عرض/ إبراهيم غرايبة
يشكل الاحتلال الأميركي للعراق مساحة واسعة من التقرير السنوي لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الذي يوثق الحالة العربية والإقليمية والدولية منذ منتصف الثمانينيات. وجاء تقرير هذا العام مختلفا عن التقاليد التي درج عليها منذ 18 عاما، وبالطبع فإن ما حدث للعراق هو المنعطف الأهم في الوطن العربي والعالم منذ الحرب العالمية الثانية، فقد دخل العراق والوطن العربي في مرحلة جديدة تثير أسئلة كثيرة لا تحصى عن المستقبل وتداعياته وتحولاته.
|
- اسم الكتاب: التقرير الإستراتيجي العربي 2002-2003 - رئيس التحرير: حسن أبو طالب - عدد الصفحات: 463 - الطبعة: الأولى 2003 - الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في القاهرة | |
الأزمة الأميركية العراقيةاستحوذت الأزمة الأميركية العراقية على الحيز الأكبر من الاهتمام الدولي والإقليمي والعربي خلال العام 2002 والربع الأول من العام 2003، حتى وقوع الحرب الأنغلوأميركية على العراق. ومن المتوقع أن تفرض نتائج هذه الحرب وتداعياتها نفسها على الساحة الدولية والإقليمية لفترة طويلة قادمة.
فقد شكلت هذه الأزمة واحدة من المحاور المفصلية في حركة تطور النظام الدولي، إذ تحولت إلى رمز لصراع الإدارات بين الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا وبين معظم القوى الدولية الأخرى.
ولم يكن الصراع متعلقا بالضروة ببقاء النظام السياسي الحاكم في العراق، أو الترتيبات العسكرية والسياسية للعراق، وإنما كان متعلقا بالنفوذ وعلاقات القوة بين قوة مهيمنة تسعى للانفراد بقرارات الحرب والسلام على امتداد الساحة الدولية وبين قوى دولية كبرى تسعى للحد من هيمنة القوة المهيمنة الوحيدة. وكان الصراع أيضا متعلقا بكيفية إدارة العلاقات الدولية، وكيفية التعامل مع قضايا الصراع والأمن والسلام في العالم.
” تناول مثقفون عرب وأوروبيون وأميركيون ظاهرة الإرهاب ومسبباتها وعلاقتها بالدين الإسلامي، في واحدة من أغنى الحوارات العلنية وأكثرها تعبيرا عن دور الحوار في تعديل بعض القناعات المسبقة ” |
الإرهاب الدولي
كان لسطوة عناصر اليمين الديني السياسي على إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش نتائج سياسية خطيرة تجلت في ممارسة سياسات محافظة وذات طابع هجومي تجاه العديد من القضايا الدولية والإقليمية، وهو ما تبلور لاحقا في تبني مفاهيم إستراتيجية استباقية تحمل نذر فوضى عارمة في العلاقات الدولية إجمالا، وفي توظيف عناصر الثروة والهيمنة والقوة العسكرية على نحو فج، وهو ما عانت منه القضايا العربية وفي مقدمتها القضية العراقية، والأزمة السودانية، والانحياز غير المسبوق لإسرائيل.
ومن جانب آخر فقد استمرت الحالة الأفغانية ورغم التخلص من نظام طالبان ووجود قوة دولية لحماية الأمن في الداخل الأفغاني، على حال من الفوضى وتعثر جهود بناء الدولة، وهو ما يمكن إعادته جزئيا إلى تبخر الوعود البراقة التي أعلنتها الدول الكبرى لمساعدة الشعب الأفغاني على بناء دولة عصرية. وفي الوقت نفسه استمرت الدول الآسيوية في البحث عن إستراتيجيات جديدة لمواجهة الحركات والتنظيمات التي وصفت بالإرهابية، والتي مثلت تحديا كبيرا لاستقرار العديد من دول جنوب شرق آسيا.
وإلى جانب البحث عن إستراتيجيات لمواجهة الإرهاب سياسيا وعسكريا، تناول مثقفون عرب وأوروبيون وأميركيون ظاهرة الإرهاب ومسبباتها وعلاقتها بالدين الإسلامي، في واحدة من أغنى الحوارات العلنية وأكثرها تعبيرا عن دور الحوار في تعديل بعض القناعات التي تقوم على انحيازات فكرية وسياسية مسبقة.
وفي تعبير جلي عن الدور السلبي الذي تلعبه نصائح صندوق النقد الدولي في بعض اقتصادات بلدان العالم الناهض تبرز حالتا الأرجنتين والبرازيل، فقد ساهمت تدخلات صندوق النقد في إحداث مزيد من تدهور الأحوال الاقتصادية وتردي الوضع المعيشي على نحو طال كل فئات المجتمع.
الأزمات في دول الجوار مع العرب
أثرت التفاعلات والتطورات الداخلية في كل من إيران وتركيا بدرجة كبيرة على تفاعلات البلدين مع النظام العربي وقضاياه البارزة، وبخاصة الصراع العربي والأزمة الأميركية العراقية. وكان لتفاعلات طهران وأنقرة مع هاتين القضيتين تأثيرهما الواضح على القضيتين.
في إيران يتصاعد الصراع السياسي بين المحافظين والإصلاحيين مهددا الحالة الإيرانية بالفوضى والانفجار. ويلقي هذا الوضع الداخلي بظلاله على العلاقات الإقليمية لطهران مع الدول العربية، فقد تحسنت العلاقة مع مصر ودول الخليج وأوروبا، وتقديم تنازلات إيرانية لأوروبا للحفاظ على الشراكة التجارية وتنمية العلاقات السياسية.
وقد التزمت إيران موقف الحياد الكامل في الحرب الأميركية على العراق، وأبدت تأييدها لحزب الله في لبنان ولسوريا، وإن لم تتدخل فعليا لعرقلة المفاوضات الجارية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتجنبت التصعيد مع إسرائيل، وإن كان موقفها السياسي من الصراع العربي الإسرائيلي متشددا، كما أنها تواجه تحريضا إسرائيليا سافرا لمنعها من امتلاك القوة النووية.
وشهدت المواقف الإيرانية تحولا ملموسا في تلك المسائل باتجاه التخلي عن تأييد القوة خيارا وحيدا لحل الصراع، والإقرار بالحل السلمي وسيلة ملائمة لتسويته، إضافة إلى التعامل مع الأمر الواقع بالنسبة للوجود الإسرائيلي في أرض فلسطين.
وشهد العام 2002 تطورا إيجابيا في العلاقات السياسية بين إيران وكافة دول الخليج العربية، فقد زار الرئيس الإيراني محمد خاتمي السعودية، وزار ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة طهران، كما زارها وزير خارجية الإمارات الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ووقع وزيرا دفاع الكويت وإيران مذكرة تفاهم مشترك بين البلدين. وأيضا زار إيران نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الكويتي (رئيس الوزراء الحالي)، ووقع البلدان ثلاث مذكرات للتعاون في الغاز والماء وتفعيل التعاون الاقتصادي والتجاري.
وفي المجال العربي والإسلامي حدث تباعد نسبي في المواقف بين إيران وسوريا بعد فترة طويلة من التعاون بينهما. واستمرت مظاهر التفاعل الإيجابي مع السودان في جميع المجالات، فقد تسلمت الخرطوم من طهران آليات نقل عتاد وجنود، وأقيم بتنسيق بين البلدين مجمع جياد الصناعي في العاصمة السودانية لتصنيع سيارات إيرانية، كما تحسنت العلاقات الإيرانية الجزائرية بعد فترة طويلة من القطيعة.
” أثرت التفاعلات والتطورات الداخلية في إيران وتركيا بدرجة كبيرة على تفاعلات البلدين مع النظام العربي وقضاياه البارزة، وبخاصة الصراع العربي والأزمة الأميركية العراقية ” |
وفي تركيا حدثت تطورات داخلية أدت إلى تحول كبير في تاريخها السياسي المعاصر، فقد انتخب حزب العدالة والتنمية الإسلامي بأغلبية كبيرة أوقفت ظاهرة الحكومات الضعيفة في تركيا بسبب غياب غطاء من الأغلبية البرلمانية، وأوقفت أيضا سيطرة النخبة التقليدية التي تهيمن على الحياة السياسية منذ الحرب العالمية الثانية، كما غيرت في تركيبة التيار الإسلامي نفسه والتي هيمن عليها نجم الدين أربكان أكثر من ثلاثة عقود.
وكان من المتوقع أن تكون تركيا أحد اللاعبين الرئيسيين في العدوان الأميركي على العراق، ولكن البرلمان التركي الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية رفض أي مشاركة عسكرية تركية في الحرب، كما رفض أن تنطلق القوات الأميركية من الأراضي التركية من أجل فتح جبهة شمالية في الحرب.
وتراجع التعاون التركي الإسرائيلي بسبب تصاعد المد الشعبي التركي المعارض للتعاون مع إسرائيل، ولكن التغير في هذه العلاقة لم يكن جذريا، ولم يؤثر مجيء حزب العدالة والتنمية في تغييرها، ولم يعلن الحزب الإسلامي الحاكم عن اتجاهات جديدة لتقليص تلك العلاقة، وأعلن الحزب برنامجا قائما على علاقات متوازنة في الشرق الأوسط، ودعم العملية السلمية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي.
إن العلاقات العسكرية مع إسرائيل تخضع لتوجهات المؤسسة العسكرية التي لا تتبع مباشرة للحكومة المنتخبة، وقد أبدى حزب العدالة والتنمية حرصا على عدم مواجهة المؤسسة العسكرية. كما أن العلاقات الأميركية التركية قائمة أساسا على تحالف إستراتيجي ثلاثي أميركي تركي إسرائيلي.
ويبقى انتخاب حزب العدالة والتنمية مؤشرا على تطور إيجابي في تركيا نحو الهوية الإسلامية ورفض توجهات النخب العلمانية السابقة، ونشوء نخب جديدة منسجمة مع تحولات الرأي العام نحو الهوية الإسلامية ورفض الاحتلال الإسرائيلي.
وحفلت منطقة القرن الأفريقي بالعديد من التطورات خلال عام 2002، ورغم أنها شكلت امتدادا لمشكلات سابقة فإن الجديد تمثل في تصاعد دور العامل الخارجي في ضبط وتيرة التفاعلات الجارية على ساحة تلك المنطقة، والتي اعتقد البعض أنها فقدت الكثير من أهميتها الإستراتيجية بانتهاء الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب في الاستحواذ عليها، ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وما تلاها من تطورات لتعيد من جديد تلك المنطقة إلى بؤرة الأضواء والأحداث.
وفي ظل اهتمام السياسة الأميركية بإعادة ترتيب أوضاع العديد من المناطق الإقليمية وضبط التفاعلات الداخلية لدولها، بما يتناسب مع مصالح ذلك القطب الدولي. وكان من أهم الأحداث والتطورات: أزمة إريتريا/إثيوبيا، وأزمة إريتريا/السودان، وأزمة إريتريا/اليمن، وأزمة إريتريا/جيبوتي، وأزمة إريتريا/الصومال، وأزمة السودان/إثيوبيا، وأزمة السودان/جيبوتي، وأزمة السودان/الصومال، وأزمة السودان/كينيا، وأزمة إثيوبيا/جيبوتي، وأزمة إثيوبيا/الصومال، وأزمة جيبوتي/الصومال، وأزمة كينيا/الصومال، وأزمة كينيا/جيبوتي.
تحولات الصراع العربي الإسرائيلي
شهد الصراع العربي الإسرائيلي تحولات كبيرة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وإعلان الحرب على ما يسمى الإرهاب الدولي دون اعتبار للمقاومة المشروعة للاحتلال. وانتقلت الأهمية النسبية للقضايا من فلسطين إلى الخليج بسبب الأزمة الأميركية العراقية، وقد فتح ذلك المجال أمام الحكومة اليمينية الإسرائيلية للسير في سياسات عسكرية عنيفة لإنهاء الصراع في فلسطين بالقوة العسكرية ولكنها لم تنجح في ذلك. وتصاعدت الانتفاضة الفلسطينية ومقاومة الاحتلال، وبات الصراع العربي الإسرائيلي يواجه وضعا معقدا يهدده انهيار العملية التفاوضية لتسوية سلمية للصراع.
وفي داخل إسرائيل استمرت الأحزاب الإسرائيلية في أزمتها إذ لم يتمكن أي منها من الحصول على أغلبية برلمانية ولا حتى تشكيل ائتلاف حكومي معقول وقادر على البقاء. وقد اقترب حزب العمل من الانهيار أو انهار بالفعل، وهو الحزب المؤسس لإسرائيل والذي ظل يحكمها على نحو متواصل حتى العام 1977، وهيمن اليمين الإسرائيلي المتطرف على الحياة السياسية.
وواجهت السلطة الفلسطينية أزمة كبرى بسبب الحصار والاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وإن بقيت الانتفاضة الفلسطينية مستمرة منذ اندلاعها أواخر سبتمبر/ أيلول 2000.
وجرى حوار القاهرة بين الفصائل الفلسطينية برعاية رئيس المخابرات المصرية، ووافقت حماس والجهاد على وقف العمليات العسكرية، ولكن إسرائيل رفضت تلك الهدنة واستمرت في عملياتها العسكرية التصعيدية على الشعب الفلسطيني، بل إنها سلكت منهجا جديدا في اغتيال القادة السياسيين لحماس لإجبارها -كما يبدو- على الاستمرار في العمل العسكري الذي يشكل مبررا لاستمرار المذابح والانتهاكات بحق الفلسطينيين ويعطي الحكومة اليمينية المتطرفة دعما شعبيا.
” شهد عدد من البلدان العربية تطورات سياسية مهمة مثل الانتخابات النيابية، ولكن ظلت الغالبية العظمى بحاجة إلى خطوات إصلاحية في المجال الديمقراطي وحقوق الإنسان والحريات العامة ” |
إخفاق النظام العربي
رغم انتظام الاجتماعات الدورية التي عقدت تحت مظلة مؤسسات النظام الإقليمي العربي فإن الأداء العام لمستوى العمل العربي كان منخفضا، ربما بسبب المشكلات التي واجهها النظام العربي على صعيد القضية الفلسطينية، والأزمة الأميركية العراقية، وتنظيم العلاقات العربية البينية، والإخفاق في متابعة مشروع تطوير الجامعة العربية. وقد كان الجدل حول قمة البحرين التي عقدت في شرم الشيخ في غرة مارس/ آذار 2003 دليلا على أن النظام العربي لم يصل بعد إلى الدرجة المناسبة من الالتزام بما يتفق عليه القادة العرب أنفسهم.
وشهد عدد من البلدان العربية تطورات سياسية مهمة، مثل الانتخابات النيابية التي جرت في أكثر من بلد، ولكن ظلت الغالبية العظمى من البلدان العربية بحاجة إلى خطوات إصلاحية رئيسية في المجال الديمقراطي وحقوق الإنسان والحريات العامة، وإتاحة المجال أمام المجتمع المدني دون تقييد حركته.
وفي مجال الأزمات العربية فقد حققت المفاوضات الجارية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان تطورا مهما، تمثل في إعلان ماشاكوس الذي جاء تحت ضغوط دولية كثيفة كان للولايات المتحدة النصيب الأكبر فيها، ولكن مسيرة السلام والحفاظ على الوحدة في السودان مازالت تحفها المخاطر.
وشهدت الحالة الجزائرية تطورات مهمة لاحتواء الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أوائل التسعينات، مثل الاعتراف باللغة الأمازيغية، وإطلاق سراح الشيخين عباسي مدني وعلي بن حاج.