عرض/ شفيق شقير*
أصل الكتاب بالفرنسية صدر عام 1997 وأعطته ردود الفعل الأميركية على أحداث سبتمبر/ أيلول مصداقية خاصة، مكنت القارئ أن يعيد قراءة الكتاب في ضوء الأحداث الأخيرة ومنحته فرصة للمقارنة بين نص الكتاب وأفعال الإدارة الأميركية المتشنجة.
|
-اسم الكتاب: أميركا التوتاليتارية، الولايات المتحدة والعالم: إلى أين؟ -المؤلف: ميشال بوغنون موردان، ترجمة: خليل أحمد خليل -عدد الصفحات: 288 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: دار الساقي، بيروت | |
يقول مقدم الكتاب الصحافي المعروف بيار سالينجر إن عنوان الكتاب يصدم الأميركيين لارتباط التوتاليتاريا بمفهوم الديكتاتورية، ويدعو الأوروبيين إلى الحيطة، لأن الأميركيين يعرفون أنفسهم بأنهم النموذج الأمثل لقيم الديمقراطية، ولأن الأوروبيين مهددون بالأمركة بعد أن كانوا مستعمرين لأميركا.
فصاحب الكتاب ميشال بوغنون موردان يتمسك بالتعريف البسيط للتوتاليتارية، فهي قوة احتوائية بمعنى أنها تنوي امتلاك مجمل مكونات الكيان الذي تعيش فيه. وأميركا مدفوعة بهاجس السيطرة على العالم وأمركته. وينبش الكاتب لإثبات هذه الرؤية في التاريخ والضمير الأميركي، ويرصد بنظرة عابرة ولكن ثاقبة لحظات تكونهما التي أخرجت ما يعرف بالأمة الأميركية إلى الوجود، الأمة المختارة باختيار القدر فحسب.
الأمة المختارة
” استيطان أميركا كان يجري في سياق أيدلوجي ثنائي القطب، أولاً الاغتناء المادي وثانياً تمجيد الإنجاز الإلهي ” |
وبكلمات قليلة يلخص سالينجر في تقديمه للكتاب صورة الأميركي المفعم بالعقيدة الكالفينية، فيقول عن هذه العقيدة إنها تقرر ما يلي "لئن كان الله قد سمح بأن يجتمع في أرض أميركا شعب من رجال ونساء مميزين، فذلك لأنه منح هذا الشعب رسالة حكم العالم ذات يوم".
ويقول بوغنون إن استيطان أميركا كان يجري في الأصل في سياق أيديولوجي ثنائي القطب، أولا: الاغتناء المادي وثانيا: تمجيد الإنجاز الإلهي.
فالأمة الأميركية كما يعكسها الكتاب ورجال الكنيسة والمثقفون الأوائل هي شعب الله المميز الذي جاء على قدر، فوليام مستوغتون (1631-1701) يرى أن الله اختار مواطني أميركا بعناية، فغربلهم كما تغربل الحبوب لفصل البذرة الصالحة عن غيرها.
وجون وينثروب حاكم مستوطنة ماساشوستس عام 1629 حتى وفاته في العام نفسه، ذهب إلى وصف نفسه وأصحابه بأنهم في خدمة المسيح وأنهم يرتبطون معه بميثاق، وأنهم أعضاء جسم فريد موحد، وهم شعب الله المختار وإله إسرائيل بينهم.
وقال كوتون ماذر إن أميركا كانت قبل مجيء الحجاج الأوائل لأرض الشيطان، وإنه أي الشيطان سيستعمل كل حيله للحؤول دون استيطان المستوطنين.
وبهذا تكونت صورة الهندي الشرير والبربري المسكون بالشيطان، في مقابل الرجل الأبيض المختار المسكون بالخير المتصف بالتحضر. وأيضا في مقابل الأسود الجاهل الذي لا يجيد التمتع بالحرية "كما هي في الولايات المتحدة".
ويقودنا الكتاب إلى أن الشعب الأميركي مسكون بحقيقة مفادها أنه يجسد أمرا إلهيا قاده إلى الاستيطان وإبادة الشعب الأميركي الأصلي واستعباد الشعب الأسود، ثم دفعه لبدء السيطرة والهيمنة على العالم.
الدوائر الثلاث
فأميركا مدعوة إلى تمثيل الجمهورية الإلهية الوحيدة، ورأى بنيامين فرانكلين أن الولايات المتحدة ستكون مولدة لمجتمع عالمي، المؤسسات والعادات والمبادئ الأميركية جاهزة للتطبيق في كل مكان. ومع هذه الوظيفة الفريدة تلازمت ضرورة التوسع في الأراضي، فأميركا في رأيها أنه ليس لأرضها القومية سوى حدود غامضة متحركة قابلة للتوسع باستمرار اعتماداً على ثنائيتها الأيديولوجية: أنموذجية شبه صوفية غازية من جهة، ومحو البنى السياسية والاجتماعية والثقافية لكل كيان غير أميركي من جهة ثانية. ومر توسعها في دوائر ثلاث.
الدائرة الأولى:
” مر توسع الأميركي في دوائر ثلاث، الدائرة الأولى بالإبادة الخالصة للهنود الحمر، وبالاستعباد للسود. والثانية بالهيمنة على القارة الأميركية، أما الثالثة فبإخضاع أوروبا ” |
ضمنت الولايات المتحدة بواسطة الإبادة الخالصة للهنود الحمر، وبالاستعباد الاجتماعي والسياسي للسود، دائرة أولى تمكنها من الانطلاق نحو غزو أوسع. ومن أهم تواريخ التوسع في هذه الدائرة ، تعاظم "الأمة حين ابتاعت لويزيانا من نابليون"، عام 1908. وفي العام 1823 حدد الرئيس مونرو المبدأ الذي يحمل اسمه، مبدأ الحياد ذي الطابع الدفاعي الموجه ضد أي تدخل أجنبي في شؤون القارة الأميركية، واستعملت هذه العقيدة لاحقا لتعميم التوسع الإقليمي، وأن للولايات المتحدة وحدها حق حراسة الأميركيين، والتي كانت تعني بكلمات واضحة "خضوع أميركا اللاتينية لمصالح الولايات المتحدة ثم لقراراتها".
الدائرة الثانية:
بدأ غزو الولايات المتحدة لأميركا اللاتينية في منعطف القرن الثامن عشر، ضمن مشروع تحرير أميركا اللاتينية وهو المشروع الذي لقي تجاوبا من دول أميركا اللاتينية نفسها، وهو من أفدح أخطاء تلك الدول كما يقول سالينغر، لأنه أعطى الأميركيين الفرصة للتدخل في شؤونهم. ويتتبع الكاتب التدخلات الأميركية في شؤون بلدان القارة بدءا من احتلال هاواي وضمها للولايات المتحدة ومرورا بكوبا والهيمنة على بورتوريكو وهندوراس وغواتيمالا والأنموذج الأنصع للإمبريالية الأميركية بانما.
الدائرة الثالثة:
فإذا كان الصراع الأوروبي-الأوروبي كلف أوروبا خسارتها لكثير من مستعمراتها ومواقع نفوذها، فإن هذا الصراع كان سببا في تعاظم النفوذ الأميركي وتغلغله إلى داخل القارة نفسها، ففي الحرب ما بين (1914-1916) لم يتورع الأميركيون عن تزويد المتحاربين بالأغذية والأسلحة والمنتجات مقابل المال، مما زاد من حصتها التجارية في التعامل مع عدد من الدول الأوروبية، ولم تتدخل في الحرب إلا للمحافظة على التوازن العالمي وللدفاع عن التجارة البحرية التي هددتها الغواصات الألمانية. وقد جنت أميركا الكثير من الأرباح والفوائد من الحرب، بينما كانت مذبحة لأوروبا فدفعت الثمن من دمائها واقتصادها، فويلسون الرئيس الأميركي كما يقول الكاتب لم يدخل الحرب لأجل أوروبا بل جاء "كي يلقى بلاده على غزو الدائرة الثالثة". وتكرر المشهد الانتحاري الأوروبي مرة ثانية في الحرب العالمية الثانية، واعتبره الكاتب مشهدا واحدا، فهي "حرب الثلاثين سنة التي لم تنقطع من 1914 حتى 1945، ستخدم مطامع الأمبرليتين العالميتين الكبيرتين الأميركية والسوفياتية". 
الشبكة الكونية:
” الحرب العالمية الثانية أنهت الأزمة الاقتصادية في أميركا وامتصت البطالة وكشفت طاقات إنتاجية غير متوقعة ” |
فالفوضى التي نتجت عن الحرب الثانية شملت اليابان والصين والاتحاد السوفياتي وأوروبا، فقد أصاب هذه الدول الانهيار في جميع المجالات وعانت من العجز والبطالة والتضخم، فالحرب وضعت هذه الدول على حافة الإفلاس، بينما كان لها أثر معاكس في أميركا. فقد أنهت الأزمة الاقتصادية وامتصت البطالة وكشفت طاقات إنتاجية غير متوقعة.
والأمر هكذا فقد استطاعت أميركا أن تستثمر تفوقها في الحرب وازدهارها نتيجة لها، واستفادت من الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي لاقتياد الدول الأوروبية إلى توقيع معاهدات ستؤدي "تدريجيا إلى نسج شبكة عنكبوتية سياسية اقتصادية مالية إستراتيجية ودبلوماسية، ستوقع فيها واشنطن العالم الحر الأوروبي على مراحل".
ويرى الكاتب أن بنية صندوق النقد الدولي كانت تؤسس لهيمنة أميركية لا رجوع عنها، فأميركا تمتلك فيه حق النقض وأكثرية فعلية يسمحان لها بألا يجري التصويت إلا على ما تريد تمريره. وكذلك في المصرف الدولي الذي يتلخص دوره بتأمين الانتقال من الاقتصادات الوطنية إلى الاقتصاد المعولم، وأميركا تهيمن عليه وتملك الأغلبية فيه. وعلى الصعيد العسكري، فإن الحلف الأطلسي يقوم برقابة عسكرية على أوروبا، وكان قد بدأ في العام 1949 كأي حلف كلاسيكي يتساوى فيه الأعضاء، غير أن الولايات المتحدة فرضت نفسها كقائد وحيد للحلف بما كانت تقدمه من مساعدات ولاحتكارها السلاح النووي.
ويستعرض المؤلف الإجراءات والوسائل التي اتخذتها أميركا للهيمنة المطلقة على الحلف، والممانعة الفرنسية ولا سيما الديغولية لهذه السياسة، ويقول إن أميركا كانت تتبع سياسة "فرق تسد" بين الدول الأوروبية لتنال بغيتها، وإنها استعملت هذه السياسة في مواضع عدة. ولا ينسى المؤلف في معرض حديثه عن الحلف الأطلسي التأكيد على أن الهدف من حرب الخليج الثانية هو النفط، وأن "إحدى أنجع الوسائل لنهب العالم الثالث تتمثل في هذه الهيمنة على مواده الأولية".
أما الشق الدبلوماسي من الشبكة الأميركية فتجسده منظمة الأمم المتحدة، وأن ميثاقها المعمول به هو ثمرة إستراتيجية أنجلوسكسونية، وأن جميع مهمات الأمم المتحدة ذات الصلة بالأمن الجماعي قد فشلت، لأنه لا يتم التوصل إلى قرار سياسي حقيقي بين الأعضاء الخمسة الدائمين، "بل يسود إجماع رخو قلما تترتب عليه نتائج. لكن، عندما تمس مصالح الولايات المتحدة كما هو الحال في حرب الخليج، لا يواجه الأميركيون أي صعوبة لإقناع شركائهم حتى يعرجوا أمامهم".
أمركة العالم
” يبلغ التبرم بالكاتب من أميركا ذروته، حتى أنه يحاكم اللباس الأميركي والذوق الأميركي، واللسان الأميركي الذي شوه اللغة الإنكليزية ” |
لم تكتف أميركا باحتكارها للقوة المسلحة من خلال الحلف الأطلسي وقبعات الأمم المتحدة الزرقاء، وباحتكارها للاقتصاد من خلال المؤسسات الدولية الخاضعة لتقلبات السوق التي تتحكم بها أميركا، إنما احتكرت أيضا وسائل الاتصال الجماهيري، وهو "توتاليتاري بجوهره".
فالاتصال هو مجمل الأفعال التي من خلالها يتبادل الكائن البشري مع أمثاله، الإعلام والمشاعر والانطباعات والانفعالات... وأميركا تسيطر على هذا القطاع وشهدت ولادة كبرى الوسائل، ويقدر المؤلف بأن الوكالات الأميركية للأنباء قادرة "على مراقبة 90% من الإعلام المبثوث".
والإعلان يدين لأميركا بأنها جعلت منه سلاحا فعالا، للتلاعب بعقول الجماهير وللغزو السياسي والثقافي والاقتصادي، ومعظم أجهزة التلفزة تحاكي البرامج الأميركية. أما في مجال السينما فإنه لا طاقة لأوروبا في الصمود في مواجهة مدفعية هوليود، فقد تلاشى معظم إنتاجاتها الوطنية "في هاوية الصناعة السينمائية الأميركية". فضلا عن ذلك فإن الولايات المتحدة أجادت استخدام التكنولوجيا وتسيطر على معظم محركات الاتصال في العالم، وتخضع الإنترنت لشركاتها العملاقة، وذلك في الوقت الذي أساءت فيه أوروبا "استعمال التنمية التكنولوجية".
ويبلغ التبرم بالكاتب من أميركا ذروته، ويحاكم اللباس الأميركي، ذلك "الرداء البقري" كما يسميه، ويحاكم الذوق الأميركي الذي جعل من الأطعمة غير المتناهية من الطعم والكثيرة الروائح جميعها أكلة واحدة ناشفة تسمى "الأكلة السريعة". حتى إنه توقف عند اللسان الأميركي وكيف فعل فعله في تشويه اللغة الإنجليزية وإخضاعها للأمركة.
والكتاب عموما غني بالمعلومات، ويصطبغ بروح فرنسية مقاومة أو بتحديد أدق بروح ديغولية ممانعة، يناهض العولمة، يقترب من اليسار بل يعتنقه ولكن على طريقته، ويشده الشوق لإدانة أميركا وطريقتها في الحياة وبالأدلة، ويبكي على ضعف أوروبا وتبعيتها، ويضع حدا فاصلا لغرب ينظر إليه العرب على أنه واحد، ويجعل منه غربين، غربا آفلا تجسده أوروبا، وغربا مهيمنا يدعى أميركا.
ــــــــــــــــ
* قسم الدراسات والبحوث-الجزيرة نت.