هذه المرة شكل تكتلات إقليمية, كما هو الحال في دول مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي.
ومن ناحية الجدوى الاقتصادية وبالرغم من النتائج الجزئية المحصل عليها في تجربة دول الخليج فإن هذه الاتحادات لم ولن يكون بإمكانها أن تحقق قيمة مضافة على مستوى التنمية العربية في أبعادها العامة، وذلك بسبب غلبة الاختيارات السياسية على المصالح الاقتصادية.
وبلغة الأرقام فإن سيطرة الاتحاد الأوروبي على 30% من معدل التجارة العالمية والنمو المطرد لمستقبل التجارة العالمية في حوض البحر المتوسط سيزيد من قوة وهيمنة الاتحاد الأوربي، وذلك على حساب التجارة العربية أولا والمنافسة مع الولايات المتحدة الأميركية ثانيا.
وإذا علمنا أن التجارة البينية داخل العالم العربي لا تتجاوز 10% من مجموع التجارة العربية مع دول العالم فإن نجاح الاتحاد الأوروبي في انتزاع علاقات تفضيلية جديدة مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال امتيازات جمركية سيزيد من قوة الاتحاد الأوروبي كأول قوة اقتصادية عالمية, ويزيد من تأزم وضعية الاقتصاديات العربية.
إن البديل الوحيد والممكن في تحقيق تكتلات اقتصادية عربية لا يمكن إلا أن يكون منبثقا من داخل القطاع الخاص، لأن الصيرورة الاقتصادية العالمية اقتضت ذلك. ورغم ما قد يقال عن ضعف وعدم وجود هيكلة داخل القطاع الخاص العربي فإنه لا مناص من الاستنجاد به، لأنه هو المعني الأول بتحقيق معدلات تنمية جديدة وتجاوز حالات ومظاهر العطب التنموي.
وقد وعى المشرفون على منتدى دافوس الاقتصادي العالمي محدودية التعاون على مستوى الحكومات في العالم العربي, ليتم الاستنجاد بالقطاع الخاص العربي, وكان من نتائج هذا التوجه إنشاء منتدى لرجال العمال العرب الذي انعقدت أشغال دورته الأولى بمدينة مراكش المغربية مؤخرا، وتمخض عن تبني خطة عمل موحدة تقوم على جملة مفاصل مركزية هي:
- أن التنمية في العالم العربي ستظل اختيارا مؤجلا إلى حين التخلي عن غلبة الخيارات السياسية على المصالح الاقتصادية.
- أن التنمية فعل مشترك بين الدولة والقطاع الخاص، كل حسب موقع عمله.
- أن تحقيق معدلات جديدة في التنمية رهين بتحقيق تنافسية جديدة للاقتصاديات العربية وتحرير متزايد للتجارة البينية, وتأسيس الشروط اللازمة لجذب الاستثمارات الخارجية واستعادة الرساميل العربية المهاجرة.